ربما لا يختلف اثنان على هذا الأمر، الكل يريد أن يعرف ما الذي يفكر فيه الطرف المقابل. بدءًا من الذي تفكر فيه النساء وحتى الذي يملكه الجواسيس من معلومات، مرورًا بما يعده لك مديرك في العمل من مهام وحوافز أو عقوبات، كل هذه أمور يتمنى الشخص لو أن عنده قدرة خارقة لمعرفتها أو أن يساعده الذكاء الاصطناعي على ذلك.

من بين أهم الأسئلة التي تحير الرجال في العالم، هو الطريقة التي تفكر بها النساء، خصوصًا وأنه من المفترض أن كل كلمة تقولها لا تقصد بها المعنى المباشر، لكن هناك معنى آخر خفي تريد إيصاله، ويفترض أن تكون مهمة الرجل المقدسة هي معرفة هذه الرسائل المشفرة.

عام 2000 خرج علينا الممثل الأمريكي المعروف ميل جيبسون بأحد أروع أدواره في فيلم «what women want»، والذي اكتسب فيه موهبة خارقة تسمح له بقراءة أفكار النساء. كان هذا بمثابة زلزال غيّر حياته بأكملها، وجعله أكثر نجاحًا في عمله عبر معرفة ما تريده النساء بالفعل.

يبدو أن الحلم بدأ يتحول إلى حقيقة

الآن، وبعد مرور قرابة 20 عامًا على الفيلم، يبدو أن الخيال اقترب كثيرًا من أن يتحول إلى حقيقة. فقد تمكَّن مجموعة من العلماء من تطوير وحدة لـ«فك الترميز» يمكنها ترجمة نشاط أو موجات الدماغ إلى حديث، بحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية.

تطوير هذه التقنية ليس غرضه فهم ما يدور في أدمغة النساء أو القرصنة على أمخاخ الجواسيس واستخلاص المعلومات منها. الفكرة هنا طبية بحتة لمساعدة المرضى. في المستقبل، سوف يصبح بإمكان هذه الأجهزة إعادة القدرة على الكلام للأشخاص الذين فقدوا أصواتهم بسبب حالات مثل الشلل، أو سرطان الحنجرة، أو التصلب الجانبي الضموري.

لكن ما يخيف هنا هو ما قد تؤدي إليه بعض التطبيقات الأخرى، أو الاستغلال السيئ، لهذه التقنية. هذا قد يتيح استخدامها القرصنة على أدمغة البشر والحصول على معلومات هامة مثل الحسابات البنكية. ولماذا لا يصل الأمر حتى إلى محاولة اقتحام أدمغة كبار الساسة وقادة الجيوش والاستخبارات؟

تنبؤات 2019 في الإعلام: حاسوب يكتب ألفي قصة في ثانية والحديث مع الآلات سيزيد

ما هي التقنية الجديدة؟

مثلما يستطيع الحاسوب، أو الذكاء الاصطناعي، تحويل الصوت إلى كلام مكتوب في كثير من تطبيقات الهواتف الحالية، سيتمكن أيضًا من ترجمة الأفكار إلى كلمات منطوقة.

اكتشف فريق من العلماء من «جامعة كاليفورنيا» قطعة جديدة واعدة من هذا اللغز الكبير نحو ترجمة الأفكار وموجات الدماغ وتحويلها إلى كلام منطوق. فقد ابتكر العلماء نظامًا يترجم موجات الدماغ إلى كلمات من خلال التركيز على الحركات الجسدية المتعلقة بالكلام، بدلًا عن صوت الكلمات.

ووجد الباحثون أن النظر إلى الحركات المقصودة للسان والحنجرة وآليات الكلام الأخرى سمحت لهم بإعادة إنتاج الأصوات بطريقة أكثر موثوقية من محاولة مطابقة موجات الدماغ مع أصوات الكلام المتوقعة. وباستخدام هذه المعلومات، أنشأ الفريق البحثي برنامج كمبيوتر يحاكي حركات المسالك الصوتية عن طريق شحذ مراكز النطق في الدماغ.

ألقِ نظرة عبر الفيديو التالي الذي يوضح مثال على هذا النوع من نمذجة الكلام. يمكنك رؤية العلاقة بين الكلمات المنطوقة المقصودة، والطريقة التي يجري بها تشكيل هذه الكلمات من خلال الأجزاء المختلفة من المسالك الصوتية.

نشرت نتائج الفريق مؤخرًا في مجلة «ناتشر (Nature)». وخلصت الورقة البحثية إلى أن هذه الطريقة الجديدة يمكن أن تكون أساسًا لتكنولوجيا يمكنها أن تغير حياة الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الكلام الشديدة، أو الصدمات الجسدية، أو غيرها من الحالات التي تحد من قدرتهم على التواصل.

وقال إدوارد تشانغ، أحد المشاركين في المشروع، في مؤتمر صحافي: «لقد كان هدف مختبرنا منذ زمن طويل هو ابتكار تقنيات لاستعادة التواصل للمرضى الذين يعانون من إعاقة شديدة في النطق. نريد إنشاء تكنولوجيات يمكنها إعادة إنتاج الكلام مباشرة من نشاط الدماغ البشري. تقدم هذه الدراسة دليلًا على مبدأ أن هذا ممكن».

الجانب السلبي للتقنية.. مرعب

اعتقدت إحدى الأمهات الأمريكيات في شهر أبريل (نيسان) الماضي، أن ابنتها البالغة من العمر عامين فقط كانت تخترع الأصوات؛ لأنها كانت تسمع بعض الأصوات الغريبة القادمة من غرفتها، لكن لا شيء هناك. ظنت هذه الأم أن هذه الأصوات التي تقوم بها الطفلة ناجمة عن بعض الكوابيس التي كانت تراها ليلًا.

لكن الأم غيرت وجهة نظرها كليًا عندما فوجئت ببعض المواد الإباحية التي ظهرت على شاشة إحدى الكاميرات التي كانت تراقب بها غرفة الطفلة. ببساطة اخترق شخص ما الشبكة الداخلية لنظام الكاميرات والشاشات الذكية بالمنزل.

لم يكن هذا حادثًا منفردًا. إذ يمكن لشركات التقنية جعل الأجهزة أكثر أمانًا، لكن ذلك سيتطلب مشاركة أكبر من قبل المستخدم – وهو ما يعرف أيضًا باسم «الاحتكاك» أو «friction» – وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الاعتماد على هذا الجهاز من قبل المستهلكين.

الفكرة ببساطة هي فكرة تسويق ومبيعات. فإذا قامت الشركة الأمنية بتعقيد منتجها أكثر، وتطوير خطوات أمان كثيرة، فهذا يتطلب عمل ومشاركة من المستهلك أكثر خلال عمليات التشغيل. هذا الأمر مزعح كثيرًا للمستهلكين الذين يفضلون بالطبع تثبيت المنتجات الإلكترونية بمجرد ضغطة زر.

إذا وصلت شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى منتج آمن بشكل كامل، فهذا قد يؤثر على نسب البيع؛ لأنه سيكون معقد أكثر في الاستخدام. وحتى تهيمن على السوق، فإنك تحتاج في النهاية إلى عملية تثبيت سهلة وبسيطة للمنتج الخاص بك، تمامًا كما لو أنك وفرت منتجًا يقوم بتثبيت نظام «إنترنت الأشياء» المعقد بمجرد ضغطة زر واحدة.

لإنجاز هذا تضحّي شركات التكنولوجيا العملاقة بالأمان في مقابل الراحة وسهولة الاستخدام. والمشكلة تأتي من المستهلكين الذين يفضلون السهولة. على سبيل المثال، يوفر «فيسبوك» خدمة «المصادقة الثنائية» عند تسجيل الدخول إليه، لكن كم منا قام بتفعيلها؟

العملاء غالبًا ما يتجاهلون تلك الخطوات الزائدة؛ إذ تعتبر القدرة على إلغاء تثبيت عنصر ما أو توصيله وإخباره على الفور بما يجب فعله، ميزة في نظر المستهلك، ثم فجأة يشاهد الطفل مقاطع إباحية، وتتساءل الأم أين ذهبت الخصوصية.

مثل هذه المشاكل ستستمر في الزيادة إلى أن تجبر اللوائح الشركات التقنية على تثبيت تدابير أمنية أكثر جدية. وتستخدم هذه المشاكل أيضًا قواعد في بناء الروايات والأفلام الخيالية.

لكن لماذا هذه المقدمة الطويلة حول المخاطر؟ بالفعل طويلة، لكنها كانت ضرورية لرسم صورة عامة تجعلنا نفهم ما نحن مقدمون عليه مع أي تقنية جديدة.

الذكاء الاصطناعي والاستغلال السيء

بالنسبة إلى الذكاء الاصطناعي، هناك سباق كبير حاليًا بين كبرى الشركات للدخول إلى هذا السوق. ولكن في خضم الإثارة حول إنشاء آلات أكثر ذكاءً منا، علينا أن نتساءل عن أنواع التسويات التي سنضطر لتقديمها.

هنا فلنعد إلى التقنية الجديدة التي تحدثنا عنها. تكنولوجيا جديدة يدعمها الذكاء الاصطناعى تترجم أنماط الدماغ إلى كلام. حتى الآن، كان الذكاء الاصطناعى قادرًا على تحديد وترجمة الكلمات أحادية المقطع من نشاط الدماغ.

لكن التقنية الجديدة التي تمثل قفزة واسعة للأمام، أظهرت أن الأقطاب الكهربائية المتصلة بجماجم المشاركين، أنتجت جملًا كاملة.

حاليًا لا يمكن تطبيق هذه التقنية على الأشخاص الذين لا يستطيعون التحدث على الإطلاق، على الرغم من أن العلماء يأملون في أن يكون هذا التقدم نقطة دخول لمثل هذا التطبيق. ستكون القدرة على التواصل مع الآخرين لهؤلاء المرضى نعمة كبيرة.

وبالنظر إلى الزيادة السريعة في تطوير هذه التكنولوجيا على مدى العقد الماضي، يأمل الباحثون أن يكون هذا التطبيق قاب قوسين أو أدنى.

لكن الجانب السلبي هنا يتمثل في التطبيقات الأخرى لهذه التقنية. تحويل الموجات الدماغية إلى أشخاص في الأسر مثلًا، لاستخلاص كلمات تحوي كامل المعلومات عن الجيش الذين يقاتلون معه، على سبيل المثال. أجهزة الاستخبارات ووزارات الدفاع في العالم كله تحوي بالطبع مختبرات علمية حديثة تحاول الاستفادة من كل تقنية جديدة تظهر ومن أية ميزة يقدمها الذكاء الاصطناعي.

وربما هناك سيناريو أكثر رعبًا. ماذا لو تطورت الأجهزة التي تقدم هذه التقنية وأصبحت تعمل عن بعد. تخيل لو أن هناك جهاز يعمل بالليزر مثلًا يطلق شعاع الليزر إلى دماغ الرئيس الأمريكي ويعود محملًا بكل الموجات الدماغية للمخ، بما فيها من أسرار وشيفرات إطلاق الأسلحة النووية؟

ليس هذا فحسب، ربما تضيع مننا خصوصيتنا إلى الأبد. ما الذي يمنع كبريات شركات التكنولوجيا من تطوير تطبيقات عبر الهواتف المحمولة للقرصنة على ما يدور في رأسك واستخلاص معلومات يتم بيعها لأطراف أخرى وشركات تسويق مختلفة بهدف حصارك بمنتجات معينة.

هذا يحدث معنا بالفعل عبر «فيسبوك» الذي يزعم البعض أنه يستخدم ميكروفون الهواتف الذكية للتجسس على ما نقوله في أحاديثنا، ويستخلص من هذه الأحاديث توجهات المتكلم فيعرف نوعية المنتجات التي يمكن استهدافه بها.

منح الذكاء الاصطناعي أخلاقيات البشر

لا يشترط أن يكون عمل الآلة خيارًا أفضل من عمل البشر. من المؤكد أن السيارات ذاتية القيادة قد تقلل من الحوادث، لكن هل العجز التام عن الانتباه والمتابعة يستحق هذه التكلفة؟ إذا لم تلاحظ أبدًا إلى أين أنت ذاهب بالسيارة، فكيف حتى أين أنت؟ هل تجعل مصيرك في يد الذكاء الاصطناعي؟

يحب المدافعون تقديم حجج أخلاقية، مثل فكرة أن الأجهزة التي تدعم الذكاء الاصطناعي يجب أن تتلقى الاعتبارات الأخلاقية نفسها مثل الحيوانات. لكن ماذا عن أخلاقيات البشر؟ فالغموض المرتبط بالآلات الحديثة يعمينا عن المشاكل التي قد يجلبها للبشر.

فكما هو الحال مع مشكلات الخصوصية على «فيسبوك»، فمن المرجح أن تكون المليارات ستربحها شركات التكنولوجيا قبل أن نتعرف حتى على وجود مشكلة مطروحة.

حينما يرسم الروبوت لوحة ويكتب شعرًا.. هل ينافس الذكاء الاصطناعي إبداعات البشر؟

المصادر

تحميل المزيد