في أبريل (نسيان) الماضي، أطلق مواطنون مغاربة حملة لمقاطعة عدة شركات، كان على رأسها شركات المياه المعدنية؛ وذلك احتجاجًا على غلاء الأسعار؛ إذ تعتبر أسعار المياه المعدنية بالمغرب مرتفعة مقارنة بدول مجاورة، وهو ما يجعل مستوى استهلاك المغاربة من المياه المعدنية لا يتجاوز معدل 20 لترًا في السنة، مقابل 30 لترًا بالنسبة إلى المواطن التونسي، و100 لتر للمواطن في إيطاليا.

وأصبح شراء المياه المعبأة أو المعدنية ظاهرة سائدة في معظم دول العالم اعتقادًا بأنها أفضل وأنقى من غيرها، خاصة مع انتشار الأمراض والأوبئة التي تنتقل عبر المياه، والتي يتخوف الناس من انتقالها عبر المياه؛ إذ تشير تقديرات إلى أن الإنفاق السنوي على شراء المياه المعبأة، يقترب سنويًا من 100 مليار دولار.

إلى أين وصلت حملة المقاطعة في المغرب؟

تشير تقديرات إلى أن إجمالي إيرادات سوق المياه المعدنية في المغرب يبلغ نحو 39 مليون دولار سنويًا، وذلك رغم ضعف الاستهلاك المحلي بسبب الأسعار المرتفعة التي تباع بها قنينات الماء المعبأة؛ إذ تسيطر شركات خاصة على عيون المياه المعدنية في المغرب، لتحقق من خلالها أرباحًا كبيرة، حيث تستحوذ «شركة أولماس سيدي علي» على نحو 72% من سوق المياه المعبأة.

وهذه الشركة تملكها مريم بنصالح شقرون، رئيسة الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وواجهت هذه الشركة التي تستغل المياه الطبيعية لقرية بنصميم بمنطقة أفران، دعوات بتأميم هذه العيون إذ دعت الرابطة المغربية للمواطنة وحقوق الإنسان إلى «تأميم جميع مصادر المياه بالمغرب»، وذلك باعتبار أن الحق في الماء هو ملك للجميع ولا يجوز تسليعه.

وتنشط ست شركات أخرى بالمغرب، وهي شركة «عين أطلس» و«صوطيرما»، التي تسوق مياه «سيدي حرازم» و «عين سايس»، وتستحوذ على نحو 17%، ثم شركة «براسري المغرب» عبر فرعها «أورو افريكان للماء» التي تسوق مياه «عين افران» وحصتها 3%، ثم شركة «الكرامة» فرع مجموعة «يينا هولدينج» التي تسوق مياه «عين سلطان» وتستحوذ على نحو 1.5% من حصة السوق.

هذه السيطرة التي تصل إلى حد الاحتكار كانت السبب الأساسي في دعوات المواطنين لمقاطعة المياه المعدنية، فانعدام المنافسة تقريبًا بين شركات القطاع جعل الأسعار مرتفعة جدًا مقارنة حتى بالأسعار في أوروبا، وذلك رغم انخفاض الجودة والفروق الاقتصادية الكبيرة.

وفي ظل تدهور مستوى المعيشة في البلاد عزف المواطنون عن الشراء؛ فبحسب المندوبية السامية للتخطيط فإن 38.3% من الأسر المغربية صرّحت بتدهور مستوى المعيشة خلال الأشهر الاثني عشر التي تنتهي مارس (آذار) الماضي، بينما تتوقع 24.1% من الأسر تدهور مستوى المعيشة في الأشهر القادمة.

وحتى الآن تعتبر الحملة في المغرب ناجحة، ففي أعقاب المقاطعة سارعت مجموعة بنصالح وبقية شركات تسويق المياه المعدنية إلى تخفيض أسعار مياهها الجوفية المعبأة في القوارير، بنسبة تراوحت ما بين 20 و55%، بينما سارعت باقي الشركات إلى خفض أسعار مياه المائدة إلى مستويات غير مسبوقة.

وذلك في الوقت أظهرت أرقام نُشرت في سبتمبر (أيلول) 2018 أن حملة المقاطعة كان لها تأثيرها على شركتي «سنطرال دانون» لمنتجات الألبان و«أولماس» للمياه المعدنية المتخصصة في تعبئة المياه، إذ كشفت الأولى عن إن صافي الربح العائد للمساهمين في النصف الأول هبط بنسبة 87.9% لتصل الأرباح إلى 9.74 مليون درهم، بينما كشفت النتائج المالية للشركة المالكة لمياه «سيدي علي» تراجعًا كبيرًا خلال الأشهر الستة الأولى من 2018، وذلك بنحو 160 مليون درهم، من 897 مليون درهم في نفس الفترة من 2017 إلى 737 مليون درهم فقط، لكن السؤال الآن هل تتكرر هذه التجربة بدول عربية أخرى؟

ما حجم سوق المياه المعدنية عربيًا؟

يتزايد حجم سوق المياه المعدنية عربيًا بصورة كبيرة في السنوات الأخيرة وذلك للاعتبارات الصحية، بل إن بعض الدول تلجأ للاستيراد، ففي السعودية ورغم وجود العديد من المصانع المحلية الخاصة بإنتاج المياه المعدنية، إلا أنها تستورد سنويًا مياهًا بتكلفة نصف مليار ريال، وتتصدر تركيا الدول المصدرة المياه إلى السعودية، ويصل إنتاج المملكة لقرابة 6.5 لتر مكعب يوميًا.

وتعتبر السعودية أكثر دول المنطقة التي تنشط فيها منافسة حقيقية تدعم توازن السوق، إذ إن هناك 450 مصنعًا للمياه باستثمارات تتجاوز 8 مليارات ريال سنويًا، وبحسب إحصائية صدرت في مايو (آيار) 2016 فإن نحو 37.21% من سكان المملكة يعتمدون بشكل رئيس على المياه المعبأة في القوارير.

ووفق منظمة الخليج للاستشارات الصناعية فإن الاستثمارات التراكمية لمصانع مياه الشرب في الخليج وصلت إلى أكثر من 1.6 مليار دولار، وارتفع عدد القوى العاملة في هذا القطاع إلى 25.6 ألف عامل، وبلغت حصة السعودية من مصانع المياه نحو 52.5%، تلتها الإمارات بنسبة 22.4%، ثم سلطنة عمان بنسبة 9.8%، فمملكة البحرين بنسبة 6.6%، ثم دولة قطر بنسبة 5.5%، ثم دولة الكويت بنسبة 3.3%.

من ناحية أخرى تعتبر الإمارات واحدة من بين أعلى دول العالم استهلاكًا للمياه المعدنية من حيث نصيب الفرد؛ إذ يبلغ معدل الاستهلاك السنوي للفرد من المياه المعبأة في دولة الإمارات نحو 112 لترًا، ووفقًا لغرفة تجارة وصناعة دبي فإن قيمة مبيعات التجزئة للمياه المعدنية في دولة الإمارات ستصل إلى 2.7 مليار درهم في عام 2021.

الكويت هي الأخرى، تصنف ثالث دولة في استهلاك المياه على مستوى العالم بالنسبة لنصيب الفرد، وذلك بواقع نحو 500 لتر للفرد يوميًا، وبحسب «منظمة الخليج للاستشارات الصناعية» (جويك) في سبتمبر 2014 ، فخلال عقد من الزمن ارتفع عدد المصانع من 106 مصانع عام 2003 إلى 183 مصنعًا عام 2013، وارتفعت استثمارات القطاع التراكمية من 446 مليون دولار إلى أكثر من 1.6 مليار دولار خلال الفترة نفسها.

وفي مصر تشير البيانات الرسمية لغرفة الصناعات الغذائية إلى أن هناك 19 شركة تعمل في هذا القطاع وتمتلك تراخيص استغلال نحو أكثر من 22 بئرًا، ولكن يسيطر على السوق نحو ثلاث شركات فقط، وهي شركات غير مصرية وتتمثل في شركة «نستله» العالمية التي تمتلك ترخيص بأسماء منتجين هما «بركة» و «نستله»، بالإضافة إلى شركة «دسانى» التابعة لمجموعة «كوكاكولا»، ثم شركة «أكوافينا» التابعة لمجموعة «بيبسي كولا»، وصل حصة هذه الشركات إلى أكثر من 70% من السوق.

وزاد قيمة استهلاك المصريين للمياه المعبأة من 6 مليارات جنيه سنويًا في عام 2011 إلى 10 مليارات جنيه سنويًا عام 2015، كما ارتفعت بنسبة تتراوح بين 30% و40%، وتشير التقديرات إلى أن حجم الاستثمارات القائمة بقطاع صناعة المياه المعدنية في مصر يصل إلى 2.5 مليار جنيه.

وفي تونس شهد قطاع المياه المعدنية تطورًا ملحوظًا، إذ ارتفعت مبيعاته من 290 مليون لتر عام 2000 إلى 1700 مليون لتر العام الماضي، وارتفع معدل الاستهلاك السنوي للفرد من 31 لترًا عام 2001 إلى ما يفوق 170 لترًا خلال عام 2017، كما ينشط في القطاع نحو 28 شركة تتنافس بينها.

استثمارات ضخمة وأرباح مضمونة.. ماذا عن الجودة؟

بالرغم من الحجم الكبير لهذا الاستثمار المضمون، إلا أنه دائمًا ما تثار أزمة الجودة عربيًا، فعلى سبيل المثال يؤكد رئيس «هيئة سلامة الغذاء» في مصر أن 80% من إنتاج المياه المعدنية «لا يراعي الاشتراطات والمواصفات»، وسبق أن حذر جهاز حماية المستهلك، من التعامل مع سبعة أنواع من منتجات المياه المعدنية المطروحة بالأسواق، وذلك لخطورتها على الصحة العامة، نظرًا لعدم حصولها على تراخيص بالإنتاج من الجهات المعنية، لكنها رغم ذلك ما زالت موجودة.

هذه المخالفات المتعلقة بالجودة منتشرة في معظم الدول العربية، وهي مخالفات لا تتناسب مع الأرباح التي تجنيها هذه الشركات، فخلال الشهر الماضي، قررت وزارة الصحة في الأردن سحب مئات العبوات لشركة «نستله» ومنع تداولها، وذلك بعد إجراء الفحوص المخبرية على عينات أظهرت وجود بكتيريا «السيدوموناس» فيها.

وتتكرر هذه الحوادث بشكل كبير في المنطقة، وهو ما يوضح أن الشركات لا تهتم سوى بالأرباح فقط بعيدًا عن الجودة، وفي حادث قريب كذلك أغلقت وزارة الصحة السودانية عددًا من مصانع تعبئة المياه في الخرطوم، بعد فحصها والتأكد من تلوث مياهها بالصرف الصحي، وذلك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

من المسؤول عن ارتفاع الأسعار؟

تشير التقديرات إلى الشركات العاملة في صناعة المياه المعدنية لا تدفع غالبًا رسومًا عن استخدام آبار المياه المعدنية أو رسومًا إضافية على مياه الاستهلاك العادية التي تعيد إنتاجها في صورة معبأة، كما أن بعض التقارير تؤكد إن شركات المياه الغازية على مستوى العالم مثل «بيبسي كولا»، و«كوكاكولا» تحقق إيرادات من المياه المعدنية تفوق تلك التي تحققها من المشروبات الغازية.

Embed from Getty Images

وكما ذكرنا فإن أسعار المياه المعدنية في معظم دول المنطقة تعد مرتفعه جدًا مقارنة بالأسعار العالمية، لكن بعض الشركات تحمل الحكومات مسؤولية غلاء الأسعار، إذ حملت شركة «أولماس للمياه المعدنية» الحكومة المغربية مسؤولية غلاء الأسعار، وذلك بسبب الضرائب الكثيرة التي تُفْرَضُ عليها، ودعتها إلى تخفيض الضرائب حتى يتسنى لها خفض مراجعة أثمنة منتجاتها.

في حين أن الحكومات ترفض مثل هذه الاتهامات، لكن من يدفع الفاتورة في النهاية هو المواطن الذي بات لا يعرف من يطالب الحكومات أم الشركات؟

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!