يأتي الموت على الشعب السوري بأشكال متعددة تارة بالقصف أو الكيماوي وأخرى بالتعذيب. لكننا في هذا التقرير نتحدث عن موتٍ يأتي السوريين بشكل «متنقل» يهدد حياتهم ربما لعشرات السنوات القادمة، وبشكل غير متوقع ومفاجئ في وقت يعتقدون فيه أنهم أصبحوا بأمن وسلام. إنها مخلفات الحرب السورية، تقتل وتفتك بدون أي رحمة، مثل طائرات الأسد وروسيا.

يعيش السوريون في جميع المناطق التي شهدت معارك أو عمليات قصف من جنوب البلاد إلى شمالها ومن شرقها إلى غربها تحت رحمة مخلفات الحرب المتفجرة. إذ تحصد أرواح المدنيين بشكل يومي أو تصيبهم بعاهات مستدامة أو تشوهات تمحي ملامح وجوههم. وحتى بعد عودة الهدوء إلى بعض المناطق أو سيطرة النظام السوري عليها؛ فإن المدنيين في هذه المناطق ما يزالون في خطر بسبب انتشار المقذوفات غير المنفجرة في كل مكان تقريبًا.

على خطى روسيا.. لماذا تدعم أمريكا استخدام الأسلحة الحارقة في سوريا؟

قصص ومآسي الموت المتنقل

كان عادل ذو السنوات التسع يلهو ويلعب مع أطفال بلدته بمعرة مصرين بريف إدلب في السهول وبين الأشجار، إلى أن عثر على مقذوف غير متفجر. وغير مبال وعن جهل قام بحمله بيده فانفجرت على الفور ما تسبب ببتر ذراعه وتشوه كبير في وجهه. يقول والده لـ«ساسة بوست» أن طفله إلى الآن ما زال يعاني من إصابته جسديًّا، لكن معاناته النفسية أكبر.

فهو لم يعد يخرج إلى الشارع ويخاف من أبسط الأشياء، كما أنه يخجل كثيرًا من هيئته الحالية ودائمًا ما يخفي ملامح وجهه، وحاولنا في «ساسة بوست» الحديث إلى عادل فرفض ذلك.

منطقة ألغام غير متفجرة. مصدر الصورة: الدفاع المدني سوريا-محافظة إدلب

مثل عادل هناك عشرات الحالات تعيش جحيمًا فوق جحيم القصف المتواصل من قبل روسيا والنظام السوري، فالشاب سيف (20 عامًا) صاحب الوجه الجميل، بحسب ما قالت والدته، والمُهجر من الغوطة الشرقية إلى ريف إدلب يقول لـ«ساسة بوست»: «كنت أعمل في مزارع قطف الزيتون حتى أساعد أهلي في الحياة الصعبة في المناطق المحررة، وأثناء ذلك لم أشعر بشيء آخر سوى وأنا بالمشفى والدماء تنزل من كامل جسمي وشاهدت قدمي وقد تهشمت كليةً ورأيت عظامي».

يضيف: «بدأت بالصراخ حتى فقدت الوعي ربما من البنج أو الخوف لا أعلم. وعندما استيقظت كانت قدامي تم بترهما، وتعرض وجهي للتشويه، ولكن الأطباء يقولون أنه مع بعض عمليات التجميل قد يعود وجهي كما كان، ولكنها مكلفة ولا نملك المال. لقمة العيش أهم من ذلك».

على الجانب الآخر؛ يوجد في سوريا أشخاص مهمتهم انتشال الحياة من تحت الأنقاض والبحث عن الأمل في كل هذا اليأس المحيط بهم، إنهم «الخوذ البيضاء» أو الدفاع المدني السوري. يقول حسن المقداد والذي يعمل في فريق إزالة مخلفات الحرب لـ«ساسة بوست»: «أتانا بلاغ عن وجود قذيفة في أحد الأراضي وذهب فريقنا لإزالة هذه القذيفة، كنت أول من يدخل هذه الأرض والمفاجئة أن هذه المنطقة كانت مستهدفة بالقنابل العنقودية ولم نكن نعلم بذلك، وبسبب وجود حشائش وأشواك كثيفة عن مستوى الأرض لم أشاهد بشكل جيد أين تدوس قدماي وانفجرت أحد القنابل العنقودية ما أدى لبتر قدمي اليسرى وتفتت العظام في الفخ الأيمن».

يضيف المقداد أن العلاج استمر حوالي 10 شهور حتى تماثل للشفاء، وركب طرف صناعي لقدمه اليسرى، ومن ثم عاد إلى عمله مرة أخرى في فريق إزالة المخلفات الحربية، دون أي يشعر بالخوف أو التراجع عما يؤمن به. يقول المقداد «عملت أربعة سنوات في إزالة المخلفات الحربية وما زلت، وعملت في مجال التوعية من مخلفات الحرب في المدن والقرى، خاصة لتوعية الأطفال».

«أخذت المخلفات الحربية العزيز والغالي والمعيل»

تقول أم أحمد النازحة من ريف حماة الشمالي والتي فقدت زوجها وابنها جراء المخلفات الحربية وبقيت وحيدة واثنين من أطفالها: «أعيش على المساعدات التي تقدم لي من الجمعيات والمنظمات الخيرية؟ كنا قبل النزوح نعيش في منزلنا في مدينة كفرنبودة ولدينا مزرعة فستق حلبي نعيش منها وكان زوجي يعمل في مجال البناء أيضًا. لا أريد شيء الان ولكن أتمنى الذهاب والعيش في أوروبا لعلي أجد حياة كريمة لمن تبقى من أولادي»؟

لم نسأل أم أحمد كيف مات زوجها وولدها وفضلنا أن نسأل عن حالها بعد وفاتهما: «حالتي بالويل وعم عيش بس مشان هالولدين، بدي عيش مشانهم وبس، عم حاول اشتغل أي شي، اشتغلت بالخياطة، وانعرض علي شغل بقطف الزيتون وراح أبدأ الأسبوع القادم، تعبت كثير كثير وبدي أرتاح، وظهري انكسر بموت زوجي وابني، وأهلي وإخوتي الله يعينهم يساعدوني بما يستطيعون، والحال صعبة على الجميع». 

Geplaatst door ‎Civil Defense Idlib الدفاع المدني سوريا-محافظة ادلب‎ op Maandag 23 september 2019

تواصل «ساسة بوست» مع السيدة أم طلحة، وسألناها عما حصل معها، قالت: «صباح يوم جمعة خرجت مع أطفالي الأربعة وزوجي، للعمل في مزرعة الزيتون الخاصة بنا، حتى نسقي الشجر ونتخلص من الحشائش الضارة. كان أولادي يلعبون في الماء والطين، ومن ثم سمعت صوت انفجار، وتوجهت مسرعة مثل المجنونة وشفت طلحة وسمر غرقانين بدمائهم». لم تتمالك أم طلحة نفسها وهي تروي لنا ما حصل مع أولادها وهي تنتحب، فقد أخذ الموت اثنين من أطفالها، ليكمل أبو طلحة الحديث ويقول: «الحمدالله على عطاء الله، أخذ مني اثنين وخلالي اثنين، في عالم راحت ولادها وما ضل معهم شي، الله يعوضنا خيرًا في الدنيا والآخرة».

من عادات الموت في سوريا أن يأخذ معه كل شيء، فهناك عوائل فقدت كامل أبنائهم كما حدث مع عائلة آل التركاوي الذين فقدوا ثلاثة من أطفالهم جراء انفجار قنبلة عنقودية من مخلفات القصف الروسي على قرية مسعدة بريف حماة الشرقي. أو تلك العائلة التي فقدت أطفالها الأربعة وأصيب الأب والأم في مدينة طيبة الإمام بعد انفجار أحد الألغام من مخلفات الحرب. أما ذلك اللغم الذي تركه تنظيم «داعش» وراءه بوادي العذيب بريف حماة الشرقي فقد انفجر وأودى بحياة 20 عاملًا كانوا يبحثون عن نبات الكمأة.

«مخلفات الحرب».. أُم المعضلات

اعتمدت الأمم المتحدة في عام 2003 معاهدة وبرتوكول للمساعدة على الحد من المعاناة الإنسانية الناجمة عن مخلفات الحرب القابلة للانفجار. وتقديم مساعدة سريعة إلى المجتمعات المحلية المتضررة، وهذا البروتوكول اعتمد من قِبل الدول الأطراف في اتفاقية 1980 المتعلقة بأسلحة تقليدية معينة، وهو البروتوكول الخامس لهذه الاتفاقية. وقد دخل حيز التنفيذ في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) 2006. وبلغ عدد الدول التي أصبحت طرفًا فيه حتى أول يوليو (تموز) 2007، حوالي 32 دولة.

وقد عرّف الصليب الأحمر مصطلح «مخلفات الحرب القابلة للانفجار» بأنه «لوصف مجموعة كبيرة من الأجسام المتفجرة، أجسام غير منفجرة أو متروكة، التي تبقى في منطقة معينة بعد انتهاء النزاع المسلح. وتشمل هذه الأجسام قذائف المدفعية والقنابل اليدوية وقذائف الهاون والذخائر الصغيرة والصواريخ والقذائف وغيرها من الأجهزة القابلة للانفجار».

Embed from Getty Images

مشكلة مخلفات الحرب القابلة للانفجار ليست بالجديدة، فهي نتاج لكل النزاعات المسلحة في العصر الحديث، إذ يواجه 84 بلدًا في العالم هذه المشكلة فبولندا، على سبيل المثال، تزيل كل عام مئات الآلاف من مخلفات الحرب القابلة للانفجار التي يعود تاريخها إلى الحرب العالمية الثانية، أما في جمهورية لاو، ما يزال هناك ملايين الذخائر الصغيرة غير المنفجرة رغم انتهاء القتال عام 1975، إذ تؤدي هذه المخلفات لمقتل وإصابة المئات سنويًا في مختلف أنحاء العالم.

الحرب العالمية الثانية أحد أكبر الحروب في التاريخ الإنساني والتي خلفت خلال ست سنوات فقط ما بين 70 إلى 85 مليون قتيل حسب تقديرات غير رسمية، وخلفت أيضًا ملايين الذخائر والقنابل غير المنفجرة في عموم القارة العجوز أوروبا، والتي تعاني الدول من ويلاتها لغاية اليوم. بينما في سوريا فقد دخلت الحرب عامها التاسع وخلفت مئات الالاف من القتلى في صفوف المدنيين والمقاتلين من جميع الأطراف على حد سواء، هذا بالإضافة لملايين القذائف والصواريخ والألغام غير المتفجرة.

شهدت سوريا خلال السنوات الثمان العجاف الماضية حربًا شرسة ما تزال مستمرة، بعد مظاهرات واسعة شهدتها البلاد في مارس (آذار) 2011 طالب فيها المتظاهرون بإسقاط النظام السوري، لتطور بعد ذلك إلى حروب طاحنة، شاركت فيها روسيا وتركيا وإيران وميليشيات عراقية وأفغانية ولبنانية إضافة للتحالف الدولي الذي يضم أمريكا وعددًا من الدول الأوربية وكل دولة أو جهة شاركت لأسباب مختلفة عن الأخرى بهدف حماية مصالحها فقط، وجميع هذه الجهات بما فيها المعارضة السورية المسلحة و«داعش»، تسببوا جميعًا بكارثة إنسانية عبر مخلفات الحرب التي ربما تحتاج سوريا عشرات السنين حتى تتمكن من إزالتها.

متفجرات روسية وإيرانية وأمريكية وفرنسية.. تعددت الأنواع والموت واحد

تتوزع مخلفات الحرب والألغام في غالبية محافظات سوريا ما عدا تلك المناطق التي لم تستطع المعارضة السورية المسلحة أو «تنظيم داعش» السيطرة عليها مثل مدن دمشق وحماة واللاذقية وطرطوس والسويداء وغيرها، فهذه المناطق لم تشهد معارك أو قصفًا إلا بشكل محدود جدًا، وبسبب مشاركة العديد من الدول والمليشيات في هذه المعارك فإن المخلفات الحربية متنوعة منها ما هو روسي وإيراني وأمريكي وفرنسي وبريطاني وغيرها.

تعرضت المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة على مدى سنين الثورة السورية لقصف كثيف بشتى أنواع الأسلحة والقذائف، وبعضها لم ينفجر عند وصوله إلى الأرض. بينها قنابل عنقودية وحارقة وقذائف هاون ومدفعية أو قنابل يدوية أو غيرها. بينما تلك المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم «داعش» فقد تلقت الكم الأكبر من القصف لأنه كان عدو الجميع في سوريا، وتم استخدام كمية هائلة من القذائف والصواريخ من بنيها قنابل حارقة وفسفورية، ما جعل هذه المناطق تعيش فوق بحر من المخلفات المتفجرة. 

مصدر الصورة: الدفاع المدني سوريا-محافظة إدلب

ولم يكن تنظيم «داعش» ينسحب من أي منطقة إلا بعد أن يزرع العشرات وربما المئات من الألغام والعبوات الناسفة، خاصة داخل منازل المدنيين وأثاثهم وفي الطرقات وبين الأشجار المثمرة. حيث تغرق المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة «داعش» تحت بحر من الألغام والمخلفات المتفجرة، ما حول حياة المدنيين إلى جحيم حقيقي.

وعلى الرغم من سيطرة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفه قوات سوريا الديمقراطية على مساحات شاسعة من سوريا كانت خاضعة لسيطرة تنظيم «داعش»؛ ووعودهم الفارغة بالسيطرة على هذه الآفة، إلا أنها ما تزال معضلة حقيقية للمدنيين الذين يحاولون العودة إلى حياتهم.

يقول إبراهيم الحبش مدير «موقع الخابور» المختص في تغطية الأحداث في شرق سوريا لـ«ساسة بوست» أنه: «لا توجد إحصائيات دقيقة لعدد القتلى الذين سقطوا جراء مخلفات الحرب، لكن حسب التقديرية فإن العدد تجاوز 700 قتيل موزعين في الرقة وريفها، والقرى المحيطة بمدينة الشدادي ومنطقة جبل عبدالعزيز والهول ومركدة وتل حميس بريف الحسكة، وأيضًا ريف ديرالزور الشرقي في بلدات الشعفة والسوسة والباغوز».

يضيف الحبش أن «هناك مئات المصابين بحالات بتر أطراف غالبيتهم من الأطفال» ويؤكد الحبش أنه لا يمر يوم إلا ويكون هناك إصابات بسبب هذه المخلفات، مشيرًا إلى أنه مثلا مدينة الرقة فقط سقط عليها قنابل تعادل تلك التي رميت على خلال حرب فيتنام -بحسب الحبش-، بينها عدد لم ينفجر لا زال يهدد المدنيين لغاية الآن.

وكانت منظمة «هيومن رايتس ووتش» قد انتقدت في تقرير، التعامل الدولي حيال الألغام والعبوات الناسفة التي خلفها تنظيم «داعش» قبيل خروجه من مدينة الرقة، إذ تسببت بمقتل وجرح مئات المدنيين من سكان الرقة، بينهم ما يزيد عن 150 طفلًا.

وقال مدير قسم الإرهاب ومكافحة الإرهاب في المنظمة نديم حوري، إن «الدعم الدولي للتعامل مع آثار المعركة لم يرق إلى مستوى التحدي، رغم أن هزيمة التنظيم في الرقة اعتبرت انتصارًا دوليًا». وأكد على ذلك إبراهيم الحيش خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، من أن هناك بعض المنظمات الدولية المعنية بتفكيك الألغام تواجدت في مناطق «قسد» من أجل هذا الغرض لكن نشاطها محدود. إذ ما يزال هناك مئات حقول الألغام في جبل عبدالعزيز ومركدة، وعدد القتلى والجرحى في ازدياد، ما يضع العديد من إشارات الاستفهام حول عمل هذه المنظمات.

وأكدت الأمم المتحدة أن «أكثر من 10 مليون شخص في جميع أنحاء سوريا، يعيشون في مناطق مليئة بالألغام الأرضية والذخائر غير المنفجرة»، وجددت دعوتها لجميع أطراف النزاع في سوريا، إلى السماح بالعمل على إزالة مخلفات الحرب غير المنفجرة، وإجراء التوعية بأمان وضمان سلامة العاملين في المجال الإنساني.

لكن يبدو أن الحرب في سوريا مستمرة ولن تتوقف في القريب العاجل، ويبدو أن قصص الموت وكيف يأتي على الشعب السوري لن تنتهي، ولكن تبقى المخلفات المتفجرة في الحرب خطرًا في الحاضر والمستقبل، ليس فقط على الإنسان ولكن على الحيوان والنبات وكذلك البيئة من المخلفات الكيميائية التي تدخل ضمن التراب والماء والهواء، والتي تتسبب بتلف كبير للتربة الزراعية، وعليه تحتاج سوريا لعشرات السنوات بعد توقف الحرب حتى تستعيد عافيتها، فمتى ذلك الوقت؟

حلبة الصراع على نفط سوريا.. من الرابح الأكبر؟

المصادر

تحميل المزيد