مع بداية كل عام تنتشر بكثرة الأخبار المتعلقة بزيادة بعض الدول للحد الأدنى للأجور، وأحيانًا تكون نسب الزيادة كبيرة وربما غير منطقيّة، أو لا يستوعبها الكثيرون، ويتزايد الحديث عن هذه الدول باعتبارها تبحث بالدرجة الأولى عن رفاهية المواطن وتلبية رغباته، لكن هل فكّرت يومًا أنّ الحد الأدنى للأجور هو أحد أبرز الأدوات الاقتصادية التي تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها، دون النظر إلى الفائدة الحقيقية لهذه الزيادة؟ قد يدهشك أيضًا أن زيادة الحد الأدنى للأجور أحيانًا يكون ضرره في الواقع أكثر من نفعه.

لا شك أنك تجد الأمر غريبًا بعض الشيء، ولكن خلال هذه التقرير سنحاول توضيح الصورة بشكل مبسط أكثر، ولنبدأ بتعريف الحد الأدنى للأجور، وهو أقل أجر يتقاضاه العامل في الساعة، اليوم أو الشهر بحكم القانون، فلكل دولة قانون يحدد حجم هذا الأجر، لكن بعض الدول الأوروبية تترك المجال للنقابات وأصحاب الأعمال بوضع حدّ أدنى غير رسمي للأجور في بعض الحِرف أو الصناعات، وقانون الحد الأدنى عمومًا له من يعارضه من الاقتصاديين، ففي الوقت الذي نجد مطالبات بزيادات الحد الأدنى، نجد أيضًا أصواتًا – أقل – تُطالب بترك الأمر للسوق؛ إذ يرى مناهضو هذا الأمر أنّه مضرّ بالاقتصاد من ناحية الضغط على القطاع الخاص، ويجبر أصحاب العمل على دفع أجور مرتفعة ربما لا يستحقها البعض، كما أن هناك دراسات تتحدث عن أنّ الحد الأدنى للأجور كان سببًا في تدمير مئات الآلاف من الوظائف في أمريكا.

فالعمالة غير الماهرة تحصل على زيادة بدون مجهود يذكر، وبالتالي فإن أرباب العمل سيتجنّبون توظيف عدد أكبر لتجنب التكاليف المرتفعة، ولذلك فإنّ نسبة البطالة ترتفع مع كل زيادة للحد الأدنى للأجور.

وبشكلٍ عامٍ هناك خلاف شهير في أوساط الفكر الاقتصادي بين النظرية الكلاسيكية والكينزية في هذا الأمر، فبالنسبة للمدرسة الكلاسيكية تفترض أن الأجور تهبِط عندما يزيد عرض العمل عن الطلب عليه، أي نفس الأمر الذي يحدث للأسعار عند زيادة العرض عن الطلب.

افتراض الكلاسيكيين هذا يرجّح أن السوق سيستوْعب أكبر نسبة من العمّال حتى يتوازن عرض العمل مع الطلب عليه وبالتالي تكون نسب البطالة منخفضة للغاية، لكن يرى أنصار المدرسة الكينزيّة أنّ هذه الافتراضات غير واقعية في ظل النظام الرأسمالي؛ إذ يستبعد قدرة السوق على تحقيق العدالة في توزيع الدخل، عمومًا بعيدًا عن الدخول في تفاصيل اختلافات الفكر الاقتصادي في هذا الصدد، ربما تجد الآن الأمر أوسع مما كنت تعتقد، فالأمر ليس زيادة الأجور وفقط، لكنّه رسم لسياسات اقتصادية لتحقيق أهداف أبعد كثيرًا من مجرّد رفاهية العامل الذي سيحصل على هذه الزيادة.

4 دول عربية قد تختفي منها الطبقة المتوسطة قريبًا.. هل بلدك منها؟

لكن السؤال الآن ما هو: الهدف أو الأهداف التي تسعى الحكومات لتحقيقها من خلال زيادة الحد الأدنى للأجور؟ سنوضّح إجابة هذه السؤال من خلال ثلاثة أسباب، لكن قبل سردها يجب أن تعرف أن الشرائح الأقلّ دخلًا في المجتمع هي الشريحة الأكبر، لذلك دائمًا ما يكون تأثيرهم أوسع، بمعنى آخر فإن زيادة الحد الأدنى للأجور من المفترض أن تستفيد منه الطبقة المتوسطة؛ لأنها الطبقة المحرّكة للاقتصاد، سواءٌ من جانب الإنتاج أو الاستهلاك.  

 

  • النمو عبر الاستهلاك.. رفع الحد الأدنى للأجور أقصر الطرق لإنعاش الاقتصاد رقميًا

تتعامل الحكومات بشكل أساسي مع الأرقام، فأيّ تطوّر رقميّ يعدّ إنجازًا بالنسبة للحكومة، وأهمّ رقم ينظر إليه جميع المحلّلين الاقتصاديّين هو النمو الاقتصادي، وكل الحكومات تقريبًا تستهدف رفع معدّل النمو الاقتصادي بأي طريقة، لذلك يمكن للحكومة أن تستخدم أي وسيلة بغرض تحقيق مستهدف النمو الذي تريده، ولا شك أن الاستهلاك هو المحرك الرئيس للنمو الاقتصادي في أغلب دول العالم، لذلك فإن الوسيلة الأسهل للخروج من الركود وإنعاش الاقتصاد، هو إعطاء الناس أموالًا إضافيّة وتحفيزهم على الاستهلاك.

لنشرح الأمر أكثر، كي نفهم لماذا تحديدًا الحد الأدنى يدعم الاستهلاك بقوة. ذكرنا أن المستهدفين بهذا الإجراء هم الأكثريّة في المجتمع، وهم أيضًا الشريحة الأقل دخلًا وغالبًا أجورهم بالكاد تغطّي كل احتياجاتهم، لذلك عندما يرتفع دخل الشخص بواقع دولار واحد، سيوجه الدولار كاملًا إلى الاستهلاك، وذلك بخلاف الشريحة الأعلى دخلًا التي لديها فائض بالدخل وعندما يزيد الدخل بواقع دولار مثلًا من الممكن أن يدّخر الشّخص الدولار أو ينفق جزءً منه على الاستهلاك، وبلغة الاقتصاد يسمّى هذا الأمر بـالميل الحدّي للاستهلاك ويقصد به النسبة بين الزيادة في الاستهلاك التي يتبعها زيادة بسيطة في الدخل القومي، وبين الزيادة في الدخل.

من سوريا إلى ألمانيا: 7 تجارب للحد الأدنى للأجور حول العالم

بمعنى آخر عندما ترفع الدولة إجمالي الأجور بنحو مليار دولار عن طريق رفع الحد الأدنى، فهي تُدرك أن أغلب هذا الرقم سيعود للسوق عن طريق شراء سِلع، وبالتالي زيادة الإنتاج لتلبية الطلب على هذه السلع، وهنا يحدث نشاطٌ بالاقتصاد ويتحرّك النمو، لكن هل هناك دولًا اتّبعت هذا الأسلوب ونجحت؟

النماذج في هذا الاتجاه كثيرة جدًا بداية من أمريكا والصين واليابان وصولًا إلى تركيا وروسيا وكوريا وإسبانيا، وكثير من الدول التي اتبعت نفس الأسلوب ونجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، ولعل معدلات النمو الاقتصادي في الصين أبرز دليل على هذا الأمر، خاصة في السنوات الأخيرة في ظل تباطؤ صادراتها بقوة جراء التباطؤ الاقتصادي العالمي، وخلال السنوات العشر التي سبقت الأزمة المالية العالمي 2008، تمكنت الصين من الاندفاع بقوة بفضل العمالة الرخيصة.

لكن الأجور الضعيفة أدّت إلى انخفاض الاستهلاك المحلي نحو 50% من من الناتج  المحلي في 2009؛ وهو ما دفع الصين لزيادة الأجور لدعم الاستهلاك وإقناع المواطنين بضخ نقودهم في الاقتصاد، عبر زيادة الإنفاق على شراء السلع والخدمات بشكل يساهم في تدوير عجلة الاقتصاد الصيني، وهو ما حدث بالفعل، فقد بات الآن الاستهلاك هو المحرك الرئيسي للنمو في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.

ومؤخرًا أعلنت إسبانيا عن أنها تعتزم رفع معدّل الأجور بنسبة مرتفعة وصلت إلى نحو 22% خلال 2019، وذلك بعد رفعه بنحو 4% خلال العام الجاري، وذلك بهدف الحفاظ على حيوية الاقتصاد الذي يعتبر ضمن الأنشط في منطقة اليورو التي تعاني تباطؤًا ملحوظًا. على الجانب الآخر تركيا والتي سبق أن رفعت الحد الأدنى للأجور بنحو 14% بداية من 2018، قرّرت مؤخرًا رفع معدل الأجور بنسبة قياسية في 2019، وذلك بنحو 26%، وذلك في ظل سعي البلاد لمواصلة النمو الاقتصادي القوي في الوقت الذي واجهت فيه عدّة مشاكل اقتصادية خلال العام كان أبرزها هبوط العملة المحلية بنسبة وصلت إلى 40%.

  • أهداف سياسية.. الحد الأدنى للأجور الطريق المختصر لجمع الأصوات الانتخابية

ذكرنا أن الشريحة المستفيدة بزيادة الحد الأدنى للأجور هي الأغلبية في المجتمع، وهي شريحة مؤثرة بقوة في الاستقرار السياسي خاصة في وأوروبا، إذ يوجد هناك نقابات قوية يمكنها تحريك الملايين كما حدث في فرنسا مؤخرًا، لذلك فإنّ الحد الأدنى للأجور دائمًا حاضرٌ على طاولة الانتخابات سواء في الدول المتقدمة أو النامية؛ لا فرق في هذا الشأن، ولعل بيرني ساندرز الذي نافس هيلاري كلينتون على تمثيل الحزب الديمقراطي في الانتخابات الرئاسيّة الأمريكية سنة 2016 خير دليل على هذا المسعى، إذ كان يُنادي برفع الحدّ الأدنى للأجور 7.25 دولار في الساعة إلى 15 دولارًا. حملة هيلاري كلينتون، التي كانت تنافس دونالد ترامب على رئاسة أمريكا توضّح فكرة حضور الحد الأدنى للأجور دائمًا في الانتخابات وذلك عندما قالت: «أريد منكم أن تعرفوا، أن العمل سيكون له مقعدٌ على تلك الطاولة عندما أكون في البيت الأبيض».

كلينتون خلال حملتها الانتخابية دعت إلى رفع الحد الأدنى للأجور، بهدف جمع المزيد من الأصوات، وبشكل عامّ فإنّ رفع الحد الأدنى للأجور خاصة في الدول النامية غالبًا ما يكون إجراءً يسبق انتخابات برلمانية أو رئاسية، لذلك يمكن القول إن الحد الأدنى للأجور هو أحد أدوات الحكومات لتعزيز استقرارها السياسي، ولعل فنزيلا مثالًا صارخ لهذا الأمر، إذ قرَّر الرئيس نيكولاس مادورو رفع الحد الأدنى 34 ضعفًا خلال 2018، وبالرغم من أنّ هذه الزيادات لم يستفِد منها أحد بسبب التضخّم إلا أن مادورو فاز بولاية ثانية في الانتخابات بفضل مثل هذه الإجراءات.

خداع الأرقام.. كيف ينمو اقتصاد مصر دون أن يشعر المصريون

  • رفع الحد الأدنى للأجور لصرف النظر عن المشاكل الأهم

إذا كان لك أن تختار بين حد أدنى للأجور بواقع 100 دولار فقط، ولكن بدون ضرائب جديدة ورسوم جمركية وفي ظل تضخم منخفض وعُملة مستقرة، وبين أن يكون الحد الأدنى للأجور نحو 120 دولار، ولكن مع ضرائب جديدة ورسوم جمركية مرتفعة وتضخم متفاقم، وعملة محلية تواصل الهبوط، فما الذي ستختاره؟ الإجابة طبعًا ستكون إبقاء الحدّ الأدنى للأجور 100 دولار؛ لأنّ زيادته ستعني ضرائب جديدة وبالتالي يعني أنّك ستخسر أكثر من تلك الزيادة، فرفع الحد الأدنى للأجور يجعلك لا تنظر إلى مشاكل هي أهم من الحد الأدنى للأجور، وهذه سياسة يستخدمها كذلك كثير من الحكومات.

رقميًا ستجد أن زيادات الضرائب والرسوم والتضخم تقضي على نسبة أكبر من الزيادة في الأجر، لتجد في المحصلة أن الأجر تراجع ولم يرتفع كما تظن، وفي هذه الحالة تكون الحكومة نجحت في صرف اهتمامك عن المشاكل الأهم التي يجب أن تطالب الحكومة بحلها، وبالنظر مثلًا إلى تركيا وبعد الزيادة التي ستبدأ في 2019، فإن التوقعات تشير إلى أن هذه الزيادة قد تضيف نحو 2% للتضخم، في حين أن معدل التضخّم بحسب مسح أجراه البنك المركزي في ديسمبر (كانون الأول) من المتوقع أن يبلغ 21.28% بنهاية 2018.

أي أننا نتحدث عن معدل تضخم يصل إلى 23.28% مع بداية 2019، وبالنظر إلى معدل هبوط العملة المحلية على مدار العام الجاري، قد نجد في النهاية أن هذه الزيادة رغم ضخامتها لن تضيف رفاهية للعامل التركي؛ لأن هذه الزيادة ستتآكل في ظل وجود هذه المشاكل، التي من الأحرى أن تهتم الدولة بحلها.

كيف دخل اقتصاد تركيا في النفق المظلم؟ ملف «ساسة بوست» عن أزمة الليرة التركية

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!