مُجمع مكاتب ضخم يتألف من 41 مبنى خرسانيًّا، يتكونون من 10 آلاف غرفة، جميعهم أجزاء صغيرة من آلة تعذيب ضخمة  كانت تُعرف باسم وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية أو شتازي اختصارًا. من تلك الغرف قام 34 ألف ضابط بإدارة أقسام شتازي الـ34. من هؤلاء الآلاف كان 2100 فرد مهمتهم فقط نقل البريد من مكاتب البريد إلى مقرّات شتازي للاطلاع عليه قبل إرساله لوجهته،  فقد جرى إلحاق غرف بخار خاصة في كل مكتب بريد لفتح الخطابات. هذا كله إلى جانب 5 آلاف فرد مهمتهم مراقبة الأفراد المُشتبه فيهم، ويُمكن إضافة 6 آلاف فرد مهمتهم الاستماع إلى المكالمات الهاتفية الصادرة والورادة في ألمانيا الشرقية.

شتازي خصص القسم الثامن لمراقبة المواطنين في جميع الأحياء والمدارس والمكتبات ومحطات الوقود. أما القسم الثاني فخصصه أمن الدولة الألماني لرجال الأعمال والدبلوماسيين والصحافيين، وزرع الجواسيس في مكاتبهم ومنازلهم وفنادقهم. كما كان لشتازي قسم خاص للتجسس على جواسيس أمن الدولة أنفسهم. دائرةٌ من التجسس لا يعلم أحد أين تبدأ ولا عند من تنتهي؛ فالكل في نظر شتازي عدو للدولة، حتى رجال الدولة، وحتى رجال أمن الدولة أنفسهم. عبر 5 ملايين ملف عُثر عليها بعد انهيار ألمانيا الشرقية نرى إجبار موسيقيين للتجسس على زملائهم، ونجد أطفالًا جرى إغراؤهم للتجسس على آبائهم، وأصدقاءً أرهبوهم للتجسس على أصدقائهم.

المعلومات التي وُجدت لم تكن فقط عن أنشطة المواطنين السياسية، ولا محاولاتهم لقلب نظام الحكم، بل تفاصيل حياتهم الجنسية، والكتب التي استعاروها من المكتبة. كان أفراد شتازي يرتبون مع أصحاب الأعمال ليؤخروا الموظف المطلوب تفتيش منزله، ثم يدخلون للمنازل والكنائس ولأي غرفة نوم ليمشّطوها.

اكتشف عدد من المواطنين أجهزة تنصت تبث لقطر ثلاثة أميال موجودة في ياقات معاطفهم. وعندما سافر فريق ألمانيا لكرة القدم للعب مباريات في ألمانيا الغربية أُرسل وكلاء شتازي ليراقبوا إذا ما غنى أي مواطن النشيد الوطني لألمانيا الغربية، أو انفعل مع أهداف ألمانيا الغربية.

تاريخ وفلسفة

منذ 8 شهور
عملية فالكيري.. محاولة اغتيال هتلر التي تُمجدها ألمانيا وتُحيي ذكراها

جهاز مخابرات يغزو العالم

لحظة انهيار شتازي فقد 85 ألف موظف وظائفهم، ولم يجد أكثر من 2500 جاسوس في الخارج مكانًا ليُقدموا فيه بلاغتهم. وكشفت الوثائق أن شتازي كان يمتلك 150 ألف مخبر نشط، بجانب مليوني مخبر يعمل بدوام جزئي لصالح المنظمة.

امتلك شتازي 23 ألف سيارة لأغراض التجسس، كما وُجد في مقراته 250 ألف قطعة سلاح. اعتمد شتازي على منظومة إدارية تُجبر كل مُخبر على تجنيد 25 فردًا كل عام، أو تقديم 25 مشتبهًا كل عام. ضخامة الجهاز التي تكشفت ورقةً بعد الأخرى قذفت الرعب في قلوب العالم الغربي من أن يكون له جواسيس في حكوماتهم. بل بلغ الأمر إلى حد اقتناع الدول الغربية أن عملاء شتازي استمروا في أداء عملهم رغم حلّهم رسميًّا، وأن العملاء ينتظرون اللحظة المناسبة للإعلان عن وجودهم.

بدأ شتازي جهاز مخابرات اعتياديًّا للمراقبة الداخلية تحت رعاية الاستخبارات الروسية «كي جي بي». لكن سرعان ما اكتشفت الاستخبارات الروسية أن بإمكانها استغلال الجهاز لزرع جواسيس في ألمانيا الغربية تحت ستار المُنشقين والهاربين. ببطءٍ وبصبرٍ عمل أفراد شتازي في ألمانيا الغربية حتى وصلوا إلى مناصب مهمة وحساسّة في بعض الأحيان. استراتيجيتهم كانت ضمان الوصول اليومي الروتيني للوثائق الغربية بدلًا من القيام بعملية سرقة كبيرة لعدة وثائق.

على سبيل المثال سقطت حكومة المستشار ويلي براندت عام 1974، حين اكتُشف أن كبير مساعديه، جونتر جيوم، ليس إلا عميلًا للشتازي. كان جيوم قد ذهب إلى ألمانيا الغربية بحُجة الانشقاق والهروب من بطش ألمانيا الشرقية عام 1956م، واستغرقه الأمر 18 عامًا ليبني حياته المهنية في ألمانيا الغربية. كذلك نرى أن هانز يواكيم تيدج، أحد كبار المسئولين في مكتب حماية الدستور في ألمانيا الغربية، كان جاسوسًا شرقيًّا واستطاع عبر منصبه أن يطَّلع لمدة 19 عامًا على وثائق شديدة السرية، منها أسماء جواسيس وعملاء ألمانيا الغربية الذين أُرسلوا لألمانيا الشرقية.

بعد أن بسط الجهاز هيمنته على ألمانيا الغربية بدأ التفكير في التمدد لخارج حدود ألمانيا بالكامل، حدود العالم الأوسع. فقد وُجدت وثائق تربط بين شتازي ومنظمة التحرير الفلسطينية، وحركة العمل في فرنسا، وجماعة الباسيك الانفصالية في إسبانيا. كما وُجدت وثائق تربط الجهاز بأبي داوود، محمد داوود عودة، الفلسطيني الذي احتجز رهائن إسرائيلين في أولمبياد ميونخ عام 1972م، وانتهت العملية بمقتل 11 إسرائيليًّا وخمسة من منفذي العملية وشرطي وطيار ألمانيين. كما جرى تدريب مقاتلين فلسطينيين في أكاديمية فريدريك أنجلز العسكرية على استخدام قاذفات الصواريخ المضادة للطائرات والقنابل اليدوية.

شتازي في العالم العربي.. من اليمن إلى مصر

وصفت الوثائق علاقات الجهاز بليبيا بالعلاقات شديدة الخصوصية، فقد كان الجهاز يستخدم السفارات الليبية لتخزين متفجراته، والعكس كان صحيحًا أيضًا. كما بُعثت ذكرى العلاقات بين الطرفين في تحقيق أُجرى أوائل عام 2019م مثّل إعادة فتح لملف تفجير طائرة لوكريبي. التفجير الذي حدث عام 1988م راح ضحيته كل أفراد الطائرة و11 فردًا على الأرض. أدين في التفجير عبد الباسط المقرحي، ضابط أمن المطار في ليبيا، عام 2001. لكنّ معلومات جديدة أفادت عن تنسيق مشترك بين المقرحي وحوالي 20 من أفراد شتازي السابقين. وامتد التحقيق ليشمل بحثًا عميقًا حول ما إذا كان أفراد الشتازي متواطئين مع نظام الرئيس الليبي الأسبق معمر القذافي بصورة أكثر عمقًا وفي قضايا أخرى.

العلاقة بين شتازي والشرق الأوسط كانت سرًّا حتى وقعت زلة لسان قام بها أحد مسئولي شتازي أمام العامة، المسئول تفاخر أن شتازي قد درّب العديد من مقاتلي الحرية في الدولة القومية الناشئة. هفوةٌ لفظية التقطها المؤرخون لينطلقوا في رحلة كئيبة وطويلة للتنقيب في ملفات شتازي عن علاقته بالعديد من دول الشرق الأوسط، واجهتهم صعوبة في البداية أن جميع الوثائق التي تحدثت عن علاقات شتازي بالخارج كانت قد أتلفت بشكل مُمنهج إما بالتمزيق، وإما بالإغراق في سائل يطمس الحبر. لكن عبر نسخ الوثائق في دول الطرف الآخر من التعاون، وعبر حسابات وشهادات عملاء شتازي السابقين ، أصبحت المعلومات المتراكمة أكثر وضوحًا على مدار 30 عامًا منذ سقوط شتازي حتى الآن.

فإحدى الوثائق تحدثت عن جهود شتازي للتنسيق بين الجانب السوفيتي وجماعة انفصالية في جنوب اليمن. بعد انهيار شتازي رصدت المخابرات المصرية مغادرة 200 من مستشاري وزارة الأمن لجنوب اليمن مع عائلاتهم. المصادر ذكرت أنه بعد انهيار الجهاز انقطعت رواتبهم، ولم تقبل الحكومة اليمنية أن تتحمل عبء رواتبهم الضخمة. الوثائق الألمانية تقول إن هؤلاء العملاء كانوا في اليمن لمدة 20 عامًا. إضافةً لليمن، برق ذكر اسم منظمة التحرير مرةً أخرى في الوثائق، إذ ذُكر أن الجهاز لم يتخلَّ عن عادته في مراقبة الكل، جميع العمّال والبوابين والبستاني في سفارة منظمة التحرير الفلسطينية في ألمانيا الشرقية كانوا من كبار ضباط شتازي.

كما حمل الشتازي على عاتقه محاربة التمدد الغربي في الشرق الأوسط، وجعل من نفسه داعيًا للشيوعية وحليفًا للسوفييت. لذا نجد وثائق عن تدريب شتازي لجنود الأجهزة الأمنية والقوات المسلحة في سوريا ومصر والعراق، الذين وصفتهم التقارير بالإخوة في الشيوعية. فالوثائق ذكرت ما لايقل عن تدريب ألف فرد في أجهزة الدول الثلاثة المذكورة، خاصةً تحت حكم جمال عبد الناصر في مصر، وحافظ الأسد في سوريا، وقد ذكرت ملفات شتازي أن الجهاز هو من ساعد الرجلين في هيكلة أجهزة المخابرات وأمن الدولة لديهما، وتبعهم حزب البعث العراقي عام 1969م بطلب المساعدة المباشرة من شتازي في هيكلة الاستخبارات العراقية.

علم النفس.. السلاح الفتاك للتعذيب دون تعذيب!

أمد شتازي على الجانب الآخر دولًا مثل إيران والصين، سواء بصورة مباشرة أو عبر تراثه المُعلن، أمدّهم بكيفية القيام بالقمع اللاعنفي. انتزعت ألمانيا الشرقية في  أغسطس (آب) عام 1975م توقيعًا على ميثاق الأمم المتحدة لتصبح رسميًّا عضوًا كامل العضوية فيها، بعد سنوات من العزلة السياسية والدولية. نصرٌ لرئيس ألمانيا الشرقية، إيريش هونيكر، لكنّه في الوقت ذاته يعني أن المنظمات الدولية أصبح لها الحق في مساءلة جهازه سيئ السمعة. لذا طور ضباط الجهاز طرقًا لاستخدام علم النفس العملياتي من أجل دفع المشتبه بهم للانهيار والاعتراف دون اللجوء إلى العنف الجسدي، الذي يترك ندبات وآثارًا تزعج المنظمات الحقوقية.

الطريقة وضعها إيريش مليكة وزير أمن الدولة آنذاك، وأصدر بها كتيبًا شهيرًا يُسمى 1/76. الطريقة سُميت التحليل، نسبة إلى تحليل المعادن في الأحماض، أو تحلل الجثث بفعل التعفن، لكنّها لم تهدف إلى تحليل الجسد ولا الممتلكات، بل تحليل الأرواح ودفع أصحابها للانتحار في بعض الأحيان، دون اللجوء لذرة عنف، والأهم دون ظهور شتازي في الصورة إطلاقًا. دُرس هذا المنهج في مبنى صامت يُدعى كلية الحقوق في بوتسدام، لكن اسمه سابقًا كان مدرسة وزارة أمن الدولة، ثم كلية وزارة أمن الدولة. حتى بعد أن أصبحت تُدعى كلية الحقوق كأي كلية خاضعة لوزارة التعليم، فإنها لم تكن كذلك.

مناهجها سرية، وغير مسموح بالتبادل العلمي منها وإليها مع أي جامعة أخرى، ولم تسجل في لائحة الجامعات الرسمية، ولا يُسمح بالتسجيل للدراسة فيها إلا لموظفي الدولة الموثوقين. وكان من طلاب وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية الطالب فلاديمير بوتين؛ إذ عُثر على بطاقة هوية تحمل اسمه ضمن ملفات عن تدريب ضباط من الاستخبارات الروسية داخل ألمانيا الشرقية.

لكن بعد انهيار جدار برلين، أحد أفكار شتازي الجهنميّة، تمكن الألمان من الدخول إلى مبنى كلية الحقوق وباقي المباني التابعة للجهاز؛ لينقذوا ما يمكنهم إنقاذه من الوثائق. حُفظت المباني على حالتها منذ 30 عامًا مضت، كما أصبح لكل مواطن الحق في الاطلاع على الملف الذي كتبه عنه ضباط شتازي. لكن رغم مضي كل تلك السنوات لا يمكن القول إن شتازي قد اختفى، فبينما احتفظ الألمان بالمباني وبالملفات؛ فقد احتفظت العديد من دول العالم بمناهج وطرق شتازي في التجسس وانتزاع الاعترافات، ولم تزل تلك الطرق مستخدمةً حتى اليوم.

اقرأ أيضًا: بعد 75 عامًا من سقوط النازية.. هل يعود اليمين المتطرف لحكم ألمانيا؟

المصادر

تحميل المزيد