هل سبق وأن سمعت عن الملك مينوس العظيم، ابن زيوس الإله اليوناني الأكبر والأميرة الفينيقية أوروبا؟ أو سمعت عن كائن المينيتور المخيف، ذلك الكائن نصف الإنسان نصف الثور. وربما سمعت عن جزيرة كريت، أكبر جزر اليونان في شرق المتوسط، لكن هل سمعت عن الحضارة المينوسية التي ظهرت في كريت في العصر البرونزي وعاصرت مصر الفرعونية واليونان الإغريقية؟

في العصر البرونزي وتقريبًا من سنة 3000 قبل الميلاد، وحتى 1100 ق.م ظهرت على جزيرة كريت حضارة عرفت بالحضارة المينوسية، نسبة إلى مينوس العظيم الذي فرض سيطرة كريت على الجزر المجاورة وأنشأ العلاقات التجارية مع اليونان ومصر، وهيمن بأسطوله البحري على شرق البحر المتوسط. 

وفقًا للأساطير اليونانية؛ فإن زيوس قد وقع في غرام الأميرة الفينيقية أوروبا وأنجبت منه ثلاثة أبناء، مينوس الذي حكم كريت ورادامانثوس الذي حكم جزر سيكلاديز، وكذلك ساربيدون حاكم ليسيا، وفقًا لبعض الروايات. لكن قصة مينوس مع آلهة الأولمب لم تنته عند هذا الحد، فعلى الرغم من رعاية زيوس لمينوس إلا أن مينوس استطاع أن يغضب بوسايدن الذي أحل عليه لعنته. 

هذا ما قالته الأساطير اليونانية عن الحضارة المينوسية

بحسب الأسطورة اليونانية، فإن بوسايدن كان قد أرسل لمينوس ثورًا أبيض اللون ليقوم بالتضحية به، لكن مينوس أعجب بالثور وقرر إبقاءه على قيد الحياة مما أغضب بوسايدن وقرر أن مينوس قد استحق العقاب، فجعل زوجة مينوس تقع في غرام الثور لتنجب منه وحش المينيتور. 

Embed from Getty Images

يدرك مينوس خطورة الوحش الذي خلقه تمرده على بوسايدن ويستدعي ديدالوس المهندس العبقري ليبني له أكبر متاهة عرفتها البشرية ويحبس في نصف الإنسان نصف الثور الذي أنجبته زوجته. يبني ديدالوس متاهة حتى هو يعجز على الخروج منها بدون خريطته، ويبقى الوحش فيها. تمر الأيام ويقتل الأثينيون أندروجيوس ابن مينوس فيعلن مينوس التمرد على أثينا وينجح في فرض سيطرته على المدينة اليونانية، وتحكي الأساطير كيف تحول مينوس لملك قاس يأخذ أبناء أثينا من الشباب ليلقي بهم إلى المينيتور في المتاهة. 

وفقًا للأسطورة، ساءت الأمور بالنسبة لمينوس، فقرر البطل الأثيني ثيسيوس التطوع ليكون أضحية وحش المتاهة. تقع ابنة مينوس في غرامه وتساعده في التغلب على الوحش ليقتل ثيسيوس المينيتور.

أما ديدالوس فيحاول مع ابنه إيكاروس الهرب من المتاهة عبر الأجنحة التي يصنعها من الريش والشمع، وكما هو معروف يسقط إيكاروس بينما يستطيع ديدالوس الهرب، فيصل إلى جزيرة صقلية. يطارده مينوس إلى هناك ليلقى مصرعه على يد بنات الملك الصقلي حيث ألقين عليه الماء المغلي. بعد الموت يتلقى مينوس مكانه قاضيًا للعالم السفلي مع حادس إله الموتى والعالم السفلي.

وعلى الرغم من أن مينوس كان في الأسطورة اليونانية الحاكم الذي ضحى بشاب أثينا لإطعام وحشه؛ إلا أنه لم يُنكر عليه أنه كان حاكمًا عادلًا قويًا فرض نفوذ كريت على الجزر المجاورة وسيطر بأسطوله على شرق البحر المتوسط. ويعتقد أن مينوس أصبح لقبًا للحكام من بعده الذين تولوا الحكم في كريت.

«إمبراطورية بحرية».. عصور كريت الثلاثة

كان عالم الآثار السير آرثر إيفانز أول من انتبه لإحتمالية وجود حضارة قديمة ظهرت في جزيرة كريت، وذلك عن طريق الأحجار المختومة التي كان يرتديها سكان الجزيرة تعويذةً في أوائل القرن العشرين.

في أثناء التنقيب في مدينة كنوسوس في فترة 1900 وحتى 1905 استطاع السير آرثر الكشف عن آثار وأطلال تؤكد وجود حضارة قديمة ظهرت على كريت، بل ووجد ما يمكن أن يعتبر الموقع الحقيقي للمتاهة التي شيدت في عصر مينوس العظيم.

يعود الفضل لآرثر في تسمية حضارة كريت القديمة باسم الحضارة المينوسية نسبة لملكها الشهير مينوس، كما قسّم ووفقًا لاكتشافاته عصور هذه الحضارة إلى ثلاثة عصور: العصر البرونزي القديم (3000-2100 ق.م) والعصر البرونزي الوسيط (2100-1600 ق.م) والعصر البرونزي الحديث (1600-1100 ق.م).

في العصر الحجري وتحديدًا عام 7000 ق.م، بدأت القرى تظهر بالفعل على الجزيرة، لكن الظهور الحقيقي لحضارة جزيرة كريت أتى مع العصر البرونزي، عندما بدأ الجميع في البحث عن المعادن والثروات، وازدهرت التجارة بين الحضارات القديمة.

وبسبب كونها جزيرة في منطقة مهمة جدًا في قلب العالم القديم وتعتبر جزءًا من الحضارة الإيجية، نجحت كريت في فرض نفوذها البحري وهيمنتها على طرق التجارة في شرق المتوسط، كما أقامت علاقات تجارية وثقافية مع الحضارة الفرعونية، خصوصًا وأن المسافة بين الحضارتين لم تتخط الـ650 كم.

Embed from Getty Images

ويوضح المؤرخ الإغريقي الشهير ثوقيديديس صاحب كتاب «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» أن الدولة التي قامت في كريت في عصر مينوس كانت «ثالاسوقراطية»، أي دولة قائمة على الهيمنة البحرية ويمكن أن نطلق عليها إمبراطورية بحرية. فيؤرخ ثوقيديديس أن مينوس كان أول من امتلك أسطولًا بحريًا حقيقيًا، وأنه غزا الجزر اليونانية ومن ضمنها جزر سيكلاديز شمال كريت، فطرد السكان الأصليين للجزر وعين ابنه حاكمًا على الجزر.

كذلك يوضح المؤرخ الإغريقي أن مينوس قام بتطهير المتوسط من القراصنة ليحمي تجارته المزدهرة. إلا أن المؤرخين المعاصرين لم يتفقوا مع ثوقيديديس فيما يخص الصورة العدائية التي رسمها لكريت، بل رسموا صورة أكثر سلمية استخدمت فيها كريت أساطيلها لا للغزو بل للتجارة.

في الألفية الثالثة قبل الميلاد وجدت كريت نفسها في قلب شبكة تجارية كبيرة بين الجزر اليونانية وبين آسيا الصغرى قامت على تجارة النحاس والقصدير، وهي الموارد المطلوبة لتصنيع البرونز.

ازدهر الاقتصاد في الجزيرة واستطاعت أن تكتسب المزيد من القوة والهيبة، وبدأت بالتوسعات التي تحافظ على مكانتها المكتسبة وتضمن بقاء تجارتها. في الألفية الثانية قبل الميلاد بدأ تشييد القصور العملاقة في كريت، ويمكن القول وفقًا للكشوفات الأثرية أن هذه الفترة الزمنية هي الفترة التي بدأت الجزيرة فيها بالتمدن وبالفعل يمكن حصر أربعة أماكن رئيسية لأكبر قصور شيدت في كريت وهي: كنوسوس وفايستوس وماليا وأخيرًا زاكروس.

في الأربع مواقع المذكورة والمرتبة وفقًا للحجم، كانت القصور المشيدة تقوم بدور المراكز الإدارية والتجارية والدينية وبنسبة كبيرة السياسية. إلا أن العلاقة بين الأربع مراكز ليست واضحة، نظرًا لنقص الأدلة التاريخية والحفرية، إلا أن الواضح أن هذه المراكز كانت هي مناطق السيطرة، فانتشرت حولها المدن الصغيرة والقرى والمزارع.

وحدت شبكة من الطرق بين المستعمرات الأربعة، ويتفق المؤرخون أن القصور الأربعة كانت مستقلة عن بعضها البعض حتى عام 1700 ق.م حينما نجحت كنوسوس في إخضاع القصور الثلاثة، ويظهر ذلك من خلال الأشكال المعمارية الموحدة من بعد هذه الفترة.

شُيدت القصور مرتين، المرة الأولى كما ذكرنا في الألفية الثانية قبل الميلاد، وبعد زلازل ونيران شُيدت مرة أخرى عام 1700 قبل الميلاد لتظل صامدة لفترة ولكن دُمرت نهائيًا في الفترة بين 1500 ق.م و1450 ق.م وهذه المرة قد يكون السبب الزلازل أو النيران أو حتى الغزو الخارجي.

إلا أن الآثار التي بقيت من هذه القصور سمحت للعلماء بدراسة الحضارة المينوسية وفهمها والتعرف على شتى الجوانب الثقافية والدينية الخاصة بحضارة أهل كريت.

انهيار كريت وأسطورة أطلانتس!

حتى اليوم لا توجد نظرية مؤكدة عن السبب الحقيقي لإنهيار الحضارة المينوسية كما ذكرنا، لكن هناك نظرية ظهرت أثارت اهتمام بعض العلماء. تقول النظرية إن البركان الذي ثار في جزيرة سانتوريني – وتحديدًا في ثيرا – دمّر وأضرّ بالعديد من المدن الواقعة في النطاق التجاري المينوسي، الأمر الذي هدد اقتصاد كريت. مع التنويه أن البركان لم يؤثر بشكل مباشر في كريت، فلم تصل أي حمم إلى الجزيرة ولم يتم العثور على أي آثار بركانية.

نجت المدن الكريتية من غضب الطبيعة، إلا أنها لم تستطع النجاة من غضب البشر. استطاع علماء الآثار اكتشاف أدلة على حدوث غزو للجزيرة وقع في القرن الخامس عشر قبل الميلاد، فحُرقت العديد من القصور ودُمرت أجزاء منها.

Embed from Getty Images

أما القرى والمزارع التي كانت حول هذه القصور فهُجرت بعد الغزو بفترة ليست بطويلة. وتذهب الدراسات أن الغزو سيطر على الجزيرة لينهي النفوذ المينوسي للأبد، لكن هذه النهاية لم تلق إعجاب البعض، فيعتقد الكثيرين أن أسطورة أطلانتس الشهيرة والتي قام أفلاطون بوصفها مبنية على قصة كريت والحضارة التي قامت عليها.

على الرغم من الانهيار المفاجئ لحضارة الجزيرة الموجودة في شرق المتوسط، إلا أننا لا يمكن أن نقول المثل على تأثيرها الثقافي والديني. فلقد استطاعت كريت في فترة نفوذها نشر ثقافتها وتقاليدها في جميع أرجاء الجزر الإيجية، مثل النظام الخطي(أ) والذي يختلف عن الهيروغليفية المينوسية.

هذا النظام الخطي انتشر في جزر إيجة وتتطور ليصبح النظام الخطي (ب) والذي كتب به الشاعر الشهير هومر الإلياذة والأوديسة. كذلك ظهر الرقي الخاص بالثقافة المينوسية في الفن والرسومات الموجودة على الجداريات والأواني الفخارية. 

ومن أشهر الرموز الموجودة في حضارة كريت هو الثور، ولعل ذلك يرجع لأسطورة المينيتور السالف ذكرها، فنجد الثور قد وصل لمرحلة التقديس فقرون الثيران تم العثور عليها كثيرًا سواء على الجدران أو في المجوهرات أو حتى مرسومة على الأواني الفخارية، كذلك وجدت رياضة خاصة بالقفز فوق الثيران مع العلم أنها ليست أكثر الرياضات أمانًا. كذلك أحب أهل كريت البحر، فرسم الفنان المينوسي الكائنات البحرية باستمرار ومن ضمن الكائنات التي لاقت هذه المحبة كان الأخطبوط والحوت والدولفين.

ربما الحضارة المينوسية ليست الأكثر شهرة بين الحضارات القديمة، لكن هذا لا يعني أن دورها وتأثيرها كان ضئيلًا، ففي يوم من الأيام خضعت لها أثينا واعتبرتها مصر حليفًا تجاريًا ووقع تحت سيطرتها شرق البحر المتوسط.

تاريخ

منذ 8 شهور
إمارة كريت.. دويلة بحرية أسسها ثوار الأندلس المهزومون واستمرت أكثر من قرن

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد