«نحن أبناء الجزائر ننتمي إلى الجماعة الإسلامية الأحمدية التي أسسها على حسب معتقدنا وقناعتنا ميرزا غلام أحمد القادياني، الإمام المهدي والمسيح الموعود الذي بشر به سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتي أسسها سنة 1889 بأمر من الله تعالى»، هكذا راسل أنصار الجماعة الأحمدية رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة.

وتضيف الرسالة: «وتنتشر اليوم جماعتنا في أكثر من 200 دولة في العالم، والجماعة الإسلامية الأحمدية هي جماعة دينية علمية، هدفها تجديد الدين، وليست جماعة سياسية، بل هي مشهورة في العالم أجمع بنشر السلام، واليوم بفضل الله هي تحت قيادة الخليفة الخامس ميرزا مسرور أحمد رجل السلام العالمي الذي يشارك في المحافل الدولية بخطاباته الداعية إلى الإسلام ونبذ كل أشكال العنف والإرهاب».

وشكلت الرسالة التي وصفت «بالجريئة» صدمة لدى النخب الإعلامية والسياسية في البلاد، واعتبرها محمد يعقوبي مدير عام جريدة الحوار الجزائرية أنها «صدمة وخروج من طابع السرية إلى العلن»، وعرفت البلاد في الفترة الأخيرة، مداهمات أمنية وتشديدات في متابعة تحرك الجماعات الدينية التي تستورد أفكارها وبرامجها من الخارج من وجهة نظر الدولة، حيث ألقي القبض على عدد كبير من المجموعات، تقيم شعائر دينية في البيوت، عبر مناطق مختلفة في الجزائر.

كيف يمكنك وصف مجموعة ما بالأقلية؟

وقبل المضي في الحديث عن الأقليات الدينية والعرقية والإثنية في الجزائر، يجدر بنا أن نمر سريعًا على تعريف الأقلية علميًا، وكيف يمكن أن نصف أي جماعة بأنها أقلية، لها ما لها من حقوق، وعليها ما عليها من واجبات؟ وإليكم أهم التعريفات في أهم المراجع العالمية بهذا الخصوص.

تعرف الموسوعة الدولية للعلوم الاجتماعية (الأقلية) بأنها «جماعة من الأفراد الذين يتميزون عن بقية أفراد المجتمع عرقيًا أو قوميًا أو دينيًا أو لغويًا، وهم يعانون من نقص نسبي في القوة، ومن ثم يخضعون لبعض أنواع الاستعباد والاضطهاد والمعاملة التمييزية».

وتعرفها الموسوعة الأمريكية بأنها «جماعات لها وضع اجتماعي داخل المجتمع أقل من وضع الجماعات المسيطرة في المجتمع نفسه، وتمتلك قدرًا أقل من القوة والنفوذ وتمارس عددًا أقل من الحقوق مقارنة بالجماعات المسيطرة في المجتمع، وغالبًا ما يحرم أفراد الأقليات من الاستمتاع الكافي بامتيازات مواطني الدرجة الأولى».

وتصفها مسودة الاتفاقية الأوروبية لحماية الأقليات بأنها «جماعة عددها أقل من تعداد بقية سكان الدولة، ويتميز أبناؤها عرقيًا أو لغويًا أو دينيًا عن بقية أعضاء المجتمع، ويحرصون على استمرار ثقافتهم أو تقاليدهم أو ديانتهم أو لغتهم»، أما اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة فتعرف الأقليات بأنها «جماعات متوطنة في المجتمع تتمتع بتقاليد خاصة وخصائص إثنية أو دينية أو لغوية معينة تختلف بشكل واضح عن تلك الموجودة لدى بقية السكان في مجتمع ما وترغب في دوام المحافظة عليها».

ومن هذه التعريفات الأربعة المتقاربة في تحديدها والمتشابهة في صياغاتها، تبرز عناصر أربعة ينبني عليها مفهوم الأقلية وهي:

  • العنصر الكمي، والذي يعني البعد الديمغرافي للجماعة.
  • تميز الأقلية لغويًا أو دينيًا، والذي يعني البعد الثقافي للجماعة.
  • اختلال ميزان القوى بين الأقلية والأكثرية وما ينتج عنه من حرمان وإقصاء، وهو الذي يعني البعد الاجتماعي للجماعة.
  • حرص الأقلية على بقاء خصوصيتها، والذي يعني كذلك البعد السياسي للجماعة.

لا توجد في الجزائر أو ببلدان المغرب العربي، إحصائية واضحة ودقيقة حول نسبة السكان الأمازيغ من العرب، حيث انصهرت مع القرون الماضية هذه الأعراق لتشكل جنسية واحدة، خاضعة لمنطق الدولة الوطنية الحديثة ذات الحدود الجغرافية المعروفة، إلا أنه يمكن تحديد الناطقين باللغتين العربية، أو الأمازيغية ومختلف لهجاتها بشكل واضح، كما يمكن تصنيفهم على أساس مسلمين وفق المذاهب، أو غير مسلمين وهو النقاش الغائب عن الساحة بشكل كبير إلى غاية هذه الفترة.

اقرأ أيضًا: كل ما تريد معرفته حول اللغة الأمازيغية ومشكلاتها في الجزائر

هل يعتبر «الناطقون بالأمازيغية ولهجاتها» أقلية في الجزائر؟

الأمازيغ أو «القبايل» كما يصطلح على تسميتهم سكان شمال إفريقيا، يشكلون في الجزائر حوالي 30 إلى 40% من السكان، حسب الباحثين والمهتمين بالشأن العرقي في البلاد، ويعتبر بربر الجزائر من أكثر فروع البربر نشاطًا سياسيًا، فقد كانت لهم مطالبات عديدة بحقوقهم الثقافية والحضارية، والاعتراف بهم بوصفهم جزءًا جوهريًا وعميقًا للشعب الجزائري، ويمكن تقسميهم إلى أربع فئات رئيسية:

مجموعة بربر القبائل

ويقطنون مناطق قبلية تسمى جبال القبائل الصغرى وجبال القبائل الكبرى، الأمر الذي ساعد على إبقاء الثقافة البربرية قوية بينهم نتيجة صعوبة اختراق الجبال من قبل الغزاة عبر التاريخ، ويحترفون زراعة الفاكهة والتجارة، ولكن نظرًا لصعوبة معيشتهم فقد هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى المدن الجزائرية الرئيسية وأهمها العاصمة الجزائرية.

وكانوا أول من تأثر بالثقافة الفرنسية وأول من أقبل على التعليم الحديث، وأكثر من هاجروا إلى فرنسا بحثًا عن فرص العمل وذلك نتيجة جهود الاستعمار الفرنسي في محاولة فرنستهم وتشجيعهم على الهجرة بهدف التفريق بينهم وبين العرب، ما كان نتيجته أن أصبحوا أشد مجموعات البربر معارضة للتعريب والدور العربي للجزائر، ويعتبر دورهم في الجزائر المعاصرة مهمًا كونهم أكبر جماعات البربر (مليونان وربع المليون) وأكثرهم تعليمًا وإقبالًا على المهن الحديثة.

مجموعة بربر الشاوية

وهي ثاني أكبر مجموعة بربرية (في حدود المليون وربع المليون)، ويقطنون منطقة الأوراس التي ينحدر منها الرئيس السابق هواري بومدين (محمد بوخروبة)، ومعظمهم يتحدث العربية، كما برز منهم أثناء الثورة زعماء خلدوا في تاريخ الثورة الجزائرية أمثال مصطفى بن بولعيد، والطاهر زبيري، وهم مستقرون في مدن الأوراس مثل باتنة، وأم البواقي، وخنشلة وقسنطينة، وكانوا ولا يزالون أقل اتصالًا بالعالم الخارجي والتأثيرات الغربية، بالمقارنة مع نظرائهم في القبائل الكبرى والصغرى بولايات بجاية، وتيزي وزو والبويرة.

مجموعة بربر مزاب

ويسكنون المناطق الصحراوية الفقيرة، ويعيشون في مجتمعات محلية شبه اشتراكية شديدة التضامن، ويتبعون مذهب الإباضية (مذهب الخوارج)، وهم أقل مجموعات البربر تأثرًا بالثقافات الأجنبية في الجزائر، ولا يزيد عددهم على 150 ألف نسمة، حسب إحصائيات الولاية التي يقطنون بها.

مجوعة بربر الطوارق

ويسكنون صحراء الأهقار وما جاورها في أقصى الجنوب الجزائري (ويمتدون إلى صحاري موريتانيا ومالي والنيجر والتشاد وليبيا)، وهم محافظون على التنظيم القبلي الاجتماعي ولغتهم البربرية، رغم أن جميع رجالهم يتحدثون العربية، ويتميزون باللباس التقليدي واللثام للرجال، وللمرأة عندهم دور ومكانة مميزة، وقد حاولت فرنسا أثناء مفاوضات الاستقلال (إيفيان 1961-1962) أن تفصل مناطقهم عن الجزائر، أو أن يكون لها وضع خاص في أعقاب اكتشاف البترول فيها، ولكن هذه المحاولات لاقت الفشل، وشكلت مناطقهم أحد أسباب التوتر بين الجزائر ومالي وليبيا والنيجر وموريتانيا، نتيجة التداخل في الحدود مع الدول المجاورة لها.

الإباضية

المذهب الإباضي هو مدرسة فكرية عبر التاريخ الإسلامي، يتميز باحتوائه على ثلاثة محاور، تتعلق بالعبادات والمعاملات، والجانب الفلسفي والفكري أو ما يعرف بعلم الكلام، حيث يدعو إلى تحكيم العقل واستعمال الفكر والإقناع ونبذ العنف، بالإضافة إلى الجانب السياسي ويعرف بفقه السياسة، من خلال معارضة الحكام الفاسدين والطغاة المغتصبين للحكم.

ويعتنق هذا المذهب في الجزائر فئة من الأمازيغ بوسط الجزائر، يقدر عددهم بحوالي 150 ألف نسمة، وهم يقطنون منطقة وادي ميزاب وسموا لاحقًا نسبة إليها ببني ميزاب، وبقيت تحت هذا الاسم رغم الأغلبية من العرب، إلا أنها صارت شائعة أكثر على الإباضيين الذين يقطنونها، وبالتالي هم يعدون أقلية عرقية ودينية في الوقت ذاته.

وتعد الأقلية الميزابية التي ترفض الاندماج مع المجتمع الجزائري حيث بقيت محافظة على لغتها وعلى شكلها متجليًا في لباسها المميز، وفي عرقها، فقليل جدًا من يرتبط بالزواج مع غير بني ميزاب، وحتى في مناطق السكن في غرداية، يعيشون في أحياء خاصة بهم تسمى القصور.

وبدأت مشاكلهم تظهر للعيان مع أحداث الفتنة الطائفية في مدينة بريان، التي تعتبر أحد معاقل المنطقة، ليظهر للدولة الجزائرية الوجه الثاني لهذه الأقلية ويظهر خطر تفكك البنية الاجتماعية للمجتمع من وجهة نظرها، إذا بقي تكتل وتقوقعت هذه الأقلية على نفسها، وخصوصًا مع استقلالها المادي التام حيث تعتمد على ما يسمى باللوبي، واحتكامها في المنازعات والمشاكل إلى نظامها الخاص «العشائر» وهو ما يعرف بدار العرش.

وهذا ما حدا بالدولة والجهات المسؤولة إلى وضع هذه الأقلية تحت المجهر، والمراقبة لمحاولة التحكم فيما ستؤول إليه الأوضاع، وإيقاف أي محاولة لفتنة طائفية قد تلوح في الأفق، وعرفت في السنوات الأخيرة أحداث عنف راح ضحيتها العشرات من الشباب، إلى غاية تدخل الجيش الجزائري، حيث تم إسناد إدارة كامل إقليم الولاية (المحافظة) إلى المؤسسة العسكرية.

هل توجد أقلية مسيحية في الجزائر؟

يقدر أعداد المسيحيين في الجزائر بما نسبته لا تتجاوز 0.4%، موزعين بين الكاثوليك والبروتوستانت وتعد ديانة المسيحية في الجزائر موجودة منذ القدم بعد الحملات الرومانية منذ بداية القرون الميلادية الأولى ثم انحسر تواجدهم منذ الفتح الإسلامي نسبة إلى دخول أغلبية سكان المنطقة إلى الإسلام.

وعاد تواجد الديانة المسيحية بشكل أكثر، مع فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، ليعاود الانحسار بعد الاستقلال ومغادرة أغلبهم للجزائر، ثم عاود الارتفاع مرة أخرى بعد موجة التبشير التي انتشرت في الجزائر وركزت على منطقة القبائل بصفة كبرى وقد صارت الكنيسة تحصي تعميد 50 جزائريًا كل يوم أحد، وتضاعفت نسبت الدخول في المسيحية بنسبة 800% لتتحرك السلطات الجزائرية ويصدر قانون سنة 2006 الذي يحد من الممارسات الدينية ويلزمها بأخذ تراخيص أولية من قبل السلطات.

هذه الإجراءات الحكومية، حركت الخارجية الأمريكية والهيئات الدولية لإصدار تقارير عن الحريات الدينية في الجزائر وصنفتها ضمن الدول التي تمارس التضييق على الحريات الشخصية، وتمارس التهميش ضد الأقليات الإثنية وعلى رأسها المسيحية.

وبالإضافة إلى هذه الأقليات، غير المدقق في أرقامها لدى المعاهد أو المؤسسات المهتمة بذات الشأن، تبقى أقليات دينية أخرى مهمشة مثل الشيعة والأحمدية وهي مرفوضة من قبل هيئات المجتمع المدني، وفي تصريحات المسؤولين الحكوميين على الأقل، تظهر تلك الأقليات في موضع الجدل تارة، وموضع التطهير بالاعتقالات ومكافحتها إعلاميًا تارة أخرى.

 

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد