«الروايات تنشأ من نقائص التاريخ» *الفيلسوف الألماني نوفاليوس

يقول الأديب الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز إن الأدب هو المكان الذي نستطيع فيه مواجهة النسخة الرسمية من التاريخ ونتمرد عليها أيضًا. وذلك لأن لكل حدث من أحداث التاريخ وجهًا آخر وحقائق غير مذكورة، إما يجري تجاهلها وإما إخفاؤها عمدًا. ولذا يأتي الأدب دائمًا ليخترق التاريخ من خلال شقوقه. وبالنسبة للأقليات كانت ضرورة الأدب أكثر إلحاحًا؛ لأن التاريخ عادة ما يحابي الأغلبية، ولهذا سطرت الكثير من الأقليات تاريخها عن طريق كتابة الأدب؛ لأنه الوسيلة الأفضل لمقاومة المحو، وخلال هذا التقرير نستعرض أشهر روايات الأقليات.

1. الطيور العمياء.. تأريخ مذابح الأرمن على يد العثمانيين

«آه يا ابنتي، التعاسة تأتي مسرعة راكبة على ظهر حصان، أمّا السعادة، فتجيء ماشية على قدميها بتمهّل؛ هكذا هي أيام الغبطة قليلة، إنّ ما فعله بنا الأتراكُ لا يمكن أن ننساه. هذا الكلامُ ستسْمعينه مرّة واحدة فقط منّي يا ابنتي، ولن أكرّره، لأنّي أعرف بأنّك حفظته»

كقاعدة عامة؛ تعد وقائع التاريخ ثابتة مثل معالم الجغرافيا، إذ لا يستطيع أحد محوها. ولكن يختلف الأمر مع بعض أحداث ذلك التاريخ، فقد تختلف الأرقام وتتعدد الروايات، مثلما يجري مع الأحداث المهمشة والمحاصرة بالتكتم ومحاولة طمس آثارها ودفعها إلى حافة النسيان؛ ينطبق هذا الأمر بشدة على مذابح الأرمن التي ارتكبتها القوات العثمانية.

ففي 24 أبريل (نيسان) من عام 1915 اعتقلت السلطات العثمانية حوالي 600 شخص من مثقفي وأعيان المجتمع الأرميني في عاصمة الدولة العثمانية القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) ورحّلتهم إلى مدينة أنقرة، ليموت معظمهم في الطريق إلى هناك.

وطوال سنوات الحرب العالمية الأولى واصلت القوات العثمانية اضطهادها الممنهج ضد الأرمن، إذ كانت تعتقد أنهم يتجسسون عليها لصالح الروس، ولذلك هجرت الدولة العثمانية أكثر من مليون أرميني من أجل إبعادهم عن الحدود الروسية وخلال عملية التهجير التي كانت تتم بطرق بدائية، وفي ظل ظروف قاسية، مات الكثير من الأرمن.

وتحكي رواية «الطيور العمياء» للكاتبة العراقية ليلى قصراني، عن المآسي التي تعرض لها شعب الأرمن، إذ تدور الأحداث قبل أكثر من 100 عام في قرية طورباراز الأرمنية، القريبة من ديار بكر، والتي تعرض جميع سكانها للتهجير القسري بدعوى أنهم رفضوا التجنيد في جيش الدولة العثمانية خلال حربها مع الروس.

ومنذ صفحات الرواية الأولى ندخل إلى القرية بصحبة الفتاة الأرمنية كوهار، التي تسرد علينا كيف يضطهد العثمانيون أهلها الأرمن، فقبل التهجير القسري ذبح الضابط سلمان أكثر من 40 طفلًا أرمنيًّا، وذلك قبل أن تأتي الأوامر من الباب العالي بطرد جميع الأرمن من قراهم ومدنهم، باستثناء أولئك الذين يتقنون الحرف المتعلقة بالصناعات الحربية، مثل الحداد هايك، الذي يعمل في تصنيع الرصاص.

نرافق فيما بعد سكان القرية في رحلة التهجير القاسية تحت أشعة شمس الصحراء؛ العجائز تخور قواهم منتظرين الموت القريب، والأطفال الصغار يتعروض للوأد على يد العسكر، والفتيات يتعرضن للاغتصاب، ولأن النساء خفن على ضياع ذهبهن فقد ابتعلنه، ولكن العساكر اكتشفوا الأمر فبقروا بطونهم واستخرجوا الذهب، ووسط كل هذا العذاب يموت والد الفتاة كوهار ويتركها وحيدة حتى يهبها العسكر إلى عسكري كردي، يأخذها إلى بيته ويتزوجها لتبدأ معاناة كوهار من جديد وذلك قبل أن تتمكن من الهرب إلى بلاد الشام.

روبرت فيسك: من أرض المذابح.. محاولات للعثور على آخر الأرمن في تركيا

2. الشمندورة.. قصة اقتلاع النوبة من أرضها القديمة

«نحن منكوبو التعلية الثانية، احترقت خيامنا والتهمت النار تعويضاتنا، وداس الفيضان زراعتنا. ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء. كانوا ينادون قلوبًا ميتة تجلس هناك في القاهرة خلف مكاتب لامعة لا تبالي عاش الناس من أبناء الشعب أم ماتوا! ولماذا يبالون وحياتهم تجري في يسر؟»

في عام 1964 وبداخل أحد المعتقلات المصرية أمسك الكاتب المصري النوبي محمد خليل قاسم بقلم كوبيا وورق سجائر مهترئ، ليخط عليه رواية «الشمندورة» التي تعد بمثابة سجل توثيقي حكي فيه قاسم عن تهجير النوبيين من قريته «قتة»، وذلك بعد أن تعرضت للغرق بسبب التعلية الثانية لخزان أسوان خلال عام 1933.

تبدأ أحداث الرواية بعين الطفل حامد، الذي لم يبلغ العاشرة بعد، إذ يصف لنا كيف استقبل أهالي القرية الأفندية أصحاب الطرابيش الحمراء والبشرة البيضاء، القادمين من مصر البعيدة، على ظهر سفينة، من أجل جرد الأراضي والنخيل، وجميع متعلقات أهل النوبة لبدء صرف التعويضات. وتدور جميع أحداث الرواية وتتحرك بين محاولة النوبيين التمسك بأرضهم، وعدم القبول بالتعويضات، وبين الانصياع لأوامر الحكومة بقبول التعويضات والانتقال إلى القرى البديلة.

ومن خلال الرواية، وأثناء التفاوض على عملية التهجير يقص علينا قاسم مكانة الأرض عن النوبيين، ومدى تقديسهم للنيل. كذلك تتناول الرواية بشكل تفصيلي العادات والتقاليد النوبية، وشكل البيوت، وكأن قاسم أراد رسم لوحة فنية مكتملة الأركان لقريته وليس مجرد كتابة نص أدبي.

بعد التهجير، وحين يضطر أهالي النوبة إلى قبول مهازل التعويضات وينتقلون إلى الأرض الجديدة؛ يتفاجئوا بأنها صحراوية، ولا يمكن زراعتها بأي حال من الأحوال، هنا يتعرض النوبيون لصدمة كبيرة؛ إذ إنهم قضوا جل أعمارهم في الزراعة بجوار النيل، وتحت وطأة الفقر المدقع يضطر الشباب منهم إلى السفر إلى القاهرة والإسكندرية حيث يعلمون هناك مرغمين في حراسة العقارات السكنية والخدمة في البيوت.

3. يا مريم.. الطائفية العراقية من خلال عيون ضحاياها

«كل ما أريده هو أن أعيش في مكان أكون فيه مثل الآخرين، أمشي، وأخرج، وأدخل، ولا يشار إلىّ أو يتم تذكيري بأنّي مختلفة»

في 31 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2010 اقتحم مسلحون من تنظيم «دولة العراق الإسلامية» التابعة لتنظيم «القاعدة»، كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك بحي الكرادة في بغداد، أثناء مراسم القداس. أغلق المسلحون أبواب الكنيسة واحتجزوا من بداخلها رهائن، وأثناء محاولة الحكومة العراقية لتحرير المسيحيين المحتجزين بالداخل لقي أكثر من 52 شخصًا مصرعهم.

من هذه الحادثة تحديدًا تنطلق رواية «يا مريم» للكاتب والشاعر العراقي سنان أنطون، لتحكي الرواية عن معاناة الأقليات الدينية في العراق، والإرهاب الذي يعصف بتلك المجتمعات الصغيرة من جراء اختلافها العقائدي والمذهبي.

وقد اعتمد أنطون في كتابة روايته على تقنية الثنائيات المتناقضة التي اشتهر بها الكاتب الإيرلدني صامويل باركلى بيكيت؛ الذاتية والموضوعية، الماضي والحاضر، التشاؤم والتفاؤل، الحب والكره، الحياة والموت.

وقد تجسدت هذه الثنائيات في شخصيتين أساسيتين في الرواية وهما؛ يوسف العراقي، الستيني الذي عاصر حقبًا مختلفة من تاريخ العراق، وهو يرى أن بلاده عريقة وصاحبة حضارة، ويمكنها تجاوز جميع الأزمات التي تعصف بها، أما الشخصية الثانية فهي صديقته مها الفتاة العشرينية التي عاصرت الحرب الأهلية وجميع مآسي الاحتقانات الطائفية، والمذهبية، والعرقية، وفواجع قتل واغتصاب النساء المسيحيين، والإيزيديين، والشبك، والتركمان، والشيعة، والسنة.

تجسد شخصية مها العراق في زمن الكراهية، ذلك الزمن الذي دخله العراق، وصار من الصعب الخروج منه، فالنسبة لمها الحرب لا تشتعل في الخارج فقط، ولكن تشتعل في داخلها، أما يوسف فما زال يرى العراق بعيون قديمة، يحدث صدام في الحوار بين يوسف ومها، وتحتد عليه ولكنها تقرر أن تصالحه في اليوم التالي لتذهب إليه في كنيسة سيدة النجاة وتجده مذبوحًا يحتضر ويناجي للمرة الأخيرة في عمره «يا مريم»، أما مها فيحتجزها المسلحون داخل الكنيسة، وتخرج منها بصعوبة.

أبدع أنطون في كتابة هذه الرواية النفسية التي تدور جميع أحداثها في يوم واحد فقط، وتبدأ في اختلاف الأبطال حول رؤية كل منهما للوطن، إذ يحكي يوسف عن عراق التاريخ ثم تتسلم مها دفة السرد وتتناول عراق الطائفية والمذهبية، كيف تعيش الأقليات الدينية، ما حجم الرعب الذي يخيم على حياتهم أسئلة تدور معظمها على هيئة مونولج داخلي، يظل يوسف يبحث عن الماضي وتسأل مها عن سبب التمزقات، والحروب الأهلية والقتل على الهوية.

4. البشموري.. حين ثار أقباط مصر ضد الفتح الإسلامي

«دين المسلمين يأمرنا بالمعروف وينهى عن فعل المنكر، ولا ينكر السيد والبتول، وعامة الناس من العرب بسطاء متقشفون في حياتهم وملبسهم، وجوامع الصلاة لا ذهب فيها ولا فضة، فهم يركعون ويسجدون للرب في خشية وخشوع بكل أدب وبساطة»

في كتابها «هوامش الفتح العربي لمصر» ذكرت الكاتبة سناء المصري أن سبب فتح عمرو بن العاص لمصر لم يكن من أجل نشر الإسلام، ولكن جاء بالدرجة الأولى من أجل زيادة الموارد المالية للدولة الإسلامية، إذ كانت مصر حينها تنفرد بتصدير قمح الإمبراطورية الرومانية، وبالتالي كانت هدفًا اقتصاديًّا جيدًا للإمبراطورية الإسلامية.

وفي كتاب «ثورات المصريين حتى عصر المقريزي» قال الباحث والمؤرخ المصري عبد العزيز جمال الدين إن المصريين ثاروا ضد كل من دخلوا إلى بلادهم بقوة السلاح، ففي عهد الرومان ثار الشعب المصري أكثر من مرة، وذلك حتى تمكن من تحرير مدينة طيبة إذ بقيت تحت حكم ملكين مصريين هما أرماخيس وأنخماخيس بين عامي 206 و186 قبل الميلاد.

وحين جاء الفتح الإسلامي لم يختلف الأمر كثيرًا واستمر الأقباط في التمرد والثورة، بدأت أولى هذه الثورات خلال عام 726م على يد سكان الدلتا في دمياط ورشيد والبرلس، وخلال عام 739م ثار أقباط الصعيد، وذلك في عهد خلفاء بني أمية بسبب زيادة الضرائب على الكنائس.

ولكن ووفقًا لكتاب ثورات المصريين تظل الثورة الأهم التي قام بها الأقباط هي ثورة البشامرة، وهم أقباط يسكنون منطقة شمال الدلتا ويعتاشون على إنتاج ورق البردي، وقد حاول موسى بن نصير والي الخليفة عبد الملك بن مروان قمع ثورتهم مرتين، وهزمهم في المرة الثالثة، ولكنهم تحصنوا بمدنهم ولم يستطع الوصول إليهم.

لم يختلف الوضع كثيرًا في عهد الدولة العباسية، فقد زادت الضرائب والجزية بشكل مبالغ فيه، حتى اضطر بعض الأقباط إلى بيع أطفالهم مقابل الخراج، وحينها أدرك البشامرة أن الموت يحاصرهم من كل جهة، وبالتالي ليس لديهم ما يخسرونه، فقامت الثورة الكبرى في عام 831م وذلك خلال عهد الخليفة المأمون.

حينها لم يستطع العباسيون في مصر إخمادها، فبعثوا إلى مقر الخلافة في بغداد التي بعثت بدورها جيشًا لمحاربة البشموريين بقيادة المعتصم أخي الخليفة المأمون، وبعد حرب طويلة استطاعت الدولة الإسلامية قمع ثورة البشامرة، وقد قتل الجيش الإسلامي الكثير منهم، ولكي يأمن شرهم وثورتهم أرسلهم عبيدًا إلى منطقة الأهواز في العراق.

روايات الأقليات

وفي روايتها «البشموري» تؤرخ الكاتبة المصرية سلوى بكر لثورات البشامرة، وتدور أحداث الرواية في فترة الفتح الإسلامي لمصر، وتحكي قصة بدير أحد رجال الدين المسيحي الذي تختاره الكنيسة لمهمة مقدسة، وهي اصطحاب الأب يوساب بوصفه ممثلًا عن الهيئة الدينية القبطية العليا إلى الأراضي الموحلة، حيث يذهب لمقابلة قائد التمرد مينا بن بقيرة، محاولًا التوسط بينه وبين الوالي المسلم، وذلك قبل أن تأتي الجيوش الغفيرة من العاصمة بغداد.

وبحسب الرواية فإن رحلة بدير والأب يوساب الشاقة، والتي تستمر طوال صفحات الرواية، هي رمز لصراع الكنيسة وعدم رغبتها في سفك الدماء، كما أنها ترمز إلى صمود البشامرة في ثورتهم ضد حكام الدولة الإسلامية الذين عاثوا ظلمًا في الأراضي المصرية، وبحسب حوار دار بين بدير والأب يوساب فإن ثورة البشامرة ضد حكام الدولة الإسلامية لم تكن ثورة دينية، ولكنها كانت ثورة ضد الظلم الاجتماعي.

ما لن تجده في مناهج التاريخ المصرية: ثورة المسيحيين عام 831م

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد