تنتشر في أذهان الكثيرين صور متشابهة عن المسنين، ويظهرون فيها أشخاصًا يقضون يومهم غالبًا في ممارسة أشغال يدوية مثل الخياطة، ويذهبون إلى النوم في وقت مبكر، بالإضافة إلى معاناتهم من الألزهايمر، وميلهم إلى العزلة، ولكن العلم أثبت أن تلك الصور لا يمكن تعميمها على جميع المسنين.

ويؤدي انتشار المفاهيم الخاطئة عن المسنين إلى معاملتهم بشكل يؤذيهم نفسيًا في المقام الأول، ويقلل الاستفادة منهم ويحجم قدراتهم، وحتى نوقف انتشار هذه المفاهيم سنعمل على توضيح خطأها في هذا التقرير.

1- جميعهم متشابهون

يتميز كبار السن بالتنوُّع الكبير، وبعضهم تبلغ أعمارهم قرابة الثمانين عامًا، ولكنّ مستوى قدراتهم الجسدية والعقلية يمكن مقارنتها مع شباب في سن العشرينات، وعلى الجانب الآخر في نفس العمر هناك مسنين يحتاجون للرعاية والدعم؛ للقيام بالمهام اليومية البسيطة مثل ارتداء الملابس وتناول الطعام، ويرجع ذلك إلى التنوع بين البيئات المادية والاجتماعية التي نعيش فيها، وتأثيرها القوي على حالتنا بشكل عام في الكبر.

ومن الأدلة الواضحة على مدى التنوع بين كبار السن، نموذج المسنة «هيلين كلاين» والتي استطاعت عندما كانت تبلغ من العمر 72 عامًا، أن تفوز بـ 72 ميدالية تفوق في مباريات رياضية مختلفة، ومنها سباق المئة ميل، وبعد دراسة حالتها في كلية الطب التابعة لجامعة «سانت لويس» تبين أنها تمتلك عضلات شابة في العشرينات.

2- لا يمكنهم تعلم مهارات جديدة

يرفض المديرون والمسئولون عن التوظيف في معظم الشركات تعيين من جاوز عمره الخمسين عامًا؛ لاعتقادهم أن الذي يتجاوز هذا السن تقل كفاءته، ولن يستطيع تطوير مهاراته لتتناسب مع متطلبات العمل.

ولكن هذه الحُجَّة غير منطقية، فقد أجرت الدكتورة «دينيس بارك» والتي تعمل مديرةً لمركز أبحاث الإعمار التابع لجامعة تكساس الأمريكية، دراسة بهدف اختبار مدى تقبل المسنين لتعلم مهارات جديدة، وقامت فيها باختيار مجموعة عشوائية لتعليمهم مهارات جديدة مثل التصوير، وصناعة التحف، ومجموعة أخرى تقوم بممارسة أنشطة مألوفة في المنزل مثل الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية وحل الألغاز، والمجموعة الأخيرة تمارس أنشطة اجتماعية مثل الرحلات، والخروج للترفيه، وظهرت النتيجة بعد ثلاثة أشهر وتمثلت في أن المجموعة التي تعلم أفرادها مهارات جديدة نجحوا في ذلك، وتحسنت قدرات الذاكرة لديهم عن بقية المجموعات، ولذلك ترى «بارك» أنه يجب على المسنين البعد عن الأنشطة التقليدية، والقيام بأشياء فيها تحدٍّ عقلي بالنسبة إليهم.

وتؤكد على وجهة نظرها الدكتورة «ماريان دياموند» أستاذة التشريح بكلية الطب في جامعة كاليفورنيا الأمريكية، والتي توصلت من خلال دراسة قامت بها إلى أن المخ يستمر في النمو كلما طولب بأداء مهام جديدة، واستثير بأنشطة تتحدى قدراته، كما أنه يتضاءل وتقل قدراته إذا حرم من الاستثارة والتحدي.

3- يميلون إلى العزلة وتجنب الأنشطة الاجتماعية

يفضل المسنون اختيار القليل من الصداقات التي تجعلهم أفضل، ولا يهتمون بكثرة العلاقات الاجتماعية التي لا تعود عليهم بفائدة، ولأنهم يفهمون أنفسهم بشكل جيد فهم يعرفون من هم الأشخاص المناسبون لمرافقتهم في أخر أيام العمر. وتوصلت دراسة منشورة في مجلة علم الشيخوخة الأمريكية، إلى أنه على عكس المتوقع «كلما تقدمنا في السن زاد لدينا الذكاء الاجتماعي، مما يجعلنا نصل إلى فهم أفضل للعلاقات».

ويقوم المسنون في العديد من الدول بتقديم خدمات اجتماعية لا غنى عنها، فعلى سبيل المثال في أمريكا يعتني الأجداد والجدّات بحوالي مليوني طفل، يعيش منهم حوالي 1.2 مليون طفل في منزل الجدّين، وهناك الكثير من المنظمات التطوعية التي لا تستطيع تأدية عملها دون مساعدة المسنين.

4- يفقدون الرغبة في ممارسة الجنس

ربما تقل أهمية الجنس مع التقدم في العمر، ولكن ذلك لا يعني التوقف عن ممارسته، فوفقًا لدراسة نشرتها مجلة «New England» الطبية، وشملت 3005 شخص من الرجال والنساء كبار السن، كانت نسبة استمرارهم في ممارسة الجنس 73% في الفئة العمرية بين 57-64 سنة، و53% في الفئة العمرية بين 65-74 سنة، وأخيرًا 26% في الفئة العمرية بين 75-85 سنة.

ولكن ذلك لا ينفي وجود العديد من المشاكل الجنسية عند الأشخاص الذين خضعوا للدراسة، وفي مقدمتها ضعف الانتصاب لدى الرجال بنسبة 37%، وانخفاض الرغبة لدى النساء بنسبة 43%، وجفاف المهبل بنسبة 39%، وعدم القدرة على الوصول إلى النشوة الجنسية بنسبة 34%، وعلى الرغم من وجود المشاكل السابقة إلا أن كبار السن غالبًا لا يفضِّلون مناقشة هذه الأمور مع أطبائهم، فنسبة من فعلوا ذلك لم تتجاوز 38% من الرجال، و22% من النساء.

5- إصابتهم بالألزهايمر مسألة حتمية

لا يمكن أن نعتبر الألزهايمر جزءًا طبيعيًّا من مرحلة الشيخوخة، فبحسب الدكتورة «باتريشيا هاريس» أستاذة أمراض الشيخوخة في المركز الطبي بجامعة «جورج تاون» الأمريكية: «إذا كان هناك شخصٌ مسنّ مصاب بالنسيان، يمكن أن يكون مرضه له صلة بالأدوية التي يتعاطها، أو التغذية، أو مشاكل طبية أخرى قابلة للتعديل، ولا نفترض إطلاقًا إصابته بالألزهايمر كتشخيص مبدئي».

وتوصلت دراسة نشرتها مجلة «PLOS Medicine» إلى أن الأشخاص المصابين بارتفاع ضغط الدم وراثيًا، يكونون أقل عرضة للإصابة بمرض الألزهايمر من غيرهم، وأرجع الباحثون ذلك إلى تأثير الأدوية المستخدمة لخفض ضغط الدم، وليس إلى المرض نفسه.

6- انخفاض صحتهم الجسدية لا بد أن تنخفض معه قدراتهم الذهنية

من الممكن أن تكون الحكمة القائلة: «العقل السليم في الجسم السليم»، هي الأساس الذي أدى لنشر هذا المفهوم الخاطئ، وفي الحقيقة توجد بعض الأمراض والإصابات التي تعتري البدن وقد تؤثر في القوى العقلية، مثل: إصابات الرأس، وجلطات الدماغ، والتعرض للسموم، وتعاطي بعض العقاقير، وإدمان الخمور، ولكن لم يذكر التقدم في العمر باعتباره سببًا مباشرًا من أسباب تدهور العقل.

وفي دراسة نشرتها مجلة طب الأعصاب الأمريكية، اختبر الباحثون الطيارين بين سن 40-69 سنة على استخدام أجهزة محاكاة الطيران، ووجدوا أن الطيارين الأكبر سنًا استغرقوا وقتًا أطول لتعلم استخدام أجهزة المحاكاة، ولكنهم قاموا بعملهم بشكل أفضل من زملائهم الأصغر سنًا في تحقيق الهدف الأهم وهو تجنب الاصطدامات.

وتقول الدكتورة «باتريشيا رويتر لورنز» المتخصصة في علم الأعصاب الإدراكي بكلية الطب في جامعة ميشيغان الأمريكية أن كبار السن يكونون أكثر هدوءًا، وأقل عصبية، ولديهم القدرة على التمييز بشكل أفضل في المواقف الاجتماعية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد