تخدعنا السينما والتلفزيون حين تصور لنا البطل يحل لغز الجريمة من خلال أشياء بسيطة، تارة بقعة دم، وتارة ببصمة الأصابع، بل وحتى بصمة العين أيضًا، وقد ارتبط بأذهان الكثيرين أن الجرائم يمكن كشفها بسهولة من خلال أدوات الطب الشرعي المعروفة، لكن الحقيقة أن أغلب أدوات الطب الشرعي المتعارف عليها من خلال السينما والتلفزيون غير دقيقة بالمرة، ونسبة فشلها أكبر من نسبة نجاحها؛ وأحيانًا لا يمكن الاستناد إليها أصلًا.

الطب الشرعي وعلم السموم.. نتائج رائعة على الورق فقط

علم السموم الشرعي هو استخدام علم السموم وغيره من التخصصات مثل الكيمياء التحليلية والصيدلة والكيمياء السريرية للمساعدة في تحقيقات الطب الشرعي للوفاة، كالتسمم أو تعاطي المخدرات، وهي طريقة فعالة في كشف المواد الكيميائية في جسم الضحية أو المجرم، لكن المشكلة أن الواقع ليس بهذه البساطة، فالنتائج غالبًا يمكن التلاعب بها بسهولة، وتحتاج دائمًا إلى خبراء ذوي كفاءة عالية.

أكبر مخاوف علم السموم وهو حقيقي ومفيد هو التلاعب السهل في العينات، ففي عام 2012 ألقت السلطات الأمريكية القبض على العالمة الكيميائية، آني دوخان، بتهمة تزوير نتائج المخدرات، وتزوير الأوراق وخلط العينات في أحد مختبرات شرطة مقاطعة سوفولك، المتهمة تلاعبت وزورت 60 ألف عينة، شملت 34 ألف مدعى عليه خلال تسع سنوات في المختبر.

كما أن هناك تفاعلات كيميائية تحدث تلقائيًا قد تغير مسار النتائج، وغالبًا ما يكون تحديد المادة التي ابتلعت معقدًا بسبب العمليات الطبيعية للجسم، ومن النادر أن تظل مادة كيميائية في شكلها الأصلي ثابتة في الجسم، وعلى سبيل المثال فالمسارات الاستقلابية للهيروين تصل به في نهاية المطاف إلى المورفين، لذا لا بد من إجراء تحقيق مفصل في عوامل أخرى مثل علامات الحقن لتأكيد التشخيص.

وربما تكون المادة قد خففت بفعل تشتيتها عبر الجسم؛ بل إن حبوب منع الحمل أيضًا أو الجرعة الأخرى المنظمة من الدواء ربما تحتوي على جرامات أو ملليجرامات من المكون النشط، في حين أن العينة الفردية التي تأخذ للتحقيق ربما تحتوي فقط على ميكروجرام أو نانوجرام.

علم النفس الجنائي.. كيف يساعد التحليل النفسي في حل أعقد الجرائم؟

 

تحليل بقعة الدم.. دليل زائف غالبًا

تحليل بقع الدم في مسرح الجريمة بهدف استخلاص استنتاجات حول طبيعة الجريمة وتوقيتها وتفاصيلها الأخرى ينجح عادة في الأفلام، لكن في الحقيقة هو طريقة قاصرة وغير صالحة، فالطريقة التي بدأت في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين وصعدت كإحدى طرق الطب الشرعي المعتمدة، أثبتت فشلها وزجت بالأبرياء في السجن.

ويستخدم تحليل بقع الدم لإعادة بناء أحداث دقيقة بالنسبة لمسرح الجريمة، مثل طرق تناثر قطرات الدم لاستخلاص استنتاجات بشأن مدى البعد عن الضحية، والسلاح المستخدم في الجريمة، ولكن المفاجأة أن طرق تحليل بقع الدم لا تستند إلى بحث علمي.

Embed from Getty Images

كشفت دراسة أجرتها «الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم» في عام 2009 عن الأدلة الجنائية الأكثر شمولاً؛ أن تحليل بقع الدم طريقة ذاتية أكثر منها طريقة علمية، وكشف التقرير أن المحققين الذين يريدون الاعتماد على تحليل أنماط الدم في إجراءات المحكمة يجب أن يكون لديهم، على الأقل، فهم للرياضيات التطبيقية، وفيزياء نقل السوائل وعلم أمراض الجروح، وخلص التقرير إلى أن تحليل بقع الدم من الطرق المستخدمة للتحيز المعرفي والذي يعني «تحيز التأكيد» فعادة ما يفسر الأفراد المعلومات، أو يبحثون عن أدلة جديدة، بطرق تتوافق مع معتقداتهم أو افتراضاتهم السابقة.

فحص الأسلحة النارية.. بارود في مهب الريح

فحص الأسلحة النارية الشرعي هو مهمة من مهام الطب الشرعي لفحص خصائص الأسلحة النارية وأي خراطيش أو رصاصات تركت في مكان الجريمة، ويقوم المتخصصون في هذا المجال بالتحقيق في آثار الأعيرة النارية لتحديد عدد الرصاصات التي أصابت الضحية، ونوع الأسلحة النارية والذخيرة المستخدمة وربط النتائج بالأفراد والجماعات لمعرفة الجاني.

معدل نجاح فحص الأسلحة النارية ما يزال منخفضًا للغاية، وقد ثبت أنه غير دقيق في أكثر من نصف الحالات، وقد أشارت دراسات تتبعت تقنية فحص الأسلحة النارية إلى أن الخبراء ارتكبوا أخطاء في 52% من الحالات، سواء في التمييز بين جرح دخول الطلقة وخروجها، أو حتى في تحديد عدد الرصاصات التي أصابت الضحية.

ومستوى الموضوعية في فحص الأسلحة النارية منخفض جدًا، لذا لا يعتبر وسيلة موثوقة لحل الجرائم، بل إن «الأكاديمية الأمريكية الوطنية للعلوم» أكدت أن أدلة الفحص التي يقدمها مكتب التحقيقات الفيدرالي للمحلفين وربط رصاصة معينة بتلك الموجودة في صندوق أو خرطوشة المشتبه فيه، كانت مبالغًا فيها؛ إلى درجة أن مثل هذه الشهادة يجب أن تعتبر «مضللة وفقًا لقواعد الأدلة الفيدرالية».

بصمات الأصابع.. خدعة كبيرة ووهم أكبر

بصمات الأصابع مهمة لأرباب الأعمال لمعرفة مواعيد حضور وانصراف الموظفين، أما في الجرائم والجنايات، فعادة لا يرتدي المجرمون قفازات في أيديهم، لأن بصمات أصابعهم لا تشغلهم فهم يعلمون جيدًا أن هذه التقنية لا يعول عليها في الكشف عن الجرائم.

Embed from Getty Images

رغم أن بصمات الإنسان مفصّلة، وفريدة من نوعها تقريبًا، ويصعب تغييرها وثابتة على مدار حياة الفرد، وهذا يجعلها مناسبة كعلامة طويلة الأجل للهوية الإنسانية لكل شخص، وبالتالي الكشف عن هويته بسهولة، لكن الأمور لا تجري بهذه الطريقة في الجرائم، لأن بصمات الأصابع ليست موثوقة تمامًا في الكشف عنها، بل إن تحليل البصمات ما يزال عرضة للتحيز البشري والذاتي أيضًا، إضافة إلى أنه لا توجد آلة أو برنامج إلكتروني يمكنه مقارنة بصمات الأصابع بالطريقة السحرية الموجودة في الأفلام للكشف عن هوية الشخص المجهول.

والمشكلة الأكبر هي تداخل البصمات المختلفة في مكان الجريمة الواحد، ولذا لا يوجد حتى الآن أي أساس علمي لاستنتاج أن البصمات الموجودة قاصرة على شخص معين، أو حتى لتقدير عدد الأشخاص الذين قد يكونون مصدرًا لها، كما أن أحد الأسباب الرئيسية لمعدلات الخطأ المرتفعة هو أن تحليل بصمات الأصابع ينطوي على حكم بشري، ويعتمد على منهجية تُعرف باسم «ACE-V» وهي ليست كافية لضمان دقة وموثوقية استنتاجات الفاحص.

تحليل الشعر.. بوابة القبض على الأبرياء

تحليل الشعر الشرعي كان أداة شائعة جدًا لقاعة المحكمة، إذ يضع المحققون الشعر على شريحة مجهرية لفحص اللون والسماكة والانحناء، ويقارنون بين عناصرها، ثم يحللون ويصلون إلى استنتاجات ما إذا كانت خصائص الشعر تستبعد، أو تشمل بعض المشتبه بهم رغم أن الشعر وحده لا يمكّن من تحديد هوية شخص معين.

وقد زج بالعديد من الأبرياء في السجن بسبب تحليل الشعر، إذ استخدم علماء الطب الشرعي ما يصل إلى 20 خاصية مختلفة لتمييز شعر من آخر، لكن هناك العديد من هذه الخصائص ذاتية، أي أنها مبنية علي التحيز الذاتي، كما أن علماء الطب الشرعي ليس لديهم قواعد بيانات قائمة على السكان يمكن من خلالها مقارنة عينات الشعر، وبالتالي فهم غير قادرين على تقدير احتمالية وجود شعر مميز بشكل صحيح.

«معيبة»، هذا ما وصفت به وزارة العدل الأمريكية، و«مكتب التحقيقات الفيدرالي» رسميًا، شهادات تحليل الشعر التي خرجت من وحدة الطب الشرعي، وقدمت كأدلة ضد المدعى عليهم جنائيًا؛ على مدار أكثر من عقدين من الزمن قبل عام 2000، وخرج هذا التصريح بعد مراجعة أدلة عدد من القضايا التي استخدم فيها فحص الشعر كأحد الأدلة الجنائية؛ واكتشفوا أن 90% من تلك الفحوصات تجاوزت حدود العلم، وأعلن المحققون تطابق الشعر بدون إثبات حقيقي، بما في ذلك 34 قضية قتل ووصل فيها الحكم إلى الإعدام.

الحمض النووي.. أسئلة لا تجد إجاباتها بعد

اختبار الحمض النووي (DNA) هو وسيلة دقيقة في اختبار النسب، ودقيقة إلى حد ما في الجرائم والكشف عن مرتكبها، لكن للأسف ثبت أيضًا أنها ليست مثالية كما تبدو في الكثير من الجرائم، وأكبر مشاكلها الوقت والعوامل التي يمكن أن تقلل من دقتها.

منذ ظهور تحليل الحمض النووي في قاعة المحاكم الغربية في منتصف الثمانينيات، باتت أدلة الحمض النووي جزءًا لا يتجزأ من آلاف الحالات، واعتبر القضاة والمحامون على حد سواء أن أدلة الحمض النووي موثوقة للغاية، لكن في الواقع فإن أدلة الحمض النووي أقل موثوقية وموضوعية مما يعتقد معظم الناس، لعدم توافر الظروف المثالية لتحليل الحمض؛ مثل أن يكون لدى المسؤولين كمية كبيرة من جينات المشتبه به المحفوظة جيدًا، ويكون من الواضح كيف وصل هذا الحمض النووي إلى مسرح الجريمة، وعندما لا تقوم المختبرات المحتفظة بالعينات بأية أخطاء.

ولكن للأسف هناك حالات قليلة للغاية تتوفر فيها كل هذه الشروط، وهذا يعني أن معظم أدلة الحمض النووي المقدمة في قاعات المحاكم لديها درجة من الغموض، وهو الأمر الذي قد لا يدركه بعض القضاة.

الأكثر خطورة في تحليل الحمض النووي، أن العلماء لا يعرفون على وجه الدقة كيف يمكن أن ينتقل الحمض النووي، فخلايا الجسم تحتوي على الحمض النووي لدينا ونحن نتركها أينما ذهبنا، وربما في ظروف معينة يمكن أن تنتهي تلك الخلايا في أماكن لم نوجد نحن فيها أصلًا، بالإضافة إلى ذلك فلا يوجد ترتيب زمني للحمض النووي، لذلك ربما ينتهي الحمض النووي لشخص ما في مكان جريمة قبل ستة أشهر من وقوع هذه الجريمة، ويصبح هذا الشخص جزءًا من قضية لا تربطه بها علاقة.

6 من أبرز القناعات العلمية الزائفة حول العالم

المصادر

تحميل المزيد