منح الأمير الشاب محمد بن سلمان ولي العهد السعودي، في مرحلة تثبيت دعائم سلطانه، مؤسسة مسك الخيرية صلاحياتٍ واسعة، ومهامًا تحولت بها لذراعٍ للشابّ الثلاثيني تسوق له في الخارج، وترسم صورةً له بأنه الشاب الساعي نحو تحديث المملكة. تجاوزت أدوار المؤسسة الخيرية تسويق ولي العهد، إلى تنفيذ مشاريع ومبادرات داخل المملكة، لم يكن مسموحًا بها في السنوات السابقة، دون اعتبار للهيئات الدينية التي كانت في السابق الآمر الناهي في المملكة.

تحاول السطور التالية الاقتراب من مهام هذه المؤسسة وأدوارها، ومن الشاب السعودي «بدر العساكر»، الرجل الذي يحمل خزائن أسرار ابن سلمان، ويشغل منصب الأمين العام لها.

صورة للوجو مؤسسة مسك الخيرية. مصدر الصورة: الحساب الرسمي للمؤسسة على تويتر

بوابة «ابن سلمان» لتحديث المملكة

«سنسعى من خلال مؤسسة مسك الخيرية إلى الاستثمار في رأس المال البشري، ودعم وتوفير البيئة المناسبة له لينمو ويساهم في تمكين هذه البلاد الغالية من التقدم والتطور»، ترسم الكلمات السابقة لرئيس مجلس إدارة المؤسسة محمد بن سلمان، المنشورة على الموقع الرسمي، ملمحًا لأدوار المؤسسة التي تحولت منذ تأسيسها لواجهة يستخدمها الأمير الشاب في تسويق أفكاره، ومحو آثار مناهج أعمامه وجده في إدارة المملكة، واستخدامها أيضًا أداة يوحي من خلالها للغرب بأنه الوجه التحديثي الذي يحاول القفز بالمملكة على النحو الذين يريدون أن يروها فيه بلدًا لا يعيش على فتاوى دينية متشددة، وشرعية هيئات للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تتحكم في أمورهم، وتتدخل في حياة المواطن السعودي الشخصية تحت ذريعة تطبيق الشريعة الإسلامية.

Embed from Getty Images

ولي العهد السعودي داخل مكتبه

سعت مؤسسة مسك إلى مُمارسة هذا الدور عبر تأسيس مؤسسات تعليمية تسير على نهج الجامعات الأوروبية، وعبر شراكات معها كجامعة هارفارد، وخان أكاديمي، ومجموعة بوسطن الاستشارية، والتي أسست مناهج تعليم مخالفة لما عهده المواطن السعودي من مواد دراسية خاضعة لإشراف هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ أسست في سبيل ذلك سلسلة مدارس مسك، وأعادت تأهيل وتحديث مدارس الرياض.

حسب الموقع الرسمي لمدارس مسك، فالمناهج الدراسية تلتزم بالاستفسار الموجَّه، وعمل المشاريع، والتّعلم من خلال التجربة. بالاستفادة من خبرات أكاديميين متخصصين وبيئة معدَّة جيدًا، وفصول صغيرة تقتصر على 12 طالبًا، يشعر كل طالب بالاهتمام وبأن رأيه وأفكاره مسموعة، كما أنها تتضمن مادة الفنون سواء رسم أو فنون مسرحية عبر مشاركة الطلاب في مسرحيات، وأفلام، ودروس لتعليم التمثيل.

وأطلقت المؤسسة عددًا من البرامج التدريبية التي تهدُف بشكل أساسي لتقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بصورة غير مباشرة، كبرنامج «قيادات»، وهو برنامج خصصته المؤسسة للنساء السعوديات في مجال القيادة، يعمل -بحسب تعريفه- على اكتشاف المهارات القيادية لدى الشابات، والمساهمة في تطوير هذه المهارات، وتنمية القدرات، بهدف الوصول إلى تمكين الشابات من تفعيل تواجدهن الإيجابي والمؤثر في المؤسسات والمنظمات التي يعملن بها.

إطلاق مثل هذه البرامج في السنوات السابقة كان يؤدي بمصممي مثل هذه المشاريع إلى السجن والجلد أمام الجميع، غير أن قدوم الأمير الشاب الذي كسر تقاليد التدرج في الحكم داخل عائلته، أزال هذه المحظورات، بمؤسسته التي لا يستطيع أحد في السعودية نقد مشاريعها، أو إطلاق فتوى من جانب الهيئات الدينية تُحرم أنشطتها، كما اعتادت في السابق.

وأتاحت الصلاحيات الممنوحة للمؤسسة تأدية مهام كانت تُمارسها وزارات حكومية في الأساس، كتنظيم مؤتمر عن الإرهاب في المملكة تحت اسم «مغردون»، حضره الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ووزير خارجية الإمارات عبد الله بن زايد، ووزير الخارجية السعودي عادل الجبير، وشيخ الأزهر أحمد الطيب، و«منتدى اليونسكو للمنظمات غير الحكومية»، فضلًا عن إطلاق برنامج «حكاوي مسك»، والذي يناقش مع الشباب السعودي مشاكل المجتمع بشكل دوري، وأيضًا إطلاق معرض الرياض الدولي للكتاب، وإقامة معارض فنية يستعرضون فيها لوحات فن تشكيلي لفنانين سعوديين في العواصم الأوروبية.

«برنامج مسك الشرق الأوسط»، إحدى المبادرات التي أطلقتها «مسك» للشباب السعودي؛ لإتاحة فرصة تدريب لهم في مقر جريدة الشرق الأوسط السعودية بلندن، والتي تضمنت برنامجًا تدريبيًّا مكثفًا يستهدف المهتمين في مجالات الإعلام، والعلاقات العامة، والتسويق، والإذاعة والتلفزيون، والإعلام الرقمي، والإنتاج التلفزيوني.

كما أطلقت المؤسسة «برنامج زمالة» يمنح من خلاله الشباب السعودي الفرصة لاستكمال دراستهم بعدد من الجامعات الأوروبية مع التكفل بكافة النفقات من جانب المؤسسة، واستحدثت كذلك عددًا من الفعاليات لم تعرفها المملكة، من قبل، كإطلاق مبادرات ترفيهية للأطفال بواسطة التمثيل.

«بدر العساكر».. زميل الدراسة وكاتم الأسرار

في يوليو (تموز) 2017، صدر مرسوم ملكي من الملك سلمان بن عبد العزيز، بتعيين بدر العساكر، مديرًا لمكتب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بمرتبة وزير. القرار الملكي جاء ضمن سلسلة قرارات وزارية استهدفت بشكل أساسي توسيع صلاحيات نجله الأمير الشاب، عبر تعيين رجال محسوبين عليه في مناصب فاعلة.

صورة من الحساب الرسمي لبدر العساكر على موقع «تويتر»

لم يكُن «العساكر» اسمًا ذائع الصيت داخل أوساط الحُكم بالقصر الملكي، طيلة السنوات الماضية، أو مؤرخًا، كما تُقدمه بعض الصحف السعودية المحلية، تستعين به الفضائيات السعودية والعربية لتفسير الوقائع التاريخية، بل كان مساره المهني كأغلب شباب المملكة المنحدرين من عائلات ثرية، في إدارة جزء من نشاط عائلته التجاري الذي يتمثل في شركة العساكر، التي يتركز نشاطها التجاري في توزيع وتسويق الأجهزة الكهربائية والإلكترونية عبر 10 محال تجارية تتوزع في العاصمة السعودية الرياض، وذلك بالتعاون مع أخيه الأكبر عبد المجيد، الذي يُباشر نشاط الشركة منذ تأسيسها في 1980.

أتاح نشاط «بدر» في قطاع الاستثمار وتجارة الأعمال له التعرف إلى عدد من المؤسسات التجارية في المملكة، التي سعى لنيل عضويتها وتمثيلها كأحد شباب الأعمال السعودي الرائد في قطاع الاستثمار، كعضويته في لجنة شباب الأعمال المنبثقة عن مركز تنمية المنشآت الصغيرة والمتوسطة بالغرفة التجارية الصناعية في الرياض، وشغله منصب نائب الرئيس التنفيذي لاتحاد الصالحية للتمور والحلويات. تُرجح الأعمار المتقاربة بين «بدر» و«محمد بن سلمان»، أوائل الثلاثينيات، ودراستهما المُشتركة في جامعة الملك سعود بالرياض، إلى تأسس زمالتهُما خلال فترة دراستهما بالجامعة، قبل أن تتطور وتتوثّق هذه العلاقة بعد ترقي الأمير الشاب، واستعانته ببدر في مهام حساسة لا يأتمن عليها أحدًا سواه.

أتاحت هذه الصداقة المتينة ترقي «بدر» في عدد من المؤسسات التي أسسها الأمير الشاب لتنفيذ رؤيته نحو تحديث المملكة، وإعادة تغيير وجه بلاده دينيًّا واجتماعيًّا، ومُمارسة دور ينطوي على إعادة خلق هوية جديدة لهذا البلد الذي اكتسبت عائلته الحاكمة شرعيتها في حكمه من فتاوى دينية، وهيئات أسستها لتطبيق ما اعتبرت أنه الشريعة الإسلامية. وتمثلت هذه الأدوار في توليته منصب الأمين العام لمؤسسة «مسك الخيرية»، و«جائزة الملك سلمان لشباب الأعمال»، فضلًا عن عضويته بمجلس إدارة مدارس الرياض، التي يترأس مجلس إداراتها ولي العهد السعودي.

أتاحت هذه العضويات لبدر داخل هذه المؤسسات، جنبًا إلى جنب مع منصبه الجديد، أدوارًا جديدة، وصلاحيات مفتوحة، في زيارات خارجية كزيارته لباريس الشهر الجاري، ولقائه بالرئيس الفرنسي، وكذلك عقده شراكات مع كُبرى الشركات العالمية للتّحديث وتطوير مؤسسات المملكة، فضلًا عن إيفاد ولي العهد له في كافة المؤتمرات التي ترعاها المنظمات الدولية كالأمم المتحدة واليونسكو في الخارج مُمثلًا للمملكة، وعقد برامج مُشتركة معهم، وتصميم برامج قيادية للشباب داخل المملكة، وتأسيس كلية الأمير محمد بن سلمان في يونيو (حزيران) 2016، لتخريج جيل جديد من القادة، حسبما أعلنت الجامعة على موقعها الرسمي.

أحد الأدوار التي أوكلت لبدر، العام الماضي، هو رسم صورة للأمير الشاب عن انفتاحه على كافة المؤسسات العالمية الدولية، واتّقاد ذهنه بأحدث التكنولوجيات التي يسعى لتزويدها داخل المؤسسات السعودية، وذلك عبر سلسلة تغريدات على حسابه الرسمي بموقع «تويتر» يتباهى فيها بجهود زميل دراسته في هذا المجال.

امتد هذا الدور أيضًا، إلى تنظيم زيارات لمحمد بن سلمان مع رؤساء هذه الشركات، ومرافقته، كزيارته لمارك زوكربيرج مؤسس موقع فيسبوك، وكذلك لقائه ببل جيتس في الرياض، فضلًا عن تصميم برامج مشتركة مع شركات مايكروسوفت، وماكينزي، وبلومبرج لتدريب العاملين السعوديين بها، ونقل خبراتها للداخل السعودي.

المصادر

تحميل المزيد