في 15 أغسطس 2015، انتشرت كالنار في الهشيم أخبارٌ تُفيد بقرب إيقاف بثّ قناة مصر الآن. العديد من مُستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا تلك الأخبار مصحوبة بتعليقات مُتباينة. من بين هؤلاء مُقرّبون من جماعة الإخوان المسلمين التي تُشرف مُباشرة على إدارة القناة وتمويلها، فضلًا عن عاملين سابقين بالقناة، أو عاملين حاليين في قنوات أُخرى من المعروفة باسم “قنوات الشرعية”.

وبالإضافة إلى قنوات الشرق ومكملين والثورة، تُعتبر قناة مصر الآن من بين ما يُمكن تسميتها بالواجهات الإعلامية لمعارضي النظام الحالي في مصر. غير أنّ قناة مصر الآن تحديدًا، تُمثّل الذراع الإعلامي التلفزيوني الرسمي لجماعة الإخوان المُسلمين، إذ – كما سبق وذكرنا- تُشرف مُباشرة الجماعة على إدارة القناة وتمويلها.

وبعد بضع ساعات من انتشار خبر إغلاق القناة “القريب”، على نطاق واسع، أصدرت القناة بيانًا رسميًّا احتوى نفيًا ضمنيًّا لصحة الأخبار المُتداولة حول إغلاق القناة، مُؤكدًا استمرارها في البث. ذلك البيان سبقه تصريحات لمذيعين وعاملين بالقناة، أكّدوا فيها على استمرار القناة في العمل، منوهين إلى ضرورة عدم الالتفات إلى تلك “الشائعات”.

ووفقًا لما تمّ تداوله، فمن المُفترض أن تكون القناة قد اسودّت شاشتها منذ الأحد 16 أُغسطس 2015، وبما أنّ ذلك لم يحدث حتى وقت كتابة التقرير، فسنسلّم بكون تلك الأخبار المُتداولة محض “إشاعات”، انتفت صحتها بانقضاء المُهلة المُحددة فيها لإيقاف بث القناة.

هذا، وفتحت تلك القضية الأبواب على مصارعها لتساؤلات عدّة، بداية من السؤال عن مصدر “الإشاعة” عندما نفت القناة صحتها، مرورًا بالسؤال عن الأسباب وراء إغلاق القناة إن حدث ذلك، ونهاية بالسؤال العام، وهو ما انطلقنا منه بدورنا؛ ذلك الخاص بالكشف عن حقائق غائبة حول كيفية إدارة الجماعة للمشاريع التي تترس خلفها في صراعها مع النظام الحالي في مصر، مع اعتبار قناة “مصر الآن” نموذجًا قد يكون كاشفًا لذلك.

مزيدٌ من التوضيح: كيف بدأت الأزمة؟

البداية القريبة هي التي ذكرناها في المُقدّمة؛ في 15 أُغسطس 2015، عندما تمّ تداول خبر إغلاق القناة خلال ساعات، أو أنّ ذاك اليوم سيكون الأخير للقناة. قبل ذلك بقليل، تحديدًا مُنتصف يوم الجمعة 14 أُغسطس، نشر موقع صحيفة اليوم السابع، خبرًا يُفيد بانقطاع بث القناة خلال ساعات من وقته.

الصحيفة قالت إنّ “مصادر مقربة” من جماعة الإخوان المُسلمين هي التي كشفت لها عن ذلك، وهي نفسها المصادر التي أوضحت أنّ الإغلاق رُبما يكون لسببين: أحدهما خاص بخلافات داخل الجماعة نمت منذ شهور ولا زالت نيرانها مُشتعلة، أمّا السبب الآخر فيتحدث عن ضغوط من السلطات التركية هي التي قد تُؤدي لهذا الغلق.

من جانبها، لم تنفِ أو تُثبت، جماعة الإخوان المسلمين، أو إدارة القناة، الخبر، واختارت في المُقابل الصّمت الطويل، الذي أدّى لاتساع نطاق انتشاره بين أوساط شبابية مُقرّبة من الجماعة كما يتضح من صفحاتهم الشخصية، أو بين صحافيين مُنتمين لجماعة الإخوان المُسلمين أو مُقربين منها. من بين هؤلاء مثلًا كان عمرو فرّاج مسؤول العلاقات العامة بشبكة رصد الإخبارية، الذي أكّد في بعض تدويناته على فيس بوك صحّة الخبر، مع نفيه لأن تكون للسلطات التُركية أية علاقة بالأمر.

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/amrfarrag2020/posts/10206402468793613″ width=”” ]

 

يُعرف عمرو فرّاج الآن كواحد من شباب جماعة الإخوان المُعارضين لبعض قيادتها بشدّة، كما يتضح من صفحته الشخصية على فيس بوك. وقد برز ذلك أيضًا في إحدى منشوراته المُتعلقة بقضية إغلاق القناة، والتي أكّد فيها “انزعاج الأتراك من إغلاقها”، وأنّ القناة لن تُغلق “إلا بقرار داخلي ذاتي من الإخوان” لعدة أسباب رفض ذكرها، لكنّه استدرك بأنّ أهم تلك الأسباب أنّ “القيادة الحالية في إسطنبول قيادة فاسدة”.

11953099_10206421946221951_2052010386167344560_n


رُؤية أُخرى لبداية الأزمة: هل يتكرر نموذج قناة الشرق؟

أظلمت شاشة قناة الشرق الفضائية، التي تبث من تُركيا، وتتخذ من مُعارضة النظام الحالي في مصر خطًّا واضحًا لها؛ مُنذ بداية الشهر الجاري وحتى الآن، وإلى أجلٍ غير مُسمّى. وقبل ذلك، أُوقف بث القناة عدّة مرات، بينها مرّة تعرضت فيه القناة لإيقاف البث عبر إدارة النايل سات وفقًا لبيان أصدرته، وردّت عليه وقتها إدارة النايل سات بالنّفي في تصريحات لروزاليوسف.

وبسؤالنا للإعلامي معتز مطر، مُقدّم البرامج على قناة الشّرق، إن كانت أسباب إغلاق قناته مُتّصلة بالأسباب وراء احتمالية إغلاق قناة مصر الآن، نفى مطر ذلك، مُؤكدًّا على استمرار الجهود لإعادة بث الشّرق. ثُم بسؤاله عمّا إذا كانت لديه معلومات واضحة ومؤكدة بخصوص المُتداول حول إغلاق قناة مصر الآن، فضّل معتز مطر انتظار ما سيسفر عنه الوقت من معلومات.

كان واضحًا لنا مُنذ البداية أنّ أزمة قناة الشرق مُختلفة، فالقناة نفسها أوضحت بشكل صريح أنّ أزمتها مالية، وذلك عندما طرحت أسهمها للبيع قُبيل إغلاقها الأخير. لكن بقيَ لنا تساؤل متعلق بإذا ما كان نموذج قناة الشرق أوسع نطاقًا من مُجرّد مشكلة مُتعلّقة بالموارد المالية، وأنّه نموذج قد يكشف لنا مُستقبل المشاريع الإعلامية المُعارضة لنظام عبد الفتاح السيسي.

عبد الله عبد الفتاح الجزّار، مُقدّم برنامج تويت بوك على شاشة قناة الشرق قبل إيقاف بثّها، كشف لنا بعض التفاصيل عن أزمة قناة الشرق. فوفقًا له فإنّ أزمة الشرق بدأت منذ مدة تربو على 6 أشهر، عندما بدأ مُرتبات العاملين في التأخر، قبل أن تنقطع نهائيًّا.

“أسباب الأزمة، فشل إداريّ تام، خصوصًا في الناحية المالية، وليس فشلًا مهنيًّا”، يقول عبد الله الجزّار، الذي يُؤكد على أنّ قناة الشرق تختلف تمامًا عن قناة مصر الآن من عدّة نواحي، على رأسها أن الشرق ليست قناة تابعة لجماعة الإخوان بأي حال من الأحوال. نفس الأمر أكّده مُعتز مطر وشدد عليه. كما أكّد الجزار على أنّ من أوجه الاختلاف أن قناة الشرق “لا سقف لها”، وفقًا لتعبيره، على عكس قناة مصر الآن، التي تُدار مُباشرة عبر جماعة الإخوان المُسلمين.

وتعد الأزمة المالية التي مُنيت بها قناة الشرق، واحدةً من الأزمات المُؤسسة في المجال الإعلامي عامةً، وبين ما يُعرف بوسائل “إعلام الشرعية” خاصة. ومن هُنا كان التخوّف الذي طرحه البعض من أن تكون الأسباب وراء احتمالية إغلاق قناة مصر الآن، نفسها المُتعلقة بإغلاق قناة الشرق. لكنّ عبد الله الجزّار ينفي ذلك، وقد اتفق في ذلك مع عمر فرّاج الذي لم يأتِ بذكر الجانب المالي، في حين أنّه تحدّث عن “قيادة فاسدة” داخل الإخوان.


 

الأزمة في قناة الشرق، بحسب الجزّار، تتعلق بعدم مُؤسسية إدارة أموال القناة، التي تقوم على التمويل الفردي. هؤلاء الأفراد قد يملّون لسبب أو لآخر من استمرار دعم القناة، لذا لجأت إدارتها أخيرًا إلى طرح أسهمها للبيع.

ويقول الجزّار إنّ المبلغ الذي حصدته القناة من الأسهم، ربما وصل إلى 400 ألف دولار، فيما أنّ القناة تنفق شهريًّا ما قدره 250 ألف دولار، فضلًا عن أنّ شركة باي بال (شركة تحويل أموال عبر الإنترنت) حجزت على 100 ألف دولار في حساب القناة بسبب تشككها فيه على أثر ضغط نقل الأموال إليه. استمر العاملون في القناة بالعمل دون مُقابل فترة طويلة، لكنّ في النهاية اضطرت القناة إلى الإغلاق لأنّ نفقاتها لا تقتصر على العاملين فقط، فعلى سبيل المثال كانت القناة تستأجر مُعداتها، الأمر الذي أرهق كاهلها المالي.

وفي هذا المنشور عبر صفحته على فيس بوك، يكشف عبد الله عبد الفتاح الجزار عن بعض التفاصيل الخاصة بقناة الشرق:

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/SingerAbdullah/posts/10206610393912431?__mref=message” width=”” ]

 

في النهاية إذًا، لا يبدو أن سيناريو قناة الشرق قد يتكرر مع قناة مصر الآن، على الأقل في الفترة الحالية، فالأخيرة تعتمد على تنظيم ضخم وراءها يدعم استمرارها بالتمويل الكافي، في حين أنّ الأولى تعتمد على عدّة أفراد يُموّلونها لأسبابٍ ما.

الحقيقة المسكوت عنها وراء الأزمة: ماذا تعرف عن إضراب العاملين بالقناة؟

منذ نحو عام من الآن، شهدت أروقة قناة مصر الآن، اعتصامًا لبعض العاملين بها، على أثر حملة فصل “غير مُبررة” وفقًا لعدد منهم. أخيرًا وبعد فترة استطاعت إدارة القناة احتواء الموقف، لكنّ لم تعد الأمور كما هيَ تمامًا!

وبحسب مصادر خاصة عاملة بالقناة، فإنّ البدايات الحقيقية للأزمة تعود لتلك الفترة، التي منها وإلى الآن، بدأت المشكلات واحدةً تلو الأخرى في الظهور على السطح. وتدخّلت عدة عوامل مُؤخرًا في تأجيجها، لا شكّ أنّ من بينها الانقسامات الأخيرة داخل جماعة الإخوان المسلمين.

أحمد عبده، المدير العام للقناة، يرى أنّ قصة الإضراب هذه لا علاقة لها بالأزمة الأخيرة، كما أنّ أزمة الإخوان ليس لها أيضًا علاقة بالقناة. “منذ أن خرجت القناة وهي تتعرض للأزمات، قد يكون جزء منها أزمة مالية، أو أزمات تشويش، لكن أنا لم أشعر أن أيًّا من طرفي الصراع داخل الإخوان تدخل في أي وقت، من قريب أو من بعيد في القناة”، كما يقول أحمد عبده.

ورغم ما قاله أحمد عبده، وأكّد عليه لنا، إلا أنّ آخرين اتفقوا على الاختلاف معه، بين هؤلاء عاملون بالقناة رفضوا بطبيعة الحال الإفصاح عن هوياتهم. من بين هؤلاء أيضًا عبد الله الجزار، وعمرو فراج، ومحمد زاهد جول (وهو كاتب وباحث تُركي مُقرّب من دوائر صنع القرار في تركيا). هؤلاء اتفقوا على أنّ قرار إغلاق القناة الذي تم تداوله، مُرتبط ارتباطًا مُباشرًا بأزمة الجماعة، وليس للسلطات التركية أي يد فيه. بخاصة وأنّ البعض زعم، أنّ السبب قد يكون عائدًا إلى “الخطاب التحريضي” لبعض الوجوه التي تظهر على شاشة القناة.


 

 

ما الأسباب الحقيقية وراء فصل بعض العاملين «”تعسفيًّا»؟

قضية إضراب العاملين بالقناة خلال الفترات الأولى لبثها، قضية معروفة، وقد تداولها البعض آنذاك، وما ترتب عليها من فصل “تعسّفي غير مبرر” لبعض العاملين بها، وفقًا لتعبيرهم. لكنّ من غير المعلوم على وجه الدّقة، الأسباب التي أدّت إلى تلك الأزمة، ومن ثمّ حالات الفصل.

ثمّة حكايتان لتلك الأزمة، الأولى التي يتبناها عاملون بالقناة، والثانية التي تتبناها إدارتها مُتمثّلة في أحمد عبده. أمّا الأولى فهي أن بعض العاملين اكتشفوا قيام أحمد عبده بالتغزّل بفتاة تُركية كانت تعمل سكرتيرة بالقناة. قام العاملون بتقديم شكواهم المُدعمة بالملفات الحافظة للرسائل للإدارة، التي قررت بدورها فصل هؤلاء العاملين، وكذا الفتاة التُركية، في مُقابل الإبقاء على أحمد عبده. وهذا ويُشار إلى أنه لم يتسنّ لنا التأكد من الرواية عبر الفتاة التركية.

الحكاية الثانية هي التي يرويها أحمد عبده، أنّ بعض العاملين وقتها، كانوا رافضين لبدء بث القناة آنذاك لعدم “اكتمال بنيتها التحتية” بتعبيره. بالإضافة إلى ذلك، كانت جزءًا من الأزمة “مطالب شخصية” لبعض العاملين، فضلًا عن اعتراضات على إدارة القناة آنذاك، “كانوا يرون أنّها إدارة غير مُريحة”، بحسب قوله. ثُم يضيف أنّ كثيرًا منهم تراجع عن الإضراب عندما اكتشف أنّ الصورة الكاملة لم تكن واضحة له، “والحمد لله استمرت القناة وحققت نجاحًا كبيرًا، وأثّرت في الجانب الانقلابي بصورة كبيرة جدًّا”، بحسب عبده.

أحمد عبده، المدير العام لقناة مصر الآن


بدورنا، واجهنا أحمد عبده بالحكاية الأولى ليكون له حقّ الرد عليها، فقال نصًّا: “طبعًا الكلام ده لا أساس له من الصحة، وليس له أصل من الواقع. وبالتالي القناة كمّلت بشكل قوي جدًّا”، وأضاف أنّ: “هذه الأمور إذا صحّت.. يعني.. ليس لها أي أساس من الصحة الحقيقة”.

هذا، وحاول أحمد عبده أن يعرف منّا مصادر الحكاية الأولى، لكننا رفضنا الكشف عن هويّاتها لطلبها ذلك، وهو حقّ أصيل لها.

لمحة عن القوى العاملة والسياسة التحريرية في القناة

“فيه ناس لو الانقلاب وقع هيشحتوا”، يقول عبد الله عبد الفتاح الجزار (والذي كان يعمل في قناة مصر الآن قبل أن يتعرض للفصل مع غيره)، وذلك في سياق حديثه لنا عن كيفية إدارة القناة لـ”القوى العاملة” بها لفترة طويلة. يكشف الجزار عن أنّ القناة اعتمدت لفترة طويلة على “استغلال” بعض الطلبة المُقيمين في تُركيا والراغبين لدخول المجال الإعلامي، عبر فتح باب التدريب لهم في القناة لمدة 3 أشهر، مع وعد بالتعيين عقب انتهاء الشهور الثلاثة.

وبحسب الجزّار لم يكن الأمر تدريبًا بقدر ما كان عملًا كاملًا، دون راتب تقريبًا، أو في مُقابل مُكافآت مالية قليلة. وفور انتهاء مدة الثلاثة شهور، يتم الاعتذار لهم عن التعيين، ثُم يفتح باب التدريب مرّة أخرى، وهكذا دواليك!

في المُقابل لرواية الجزّار، هُناك ما يُمكن اعتبارها الرواية الرسمية للقناة، والتي يكشف لنا أحمد عبده عن تفاصيلها. يقول أحمد عبده إنّه – وكما في أي قناة- ثمّة قسم للمتدربين. عبر ذلك القسم تفتح القناة باب التدريب لأعداد من الشباب الذين لا يمتلكون أيّ خبرة في العمل الإعلامي. يتمّ تعيين بعضهم بعد الانتهاء من فترة التدريب.

من جهة أخرى، تكشف بعض المصادر عن أنّ أعداد العاملين بالقناة تربو قليلًا على 80 عاملًا، بينهم نحو 90% من المنتمين لجماعة الإخوان المُسلمين، التي تتدخل قيادتها بشكل مُباشر في إدارة المُحتوى المعروض. على هذا فإن القناة لا تحمل سياسة تحريرية واضحة ومحددة، بقدر انطلاقها وفقًا لأهواء إدارتها وقيادات الجماعة، لذلك تشهد القناة وقوعًا مُستمرًا في عدد من المشكلات، من بينها على سبيل المثال عدم اكتسابها جمهورًا جديدًا من خارج دوائر الجماعة.

ويُشار إلى أنّ تلك المعلومات الأخيرة، الخاصة بعدم اكتساب القناة لجمهور جديد، لا يُمكن التّأكد من مدى صّحتها، إذ لا تتوافر لدينا أيّة بيانات رسمية عن نسب مشاهدة القناة ونوعيتها، ولا نعلم إن كانت لدى إدارة القناة بيانات كهذه.

قيادات الجماعة والصراع من خلال قناتهم التلفزيونية الوحيدة!

في الحقيقة، أن السطور التالية تحمل تناقضات عجيبة، عانينا كثيرًا بسببها في إعدادنا لهذه القصة الصحافية. تبدأ الحكاية عند أسامة سُليمان، الذي هو واحدٌ من أبرز قيادات الجماعة، كما تكشف سيرته الذاتية، والمناصب التي تقلدها داخل الجماعة أو عبرها.

آخر المناصب الرسمية التي تقلدها سُليمان، كان منصب مُحافظ البحيرة، وقبلها كان عُضوًا في مجلس الشعب المُنحل بقرار المحكمة الدستورية العليا في 2012. أما داخل الإخوان، فسليمان عضو مجلس شورى الجماعة، والآن هو عُضو بمكتب الخارج المعروف بمكتب الأزمة، أو مكتب إسطنبول، فضلًا عن كونه مسؤول الإعلام بهذا المكتب.

كافة المصادر، والتي من بينها عاملين بالقناة، وكوادر إخوانية في مصر، تُؤكّد أنّ سُليمان أيضًا هو المشرف العام على قناة مصر الآن، والبعض فضّل وصفه بمثابة رئيس مجلس إدارة القناة. للأسف الشديد علينا، فإنّ المصادر ترفض واحدة تلو الأخرى الكشف عن هويّتها. والعاملون بالقناة شددوا على عدم الكشف عن هويّتهم. وفي إطار الأزمة التي يمرون بها عامّة، بدا لنا ذلك مفهومًا ومقبولًا إلى حدّ كبير.

لكنّ المفاجأة بالنسبة إلينا كانت نفي أسامة سُليمان أي علاقة تربطه بالقناة! قال نصًّا، إنّ علاقته بالقناة علاقة ودّية فقط. سألناه مرارًا، وواجهناه بكل ما قيل من أنّه طرف رئيس في الأزمة. ببساطة نفى أساسًا أن يكون له أي علاقة بالقناة من قريب أو بعيد، إلا علاقة الود! لكنّه في المُقابل لم يُخبرنا من هو رئيس مجلس الإدارة.

أسامة سُليمان (المصدر: وكالة أنباء آسيا)*1

بدوره، نفى أحمد عبده أنّ لسليمان أي علاقة إدارية بالقناة. سألناه إن كان مُشرفًا عليها، فقال إنّه مُشرف على الملف الإعلامي عمومًا، لكنّه ليس مُشرفًا على القناة. مرّة أخرى سألناه إن كان بحكم منصبه كمشرف على الملف الإعلامي، يُخوّله التصرّف الإداري داخل القناة، فأعاد النّفي، قائلًا إنّ علاقة سُليمان قائمة على النصح والاستشارة فقط!

سألنا جمال حشمت، القيادي البارز في الجماعة، وعضو مكتب الخارج، عما إذا كان سُليمان حقًّا مشرف القناة، أو رئيس مجلس إدارتها، فأجاب بأنّه “كان مُزمعًا تشكيل مجلس إدارة للقناة لكن لم يُنته من تشكيله”! كالعادة، أعدنا صياغة السؤال: “هل هو طرف في الأزمة؟ المعلومات تقول إنّ له علاقة مُباشرة بالأزمة”، فأجابنا: “ربما يكون له علاقة، لكن الله أعلم ما هو دوره فيها”.

وكانت المصادر قد أمدّتنا بمعلومات مفادها، أنّ من أشاع خبر إغلاق القناة هو أسامة سُليمان، صحبة آخرين من أعضاء مكتب الإخوان بالخارج، وخاصة هؤلاء الذي دخلوا المكتب بالتعيين وليس بالانتخاب، فبحسب أحد كوادر الإخوان الشباب في مصر، فإن 4 فقط من أعضاء مكتب الخارج هم المنتخبون، والباقي جاء بالتعيين. تعيين ممن؟ لا نعلم. لكنّ ما نعلمه مُؤكدًا من غير واحد، أنّ الخلاف بين هؤلاء وعلى رأسهم سُليمان، وبين محمود حسين الأمين العام لجماعة الإخوان المُسلمين، وإبراهيم مُنير نائب المرشد العام للجماعة.

حاولنا الاتصال بإبراهيم مُنير عدة مرّات لكنه لم يُجبنا. أمّا محمود حسين فلم نصل إلى وسيلة للاتصال به. لكن له ولغيره حق الرّد طوال الوقت.

محمود حسين (المصدر: صحيفة الشرق الأوسط)*2


الخلافات وصلت إلى حدّ ترويج أسامة سُليمان، لأنّ كلًّا من حسين ومنير يسعى وراء إغلاق القناة. حتّى أنّ سُليمان كان قد زعم بأنّ الجماعة ترفض الاستمرار في تمويل القناة، وأنّها لم تُرسل رواتب العاملين آنذاك. لاحقًا اُكتشف أن بحوزة سُليمان رواتب 3 أشهر.

عندما سألنا سُليمان عن صحة تلك المعلومات، أعاد التأكيد على نفي أي علاقة تربطه بالقناة، سوى علاقة “الود”. أحمد عبده كذلك نفى، وقال ما سبق وأوردناه، أنه ليس ثمّة علاقة إدارية لسليمان بالقناة، فضلًا عن أن يكون مسؤولًا عن تلقي الأموال للقناة. أما جمال حشمت فكان له رأيٌ آخر.

في البداية أخبرنا حشمت بعدم امتلاكه تفاصيلًا كافية عن الأزمة بسبب تواجده في الولايات المتحدة الأمريكية وقت حدوثها. لكنّنا حين أخبرناه بنفي سُليمان أي علاقة تربطه بالقناة سوى علاقة الود، فقال نصًّا: “طيب.. لأ.. يعني هو ده حقيقي!.. هو هيقول كلام.. ما هو لو فيه هيقول، لو مفيش خلاص”. بدورنا أكدنا له أنّ المصادر كافة تُؤكد أنّه مُشرف عام على القناة، فاستدرك: “ربما يكون له دور معهم. لكن أنا لا أعرف ما هو طبيعة الدور”. والحقيقة أننا تلمّسنا ترددًا في ردود جمال حشمت علينا، التي لم نستطع الوصول منها إلى حقيقة إن كان لسُليمان أصلًا علاقة بالقناة أم لا، فمن جهة – كما هو واضح- يقول حشمت إنه ربما يكون لسليمان دور لكنه لا يعلم تحديدًا ما هو، ومن جهة أُخرى يقول: “ما هو لو فيه هيقول.. لو مفيش خلاص”!

بدورنا، رجعنا إلى مصادرنا، وواجهناها بنفي كلّ من أسامة سليمان وأحمد عبده، علاقة سليمان بالقناة، فضلًا عن وجود أي أزمة؛ لتكشف لنا عن أنّه على مستوى دوائر أكثر قُربًا، يصر سليمان على نفي أي علاقة له بالأزمة، وأنها عائدة إلى لجنة كونتها جماعة الإخوان المُسلمين من عدد من الإعلاميين المُنتمين لها، وأنّ هذه اللجنة هي صاحبة اقتراح إغلاق القناة في مُقابل توفير ميزانيتها لإنتاج أعمال إعلامية فردية كالأفلام التسجيلية. آخر قال لنا نصًّا: “أسامة سليمان يتهرب من المسؤولية حتى لا يتعرض للهجوم”.

أما نحن، فلا يمكننا الجزم بأي شيء. لا نمتلك سوى معلومات عرضناها كما هي، وعرضنا المُقابل لها. كما أننا لا يُمكننا الذهاب يقينًا إلى أن طرفًا ما من الأطراف هو سبب الأزمة، بخاصة وأنّ المشرف العام على الملف الإعلامي بجماعة الإخوان في الخارج، ينفي أصلًا أن تكون له علاقة بقناة مصر الآن، التي هي الذراع الإعلامي الأساسي للجماعة، والتي يتصادف أنّها تعمل من الخارج!

المصادر

*1
*2
عرض التعليقات
تحميل المزيد