في خضم الفوضى التي ضربت كافة الأراضي الليبية، تبدو شوارع مدينة مصراتة وكأنها لم تتأثر فعليًا بالصراع، رغم أنها المدينة التي تمنع حفتر من الوصول إلى طرابلس.

تتلخص قصةُ الحربِ في ليبيا بين جنرالٍ طامحٍ في الحُكم أصبح محط أنظار الجميع، بعدما فرض اسمه سياسيًا وحضوره عسكريًا في أغلب الأراضي الليبية، ورئيس حكومةٍ مُعترف بها دوليًا يحتمي خلف أسوار العاصمة المُحاصرة منذ أبريل (نيسان) العام الماضي؛ وفي ظل غياب الحل السياسي، تحولت ليبيا الغنية بالنفط إلى حديقةٍ خلفيةٍ لحربٍ بالوكالة بين عدة أطراف خارجية.

احتدمت المواجهة بين طرفي الصراع الرئيسيين، فواجهت طرابلس أزمة مالية طاحنة جرّاء توقف إمدادت النفط، والأمر نفسه واجهه حفتر بعدما خرجت الحربُ عن جدولها الزمني، وبينما تضرب الفوضى السياسة والاقتصادية كافة الأراضي الليبية، بدت مدينةٌ واحدة كما لو أنها لم تتأثر فعليًا بالصراع؛ إذ كانت مصراتة في ذلك الحين مشغولةً بطلاء شوارعها الهادئة التي تعجُ بالأثرياء.

مدينة مصراتة.. عاصمة التجارة الأهم في ليبيا

تُعتبر مصراتة، التي تقعُ في شمال غرب ليبيا وتبتعد عن طرابلس نحو 187 كم، ثالث أكبر مدينة ليبية، وهي من المدن القليلة المتبقية تحت سيطرة حكومة فايز السراج.

تعود أهمية المدينة الاقتصادية إلى نحو 3 آلاف عام، حين أسسها الفينيقيون لتكون محطة تجارية. وحديثًا، أعادت إحياءها السياسة الاقتصادية التي رسمها لها القذافي، قبل أربعة عقود، لتكون مدينة صناعية كبرى قريبة من السواحل الأوروبية، وأصبحت تتمتع باستقلالٍ مالي عن العاصمة.

عربي

منذ سنة واحدة
قصة الصراع الممتد في ليبيا على عرش القذافي

منذ ذلك الحين، عُرفت المدينة بأنها العاصمة التجارية لليبيا، حيث موطن المال ورجال الأعمال، وفيها أكبر الموانئ في البلاد، الذي يدخل منه أكثر من نصف تجارة ليبيا، إضافةً لمطارٍ دولي، وجامعة مرموقة، ومستشفى عسكري يحرسها نحو 100 جندي إيطالي.

في الوقت الحالي، تتركز في مصراتة رؤوس الأموال الكبيرة، وتضم عددًا من المنشآت الصناعية الكبرى، أبرزها الشركة الليبية للحديد والصلب «ليسكو»، أحد أكبر مُنتجي الصلب في شمال أفريقيا، وشركة النسيم للصناعات الغذائية.

سُرعان ما تحولت المدينةُ الصناعية، ذات الثقل السكاني والاقتصادي والمالي، إلى دولة تتمتع بحكم شبه ذاتي، ففي الوقت الذي كانت ليبيا مزدهرة بفضل عائدات النفط، التي كانت تمثل أكثر من 90% من مصادر الدخل القومي، كانت مصراتة تعتمد بشكل كبير، إلى جانب الشركات والمصانع، على المنطقة الحرة المفتوحة التي ساهمت في زيادة أرباحها من النقد الأجنبي.

حين اندلعت الثورة الليبية، اهتم القذافي بحماية مستودعات النفط، والسيطرة على المدينة التي تمثل بوابة تجارية هامة للبلاد وتضم أكبر موانئها، وبالرغم من محاصرتها وقصفها بالطائرات العسكرية، ظلت المصانع في مصراتة، على خلاف نظائرها في المدن الأخرى، محافظة على إنتاجها بدون خسائر اقتصادية تُذكر، بل إن الكتائب التي تشكلت للدفاع عن المدينة ساهمت في إسقاط العاصمة طرابلس لاحقًا.

من ناحية أخرى، يُنظر لمصراتة، منذ قيام ثورة فبراير (شباط) عام 2011، على أنها موطن أكبر الجماعات المُسلحة في ليبيبا وأخطرها، وعقب اندلاع الثورة، سيطر أصحاب الأموال على مجلس مصراتة البلدي، ودعموا تشكيل المجلس العسكري عبر دعمٍ سخيٍ لمنع سقوط المدينة وحماية المصالح التجارية، وهو ما أدى في النهاية لتشكيل أقوى ميليشيا مُسلحة في ليبيا مُمثلة في كتائب «فجر ليبيا»، التي تشكلت عام 2014 عقب محاولة حفتر إسقاط طرابلس.

«الجميع يبحثُ عن الرجل الذي يحكمُ مصراتة».

بحسب ما قاله مصدران بارزان داخل المدينة – أحدهما أكاديمي والآخر رجل أعمال – لـ«ساسة بوست»، فقد تواصل حفتر عبر قنواتٍ خلفية مع كبار رجال الأعمال من أجل إقناع قادة الفصائل بالانسحاب من جبهات القتال جنوب العاصمة والتخلي عن الدفاع عن حكومة الوفاق، مقابل ضماناتٍ بعدم الهجوم على المدينة، وحماية الاستثمارات وعدم التعرض لها. وفضّل المصدران ألا يذكر اسماهما، نظرًا للوضع الأمني غير المستقر في البلاد.

لمحاولة التحقق من هذه الرسائل، تواصل «ساسة بوست» مع محمد عبد الكريم الرعيض، رئيس مجلس إدارة الغرفة التجارية لمصراتة، التي تضم أكثر من 30 ألف منتسب، باعتباره أكبر مستثمر في المدينة وعضو مجلس النواب عن دائرتها، لكنه لم يرد.

وبسؤال رئيس الصندوق الليبي لرعاية المشروعات الصغرى والمتوسطة، ناصر أبو زيقة، لم ينفِ صحة المعلومة، لكنه قال: «الجميع يبحثُ عن الرجل الذي يحكمُ مصراتة فعليًا، والحقيقة أنّ المدينة تُقاد بالعقل الجمعي وليس فقط رجال الأعمال والعسكريين كما يُروج له»، واستدل أبو زيقة على ذلك بغرفة الطوارئ التي تشكلت وضمت جميع مكونات المدينة السياسية والعسكرية والمدنية.

من اللافت أنّه لا يوجد أرقام رسمية مُعلنة حول حقيقة الوضع الاقتصادي لعاصمة المال في ليبيا، ويقول أستاذ الاقتصاد بجامعة مصراتة، الدكتور أبو بكر بلقاسم، لـ«ساسة بوست»: «لا يوجد أي موقع إلكتروني يوثق الأرقام، ولا أيضًا مؤسسات الدولة لديها بيانات دقيقة حول هذا الموضوع».

ويكشف بلقاسم حربًا خفية تخوضها المدينة وحدها بعيدًا عن العاصمة، إذ يقول: «منتجات مصراتة أصبحت مستهدفة في المدن التي يُسيطر عليها حفتر في شرق وجنوب ليبيا، كما أنّ مصنع النسيم لمنتجات الألبان الأضخم بات يواجه حملات شرسة بهدف الدفع لإفلاسه».

Embed from Getty Images

 كتائب مصراتة.. هزمت داعش وأسقطت القذافي

حازت المدينة الهادئة قوةً عسكرية هائلة جعلتها الفيل الضخم الذي يرجح كفة المنتصر، واللاعب الرئيس الذي أطال فعليًا أمد الحرب في ليبيا، لانحيازها لفايز السراج الذي يسيطر على عدة مدن مقابل حفتر الذي يسيطر على أغلب الأراضي الليبية، وهو ما يعني أن سقوط المدينة، أو تغيير ولائها، سيغير خريطة الحرب في ليبيا.

سبق لميليشيات مصراتة أن أثبتت تفوقها على حفتر عام 2011، حين بدأت معركة تحرير طرابلس من كتائب القذافي، والتي حاول الجنرال الليبي استغلالها للترويج لقدرته على إعادة الاستقرار باعتباره رجل دولة؛ وأشار حفتر في مقابلة مع قناة «العربية» السعودية إلى تمكن كتائب مصراتة من إسقاط طرابلس في يومين بمساعدة حلف شمال الأطلسي الذي وفّر غطاءً جويًا للثوار آنذاك، لتسبق قواته التي كانت لا تزال في منطقة الزاوية.

سياسة

منذ 7 شهور
بعيدًا عن حفتر والسراج.. 9 دول تتقاتل في ليبيا

السجل الحافل لـ«كتائب مصراتة» يضم أيضًا هزيمتها لتنظيم الدولة (داعش) في مدينة سرت، 500 كم شرق طرابلس، بمساعدة غربية، عبر التدخل بهجمات جوية، أو تقديم التدريب لها لتصبح أكثر تنظيمًا، وسبق للمجلس الأوروبي أن أكد على أن تلك القوات كانت الفاعل الرئيس في دحر التنظيم في ليبيا، وليس خليفة حفتر، بحسب التقرير الصادر عنه.

في مفارقة تاريخية، بعد ثماني سنوات من الصراع، أعلن حفتر النفير العام لإسقاط العاصمة نفسها التي حاول إسقاطها حين حكمها القذافي، واعتمد الخُطة القديمة بحشد قواته في الزاوية، لكنّ كتائب مصراتة كانت قد سبقته وحشدت قواتها في طرابلس كما حدث من قبل.

كان ذلك بعد أن انقسمت ليبيا فعليًّا إلى ما هو أشبه بالدولتين في عام 2014، عقب قرار المحكمة الدستورية ببطلان الانتخابات البرلمانية، وحينها اصطفت مصراتة مع طرابلس ضمن عملية «فجر ليبيا»؛ فخرج لواء درع ليبيا الوسطى من مصراتة باتجاه طرابلس، وخاض معركة المطار ضد كتائب الزنتان الموالية لحفتر، وتمكنت بعد شهر من المعارك من السيطرة على مطار طرابلس، وهي المعركة التي جعلت مصراتة أهم عقبة في مشروع حفتر.

نظرًا لقوة «كتائب مصراتة» الاستراتيجية – إذ تقع في المنتصف بين حفتر وطرابلس – اتجه حفتر بعدما أخضع الشرق الليبي إلى اقتحام الجنوب، ومنه التف حول العاصمة غربًا متفاديًا مواجهة تلك القوات، التي تحمل وحدها نصف العتاد العسكري الذي خلفه القذافي في المخازن التي نُهبت عقب سقوط نظامه.

أصبحت كتائب مصراتة فعليًا هي القوة المكافئة لجيش حفتر، فهي تحمل الكثير من العتاد العسكري الذي خلفه القذافي في المخازن عقب سقوط نظامه، وازدادت تلك الميليشيات خطورة بعد اندماج عشرات الكتائب المسلحة بداخلها ضمن تحالف «قوات فجر ليبيا» عام 2014، الذي شمل ميليشيات إسلامية مسلحة تضم درع ليبيا الوسطى، وغرفة ثوار ليبيا في طرابلس، وعددًا من ثوار غريان والزاوية وصبراتة وزليتن وقاعدة معيتيقة ومصراتة، بالإضافة لميليشيا الحرس الوطني.

Embed from Getty Images

كيف تقف مصراتة عقبة أمام غزو طرابلس؟

عقب تعرض مطار معيتيقة الدولي في وسط العاصمة الليبية طرابلس للقصف العسكري من قبل قوات حفتر، قررت حكومة الوفاق إغلاقه وتحويل مسارات الرحلات إلى مطار مصراتة، في وقتٍ لم تتوقف محاولات استهداف المطار والقاعدة الجوية منذ بدأت معركة طرابلس.

ويشرح الصحافي الليبي عماد الراجحي لـ«ساسة بوست» استراتيجية استهداف المطارات قائلًا: «حين قصفت الوفاق خطوط الإمداد وقاعدة الجفرة الجوية وسط ليبيا، وهو ما أسفر عن تدمير حظيرة طائرات مسيرة وطائرة شحن ومنظومة للدفاع الجوي، ردّ حفتر بقصف خطوط الإمداد والكلية الجوية بمصراتة، حتى لا يتمكن طرف دون الآخر من احتكار سماء المعركة».

دولي

منذ 6 شهور
البُعد الغائب في الصراع على كعكة ليبيا.. النفط أهم من الأرواح

حين طال أمد الحرب، عمدت حكومة الوفاق إلى جرّ حفتر إلى مخاوفه القديمة عبر إجباره على الاصطدام بـ«كتائب مصراتة»، وهو ما يتجنبه الجنرال الليبي، الذي لم يستطع حسم المعركة بعد مرور أكثر من عام.

ووفقًا لمراقبين؛ في حال سقطت مصراتة بيد حفتر، فإن العاصمة طرابلس ستشهد آخر جولةٍ في الحرب، ولن تكون في صالحها، لأنّ المدينة هي أكبر عائق أمام الجنرال الليبي في طريق سيطرته على كامل ليبيا، لذا فمن وجهة نظر عسكرية، فإن فصلها عن طرابلس أو السيطرة عليها من شأنه حسم المعركة لصالحه.

منذ بدء معركة طرابلس، ساهمت مصراتة، إلى جانب دورها العسكري، في قيادة الصراع سياسيًا، وذلك عبر الرجل الثاني في حكومة الوفاق، أحمد معيتيق، ووزير الداخلية فتحي باشاغا، وهما قياديان صعدا سُلم السلطة من مصراتة، ويقودان الحرب الإعلامية إلى جانب الدعم المادي الذي تقدمه لحكومة الوفاق، ومصدره طبقة رجال الأعمال الذين يسيطرون على مجلسها البلدي، المتحالف بدوره مع مجلس مصراتة العسكري.

وبعيدًا عن الكتائب المسلحة ودور القاعدة الجوية، فأشد ما يُزعج حفتر في مصراتة هو وجود أكبر الموانئ الليبية فيها، التي يُنظر لها على أنها بوابة وصول الدعم التركي اللوجستي والعسكري لحكومة الوفاق، في الوقت الذي يفشل فيه حفتر في السيطرة على الموانئ وفرض حصار خانق على المدينة.

المصادر

تحميل المزيد