“لا تزال وزارتا الداخلية في البلدين صناديق سوداء تكتنفها عمليات صنع قرار مبهمة وتحكمها شبكات من الضباط الذين قاوموا الإصلاح الهادف”.

“ستزداد ثقافة حصانة الشرطة من المساءلة، وسيظلّ التحوّل الديمقراطي مستحيلاً في مصر وعرضة للخطر في تونس”.

يتتبع يزيد صايغ الباحث الرئيسي بمركز كارنيغي للشرق الأوسط، في أحدث دراساته “الفرصة الضائعة: السياسة وإصلاح الشرطة في مصر وتونس” التي أطلقها في مارس الماضي ضمن إصدارات مركز كارنيجي لدراسات الشرق الأوسط، الأسباب التي أبقت على وزارات الداخلية في البلدين صناديق سوداء، وأضاعت فرصة إصلاح الشرطة في وقت بدت فيه سانحة في كلتا البلدين عقب ثورتين كان فساد الأمن أحد أبرز أسباب الغضب الجام الذي صبّته الجموع الشعبية على قوى الشرطة في أحداثهما، كما يرصد في الدراسة العِبَر السياسية التي يمكن استخلاصها مما حدث في البلدين، وكم تبدو الأحداث متشابهة بين مصر وبين تونس التي يُنظر لها على نطاق واسع باعتبارها قصة نجاح نسبية للانتقال الديمقراطي، ونستعرض هنا أبرز ما تناولته الدراسة وخاصة عن الحالة المصرية.

الفرصة الأولى

يشير الكاتب إلى أن الفرصة ظهرت في مصر عقب “الانتفاضة الأولى” مباشرة حيث هوجمت الآلاف من مراكز ومركبات الشرطة التي اعتبرها الكثيرون مدانة بارتكاب انتهاكات منهجية لحقوق الإنسان وبالفساد المستشري في صفوفها. فانهارت معنويات قوات الشرطة وسط حالة من الاشمئزاز الجماهيري.

وكان ممكنا لعملية الإصلاح أن تكلل بالنجاح رغم أن ذلك كان يتطلب عملية تدريجية وطويلة الأمد كما يؤكد الكاتب، مستعرضا الإجراءات التي كانت تترجم أهدافَ عملية إصلاح قطاع الأمن، ومنها مراجعة القوانين المنظمة للشرطة، وتشكيل فرق رسمية مختصة بإعادة الهيكلة داخل وزارة الداخلية، وتحسين التدريب والقدرات، ووضع معايير لقياس أداء الشرطة وامتثالها للقانون وحقوق الإنسان، ومراجعة سياسات الدخول إلى الخدمة، والتحقيق مع الأفراد المتهمين بارتكاب خروقات، وتعديل الدستور لتأكيد الصفة المدنية للشرطة.

كانت هذه هي الفرصة الأولى لتحقيقها إذن، وظهر الدعم الشعبي حينها في أكثر حالاته تعبئة، وكان ذلك يعوّض هشاشة الحكومات المؤقتة الأولى وضعف شرعيتها، خاصة وأنها كانت تتكون في الغالب من مسؤولين من عهد مبارك، وكانت محافظة بطبيعتها، واقتصر دورها على إصلاحات أولية وتغييرات تجميلية كما يسميها الكاتب، إذ تمثلت في تطهير وإعادة تكليف أعداد صغيرة من الضباط، وإعادة تسمية أجهزة الأمن السياسي.

أما مبادرات المجتمع المدني في هذا الصدد فلم يُكتب لها النجاح حيث لم يُراعِ الناشطون الذين كانوا ينظرون إلى الشرطة ولفترة طويلة باعتبارها عدوا، ثقافتها المؤسسية، فباء سعيهم إلى إحداث تغييرات جذرية بالفشل.

تجنب المجلس العسكري من جانبه إجراء أي إصلاح فعلي، وسعى إلى كسب وزارة الداخلية كحليف.

 

الفرصة الثانية

ثم سنحت الفرصة الثانية مع انتخاب مجلس الشعب وقدوم حكومة حظيت بشرعية أقوى من سابقتها، لكن اشتداد حالة الاستقطاب السياسي حال دون مواصلة إصلاح القطاع فالإخوان المسلمون الذين أصبحوا على رأس السلطة كانوا الهدف الرئيسي للدولة “الأمنوقراطية” في عهد مبارك، وكانت محاولات الجماعة الرامية لاستبدال كبار المسؤولين في وزارة الداخلية تُقابل باتهامات من قبل منافسيها العلمانيين – الذين تحالف معهم النظام القديم كما يشير الكاتب – بالسعي إلى الاستحواذ على قطاع الأمن و”الأخونة”.

“وهكذا أسفر ميل القوى السياسية الانتقالية نحو النظر إلى إصلاح القطاع الأمني ضمن تصنيف علماني – إسلامي عن كبح النقاش المثير للجدل ولكن البالغ الأهمية بشأن العملية الإصلاحية”.

ويوضح الكاتب كيف فشلت إدارة محمد مرسي أيضا في مهادنة قطاع الأمن فشلا ذريعا، وكيف أُهدرت بهذا الفرصة التي أتاحها التأييد الشعبي الواسع في البداية والشرعية المكتسبة من انتخابات الرئاسة.

ويؤكد أن الفرصة كانت حقيقة تماما وكان دعم إجراء تغييرات جوهرية في عمل القطاع الأمني بين المواطنين واسعًا، وعلى الجانب الآخر كان القطاع الأمني نفسه مرتبكا بسبب الخسارة المفاجئة لرئيس مدى الحياة عزز تفوقه السياسي وميزانيته، وتشجّع وقتها الضباط ذوو التوجهات الإصلاحية للدعوة علنا إلى أخلاقيات جديدة على أساس الاحتراف والمساءلة والخدمة العامة، وسعت القوات المسلحة “التي كانت ممتعضة من صعود القطاع الأمني” في ذلك الوقت أيضًا إلى إعادة تفوقها، وأصبح القطاع أضعف من أن يقاوم الإصلاح.

لكن هذا كله لم يجد من يقتنصه إذ لم تتوفر وحدة الهدف أو البناء الفعال للتحالفات السياسية، وأجبر إرث عدم الثقة والاستقطاب السياسي الحاد القوى السياسية على تجنب السيطرة على قطاع الأمن، من جانب الأحزاب الإسلامية تجنبا لاتهامات من خصومها العلمانيين باستغلال أجندة الإصلاح للسيطرة على القطاعات الأمنية و”أسلمتها”، واستحال بهذا توفير التوافق العريض اللازم لإحداث الضغط على قطاع الأمن كي يستجيب للإصلاح، وأصبحت مهادنة القطاع الأمني وتحييده شعارا سياسيا للحكومات المتعاقبة.

إلى جانب افتقار القوى السياسية الجديدة إلى الخبرة المناسبة في مجال رسم السياسات والتشريعات والخبرة الفنية المناسبة.

وبينما كان هذا الصراع دائرًا كان المشهد داخل قطاع الأمن مختلفا، فرغم سيره في البداية على غير هدى بسبب فقدان شبكات المحسوبية غير الرسمية التي كانت تربطه بالحزب الوطني، فقد سمحت الحدود المؤسسية والتسلسل القيادي الواضح لقطاع الأمن باستعادة تماسكه الداخلي بسرعة نسبيا.

من الانهيار إلى الانتقام

يوضح الكاتب كيف قدمت مصر النموذج “الأكثر شناعة” في تبعات عدم إجراء إصلاح لقطاع الأمن الضخم الذي قُدِّر عدد المنتسبين له في عام 2011 بمليوني شخص بينهم حوالي 850 من رجال الشرطة وموظفي وزارة الداخلية وبين 30 و100 ألف من عملاء جهاز مباحث أمن الدولة وما يصل إلى 450 ألف مجند في قوات الأمن المركزي وبين 300-400 ألف من المخبرين.

ويشير إلى أنه ومع عدم إصلاح هذا القطاع، اتخذت مصر الآن منحى إعادة تشكيل “الدولة البوليسية” التي كانت قائمة في عهد مبارك في صورة أشد قسوة في قمعها وأكثر هيمنة من الناحية السياسية إذ تقوم بإعادة بناء نفسها تحت سيادة الجيش هذه المرة، وفي ظل نظام سياسي يقوم على قبول مجتمعي أوسع بالممارسات القمعية التي تقوم بها الدولة.

فقد لعبت وزارة الداخلية دورا محوريا في إطاحة الرئيس السابق محمد مرسي في 3 يوليو وفي عمليات القمع التي تلت ذلك، مدعومة بسلسلة من القوانين صدرت في الفترة بين سبتمبر 2013 ونوفمبر 2014 مكنت قطاع الأمن من اللجوء لإجراءات استثنائية لم يكن لنظام مبارك القيام بها إلا من خلال قانون الطوارئ، وكان أن مُنحت وزارة الداخلية حق النقض على أي قانون يتعلق بالشرطة.

 

فشل العدالة الانتقالية واستعادة الحصانة

ويواصل الكاتب موضحا أن الفشل في تصميم وإطلاق أجندات الإصلاح بدد التقبل المحتمل للإصلاح من جانب عناصر قطاع الأمن وزاد امتعاضهم وتجددت نظرتهم العدائية للمواطنين، وحلّ صعود أجندات مكافحة الإرهاب ردا على العنف الجهادي الداخلي محل أي أمل في إصلاح قطاع الأمن، الذي أعاد تنظيم صفوفه متحججا بضرورة عدم تسيسه في مقاومة أي محاولة من جانب الحكومات المتعاقبة لجعله شفافا وخاضعا للمساءلة وعادت من جديد ثقافة الحصانة لتأكيد نفسها.

وصاحبَ الفشل في إصلاح قطاع الأمن فشلٌ في تحقيق العدالة الانتقالية لضحايا عنف الشرطة، رغم سعي أسرهم إلى ذلك بقوة، لكن تحقيقه كان يتطلب إصلاحا توافقيا أيضا للسلطة القضائية لضمان قيام النيابة العامة بالتحقيق الجدي في انتهاكات حقوق الإنسان، وهذا لم يحدث، مما سمح للشرطة بالعودة إلى سابق عهدها، وتفاقم امتناع قطاع الأمن عن الاستجابة للسلطات الانتقالية التي سعت إلى فرض الرقابة والمساءلة الهادفة.

ومع إقرار دستور يناير 2014 أصبحت الشرطة غير خاضعة لأي جهة مدنية لمساءلتها، ليخرج القطاع الأمني من تلك المرحلة باعتباره طرفا مؤسسيا مستقلا، رغم تراجع أدائه طبقا للاستطلاعات التي تشير إلى تراجع نسبة الثقة بالشرطة من 58% في عام 2009، إلى 39% في عام 2011، ورغم تضاعف معدلات جرائم القتل والخطف ثلاث مرات.

ولكن ما يؤكده الكاتب أن الكم الهائل من المشكلات الاجتماعية والاقتصادية العالقة سترهق ترتيبات الحكم الجديد ما سيجعل نفوذ القطاع الأمني باستمرار عرضة للمفاوضات المكثقة والخلافات المتكررة.

“الصعود الموازي للقوات المسلحة كطرف فاعل سياسي ومؤسسي سواء بصورة علنية في مصر أو وراء الكواليس في تونس يحدّ من استقلالية القطاع الأمني”.

وهذ سبب آخر يضيفه الكاتب مشيرا إلى أن لدى المؤسسة العسكرية إزاء نظيرتها في مجال الأمن الداخلي نوعًا من عدم الثقة وعدم الاحترام على حد قوله، يكشفه توسيع مسؤوليات القوات المسلحة ليشمل حماية المرافق العامة والبنية التحية والجامعات، وقد عكسته أيضا الإقالة المفاجئة لوزير الداخلية السابق محمد إبراهيم.

مشهد مختلف والنتيجة نفسها

في تونس ورغم اختلاف العملية الانتقالية بشكل جذري عنها في مصر، إذ تسلّم المدنيون السلطة السياسية منذ البداية، وتمكنوا من الاتفاق على طريق للانتقال الديمقراطي التزموا إلى حدّ كبير بها إلا أن الكاتب يؤكد أن وزارة الداخلية في تونس خرجت من أحداث الربيع العربي كما دخلت “صندوقا أسود”، للأسباب نفسها التي أبقت قطاع الأمن في مصر دون تغيير، حيث استحال على السلطات الانتقالية التوحد خلف هذا الهدف بسبب الاستقطاب السياسي، وتعرض حزب النهضة في محاولاته للإصلاح إلى اتهامات بالسعي نحو الاستحواذ على قطاع الأمن، كما ظهرت “مكافحة الإرهاب” لتحل بديلا عن الدعوات لإصلاح الأمن عقب اغتيال بعض السياسيين.

غير أن بعض الإصلاحات التي لا ينكر الكاتب أهميتها تحققت في تونس، كان منها المصادقة على عدة بروتوكولات دولية تحظر التعذيب والإخفاء القسري، وإقرار قانون مناهضة التعذيب في أكتوبر 2013، لكن بقيت المشكلة أن العديد من هذه التغييرات ظل محدودا.

ولا تزال نصوص القوانين الناظمة للشرطة ووزارة الداخلية التي لم يتم توفيرها للجمهور في عهد بن علي، غير منشورة بالكامل علنا حتى يومنا هذا.

العِبَر السياسية

وأخيرا يتوقف الكاتب أمام العبر التي يمكن استخلاصها من ضياع هذه الفرصة حيث يؤكد أن أحد أكثر الصعوبات التي واجهت إصلاح القطاع الأمني هو الاستقطاب الشديد الذي حال دون اتباع “مقاربات موحدة” كما فعلت الجهات المناهضة للإصلاح داخل القطاع المدني.

الأمر الثاني كان محدودية قدرات الحكومات المنتخبة حديثا – وحتى منظمات المجتمع المدني في معظمها – وافتقارها إلى المعرفة بكيفية إصلاح قطاع الأمن.

ورغم هذا يشير الكاتب إلى أن ما زاد صعوبة الأمر بعد ذلك كان ازدياد العنف السياسي والتهديدات الأمنية الجديدة الناشئة خاصة مع تنامي العنف في سيناء، وتدفق الأسلحة والجهاديين من ليبيا، والذي جعل البعض يحاجج بأن الإصلاحات وسط هذه التقلبات قد يزعزع استقرار قطاع الأمن أكثر في تلك اللحظات الصعبة.

يؤكد الكاتب أن عملية إصلاح قطاع الأمن تتم إلى حد كبير من أعلى لأسفل من حيث التصميم المؤسسي وصنع السياسات، ومن الأهمية بمكان إشراك الأحزاب السياسية والمجتمع المدني ووسائل الإعلام لبناء توافق عريض في الآراء وإحداث ضغط مكمل على القطاع الأمني على جميع المستويات.

“في البلدان التي تمر بمرحلة الانتقال السياسي والتي تعاني من إرث عدم الثقة العميق والاستقطاب السياسي والمجتمعي الشديد، من الضروري للأحزاب المُشاركة في الحكومة أن تتجنب جعل القطاع الأمني (أو القضاء بصورة خاصة) موضع خصومة وتنافس فيما بينها”.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد