مع انخراط ثلثي محافظات العراق في صراعٍ مفتوح مع العاصمة، يلجأ نوري المالكي إلى قواعد لعبة صدام حسين؛ للحفاظ على تماسك البلاد.

عندما استولى متطرفو الدولة الإسلامية في العراق والشام على أجزاء من الفلوجة والرمادي بمحافظة الأنبار غربي العراق في يناير الماضي، فُسِّرت الأزمة إلى حدٍ كبيرٍ بوصفها حدثًا منعزلاً، ونتاجًا غير مباشر للحرب الأهلية السورية، واستجابة رئيس الوزراء نوري المالكي ثقيلة الوطأة ضد حركة الاحتجاج السنية المتنامية. لكن بالاقتراب أكثر، يتضح أن تفكك الأنبار هو مجرد جزء من انهيار أوسع في علاقات الوسط المحيط، فمن بين 18 محافظة عراقية، تشتبك 12 منها في صراع مع بغداد، بما في ذلك المحافظات الكردية الثلاث، وجميعهم – أو يؤمل أن يكونوا قريبًا – منتجين للنفط أو الغاز، ومع اعتماد 93% من عائدات العراق على مبيعات النفط والغاز، يمكن أن تدفع البلاد ثمنًا باهظًا إذا تدهورت العلاقات أكثر.

وتعتبر العلاقات المشحونة بين بغداد ومحافظاتها، على الأقل جزئيًّا، نتيجة للاحتلال الأمريكي، وعدم قدرة واشنطن على اتخاذ قرارِ ما إذا كانت ستدعم الدولة الاتحادية اللامركزية، أو ستحاول إعادة بناء مركز قوي بحيث لا يتفكك العراق، أما ما يفضله المستشارون الأمريكيون فهو المستحيل: فيدرالية، ولا مركزية، وحكم ذاتي كردي، وأيضًا حكومة مركزية قوية، وبدلاً من ذلك، مُنِح الأكراد، عبر الدستور في عام 2005، حكمًا ذاتيًّا واسعًا لإقليمهم، وقيدوا سلطة بغداد إلى حد كبير، وهو ما أسعد الأكراد، لكنه زاد المخاوف الأمريكية من تفكك البلاد. ونتيجة لذلك، رحبت الولايات المتحدة بإصرار المالكي المتزايد، ودَعَمته مرة أخرى بعد انتخابات عام 2010، وتجاهلت استبداده المتنامي، وعلى الجانب الآخر، تنامى استياء مسئولي المحافظات العراقية من قبضة بغداد الثقيلة، وتزايدت غيرتهم من الحكم الذاتي الكردي.

وتمثل القوة النسبية بين الحكومة المركزية والمحافظات مشكلة معقدة خيَّمت بظلالها على الصراع المفتوح على نحو متزايد بين بغداد والسلطات المحلية. وسيتحدد الهيكل والاستقرار المستقبلي للعراق بناء على هذا الصراع، وبذات القدر استنادًا للمعركة ضد “دولة العراق والشام” في الأنبار.

وعلى عكس الرأي المتعارَف، ليس التوتر بين بغداد والمحافظات طائفيًّا في الغالب، ولا هو نتيجة لمكائد المنظمات الإرهابية المدعومة من خارج العراق، فكلاً من المحافظات السنية والشيعية تشكك على نحو متزايد في سيطرة الحكومة المركزية – خاصة على الشئون المالية-  ويدعو عدد متزايد من المحافظين المنتخبين وأعضاء مجالس المحافظات علنًا لتحويل محافظاتهم إلى أقاليم ذاتية الحكم مثل كردستان، وعلى الرغم من أن الدستور ينص على آلية لمثل هذا التحول – وقانون عام 2008 لإنشاء الأقاليم يوضح الخطوات – رفض المالكي حتى الآن السماح لأي محافظة بتغيير وضعها، لكن بنهاية عام 2013، صوّت ما لا يقل عن ستة مجالس محافظات لصالح التحول إلى مناطق ذاتية الحكم.

والتوتر بين مجالس المحافظات ليس جديدًا، رغم أن موجته لم تكن أبدًا بهذا الارتفاع، ولسنواتٍ كانت مجالس المحافظات المنتخبة تتململ لسنواتٍ تحت سيطرة بغداد، متهمة الحكومة المركزية بعرقلة عملية إعادة الإعمار من خلال حجب الأموال المستحقة لهم، وتوجيه المشاريع من خلال وزارات غير فعَّالة في العاصمة. وقد تفتقر المحافظات للقدرة الإدارية والخبرة التقنية للقيام بما هو أفضل، لكن في ظل النظام الحالي من السيطرة المركزية، لا يُنفَق جزء كبير من ميزانية الاستثمار في العراق كل عام، بينما تتواصل معاناة المواطنين من ندرة الكهرباء، والمياه، وغيرها من الخدمات الأساسية.

جزء من المشكلة يكمن في أن التقسيم الدستوري للسلطة لم يتم تسويته أبدًا في الواقع، حتى محاولة عام 2008 لتوضيح صلاحيات المحافظات، وطبيعة علاقتها مع بغداد، قبل أول انتخابات لمجالس المحافظات في البلاد فشلت في تسوية المسألة. وقانون السلطات الإقليمي لعام 2008، الذي أقره المجلس التشريعي الوطني غامضٌ في كثير من النقاط، ويخضع – مثل الدستور – لتفسيرات متضاربة، وتعتقد مجالس المحافظات أن القانون يعطيهم سلطات تشريعية – من شأنها أن تجعل النظام العراقي اتحاديًّا – لكن بغداد تصر على أن المحافظات ببساطة هي جزء من مكونات النظام الإداري اللامركزي.

وتستشهد المحافظات التي تسعى للهيكلة الإقليمية، على نحوٍ متزايد، بنموذج كردستان كمثال يوضح لماذا يريدون التغيير، قائلين إن كردستان أكثر استقرارًا وازدهارًا على نحو متزايد وقادرة على تقديم خدمات تفتقر إليها المحافظات الأخرى، خاصة الكهرباء، كما أنها وقّعت عقودًا مع شركات نفط دولية، وتسعى لتصدير نفطها بشكل مباشر، رغم معارضة شرسة من بغداد، ويُلاحَظ أن من بين السياسيين الذين يستشهدون بكردستان كنموذج يُحتذى، أثيل النجيفي، محافظ نينوى، التي تخوض نزاعها الإقليمي الخاص مع كردستان، ومثل معظم السياسيين السنة، دأب النجيفي على شجب استقلال كردستان والعقود المستقلة التي وقعتها مع شركات النفط، وهو الآن يدعو صراحة للشراكة مع كردستان وشركة إكسون موبيل لتطوير الكتل النفطية في المنطقة المتنازع عليها.

أيضًا تريد المحافظات الشيعية الرئيسية، لا سيما الغنية بالنفط، أن تحذو حذو كردستان، وعلى الرغم من أن بعض القادة الشيعة لعبوا لفترة وجيزة في عام 2005 و2006 بفكرة تشكيل منطقة حكم ذاتي شيعية كبيرة تضم تسع محافظات، إلا أنهم سرعان ما تراجعوا عن الخطة؛ لأن الأغلبية العددية الشيعية في العراق تسمح لهم أن يصبحوا القوة السياسية المهيمنة في البلاد بأكملها، ورغم أن حكومة المالكي يُنظَر إليها على نطاق واسع باعتبار أن الشيعة يهيمنون عليها لتحقيق مصالحهم، إلا أن فكرة الحكم الذاتي الشيعي يجري الآن إحياؤها من قبل مسئولي المحافظات الذين لا يؤمنون بأن المالكي يمثل مصالح المحافظات، فمحافظ البصرة الشيعية، ماجد نصراوي، على سبيل المثال، كان مدافعًا صخبًا عن سلطات المحافظات، مطالبًا بحق البصرة في توقيع عقود النفط، وعقد مؤتمر للمحافظات المتمردة المنتجة للنفط في يناير.

في هذا الجو من الاستياء المتزايد، لم يبذل المالكي أي جهد لاسترضاء المحافظات، بل اتخذ خطوات لاستعدائها؛ حيث قدم لمجلس وزرائه يوم 15 يناير ميزانية عام 2014 تقلل المنحة التي يفترض أن تحصل عليها المناطق المنتجة للنفط بالإضافة إلى مخصصات الميزانية العادية استنادًا إلى حجم السكان، ومنذ عام 2013، يحق للمحافظات المنتجة لللهيدروكربون الحصول على خمسة دولارات لكل برميل نفط، أو كل 150 مترًا مكعبًا من الغاز الذي تنتجه، لكن الميزانية المقترحة في 2014 ستخفض المبلغ من 5 دولارات إلى دولار واحد فقط. والتفسير الرسمي لهذا الانخفاض الحاد هو أن العراق يواجه صعوبات في الميزانية، وليس ثمة شك في أن بغداد ستواجه عجزًا في الميزانية في عام 2014 – كما فعلت في عام 2013 – بسبب ركود الصادرات النفطية والنفقات المتزايدة، لا سيما على الأسلحة، لكن هذه ليست القصة بأكملها؛ فدفع المبالغ المنصوص عليها في القانون للمحافظات لن يزيد الحد الأدنى إذا خفَّضت بغداد الحصة التي تنفقها مباشرة، وهي قضية تتعلق في المقام الأول بالسيطرة.

وافق مجلس الوزراء على ميزانية المالكي، وردًّا على ذلك عقد ممثلون من سبع محافظات منتجة للنفط اجتماعًا طارئًا في البصرة في 25 يناير، وفيه وافقت المحافظات على المطالبة بأن تمتنع السلطة التشريعية في العراق عن تمرير الميزانية حتى تُعاد دفعة الخمسة دولارات للبرميل، وهو المطلب الذي انضم إليه حاكم كركوك – الإقليم الثامن – بعد يومين، وإذا لم تستجب الهيئة التشريعية لهذه المطالب، قد لا يتقاضى موظفو الخدمة المدنية في العراق مستحقاتهم، وسوف تنفد أموال العديد من المشاريع، ما يزيد من حدة التوتر.

لكن السيطرة على الخزانة ليست كل شيء، فالزيادة المقترحة في عدد من محافظات العراق تغذي توترات الوسط المحيط أيضًا، وفي خطوة تُذَكِّر بصدام حسين – الذي كثيرًا ما أعاد رسم حدود المحافظات لمعاقبة أو مكافأة مجموعات سكانية معينة وتعزيز سيطرته – أقدم المالكي على إنشاء عدة محافظات جديدة.

وتسعى الحكومة لإقامة محافظتين جديدتين من محافظة نينوى الشمالية، لمعاقبة حاكمها على اقتراح التعاون مع كردستان، ومغازلة دعم الأقليات المسيحية والتركمانية، التي تهيمن على محافظتي سهل نينوى وتلعفر المقترحتين.

وبالمثل، اقترحت حكومة المالكي تشكيل محافظة أخرى بتعداد كبير من التركمان في طوز خورماتو، وهي الآن جزء من صلاح الدين، مرة ​​أخرى لمعاقبة محافظة سنية، وتفضيل أقلية لا تمثل تهديدًا، ولأسباب أقل وضوحا، تدرس بغداد أيضًا إمكانية نحت محافظة فلوجة جديدة من الأنبار.

لم يُعلَن عن التفاصيل بشأن حدود المناطق الجديدة، ويبقى الخلاف حول مشروعية القرار، بينما يطعن رئيس البرلمان العراقي، أسامة النجيفي، في سلطة الحكومة لإنشاء مقاطعات جديدة. (تشكلت محافظة حلبجة الجديدة رسميًّا في 1 يناير 2014 على الأراضي الكردية، مع قليلٍ من الجدل؛ لأن الخطوة جاءت بمبادرة من حكومة إقليم كردستان، وليس من بغداد)، كما لم تُستَشَر المحافظات التي ستفقد أراضٍ بموجب الخطة المقترحة، وستكون ملزمة برؤية التغييرات، وهو مثال آخر لتجاهل المالكي لمصالحهم.

 وتواجه الدولة العراقية المركزية التي حاول المالكي توطيدها تحديات من اتجاهات عديدة، فالدولة الإسلامية في العراق والشام تحتل أجزاء من الفلوجة والرمادي، والميليشيات القبلية التي طلب منها المالكي المساعدة أوضحت أنها تقاتل ضد الدولة الإسلامية في العراق والشام وليس لصالح المالكي والحكومة المركزية. وإذا نجح القتال في طرد “دولة العراق والشام”، سيضطر المالكي لإعطاء المزيد من السيطرة لزعماء القبائل والميليشيات التابعة لهم. كما استعدى رئيس الوزراء المحافظات المنتجة للنفط بحجب المدفوعات التي تشعرهم أنهم أصحاب حق، وهاهو يستدعي مواجهة مع المحافظين ومجالس المحافظات من خلال تشكيل محافظات جديدة. وما يجعل الأمور أسوأ، أن بغداد لا تزال مختلفة بشدة مع كردستان بشأن السيطرة على النفط والغاز في المنطقة، ولم يعد السؤال بشأن ما إذا كان النموذج الجديد في الحكم سوف يحل محل النموذج الفاشل الذي نشأ تحت الاحتلال الأمريكي، بل ما إذا سينبثق عن المفاوضات أم المزيد من الصراع.

باختصار، يبدو جهد المالكي للحفاظ على الدولة العراقية المركزية القديمة مهمة مستحيلة، على نحو متزايد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد