على حكومات وشعوب دول مجلس التعاون الخليجي، أن يدركوا أن فترة الطفرة النفطية قد انتهت. وعلينا جميعا أن تعتاد على نوع معين من نمط الحياة التي لا تعتمد كليًا على الدولة

الأمير «عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود»، ولي العهد آنذاك، أثناء قمة مجلس التعاون الخليجي في أبو ظبي في ديسمبر (كانون الأول) 1998. (1)

الملك «عبدالعزيز» والرجال الذين عملوا معه، أسسوا هذه الدولة، دون نفط، وعاشوا في هذه الدولة بدون نفط. اليوم أصبح دستورنا الكتاب والسنة، ثم البترول. أصبح لدينا في السعودية حالة إدمان نفطية، وهذا الأمر عطل تنمية قطاعات أخرى في بلادنا.

الأمير «محمد بن سلمان» نائب ولي العهد السعودي في مقابلته مع الإعلامي تركي الدخيل في قناة «العربية» في 25 إبريل (نيسان). (2)

59 عامًا تفصل في العمر بين العاهل السعودي الراحل، وابن أخيه نائب ولي العهد الحالي، وقرابة 18 عامًا تفصل بين دعوتي كل منهما لإنهاء الاعتماد على النفط. وعدة موجات من التقلبات في أسعار النفط حملت المملكة، التي تعتمد على النفط في 90 في المائة من إيراداتها الحكومية (3)، صعودًا وهبوطًا.

وغالبًا ما كانت تتحطم خطط الإصلاح الاقتصادي في السعودية سريعًا، على صخرة العقد الاجتماعي التقليدي للدولة، الذي يقوم على مبادلة السخاء الحكومي من قبل الدولة، بالولاء السياسي من قبل المواطنين. كما أن أسعار النفط غالبًا ما كانت تعاون الارتفاع، ما يطيح بخطط الإصلاح في غياب الإرادة القوية للمضي قدمًا. بعد فترة من الركود النسبي منذ أواخر الثمانينيات والتسعينيات، شهدت أسعار النفط موجة كبيرة من الارتفاع مع الألفية الجديدة وصولًا إلى مستوى أسعار بلغ أكثر من 115 دولارًا في منتصف عام 2014 قبل أن يدخل النفط في موجة من الانخفاض على مدار عامين وصل خلالها سعر «مزيج برنت»، الخام القياسي، إلى ما دون 30 دولارا في يناير (كانون الثاني) الماضي (4) قبل أن يتعافي نسبيًا إلى مستوى ما بين 30 إلى 40 دولار للبرميل.

ولكن يبدو أن الانخفاض في هذه المرة لن يكون انتقاليًا (5). يمكننا أن نصف هذه الموجة من الانخفاض بكونها «بنيوية» بشكل ما. غالبا ما كان الركود في أسعار النفط مرتبطًا بشكل أكبر بتناقص الطلب خلال فترات ركود الاقتصاد العالمي، إلا أن هذه الموجة من الانخفاض تأتي مرتبطة بشكل أكبر بزيادة المعروض العالمي، وبخاصة من خارج منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك).

منذ أكثر من عقد، تم اكتشاف ما يعرف بالنفط الصخري في 37 دولة حول العالم على رأسها الولايات المتحدة التي تملك قرابة 77 في المائة من الاحتياطي العالمي من النفط الصخري (6). ومع متوسط للطلب في الولايات المتحدة بلغ 20 مليون برميل يوميا، فإن الاحتياطيات الحالية تكفي حاجة البلاد لمدة أكثر من 400 عام. ووفقًا لبيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن إنتاج الولايات المتحدة من النفط قد بلغ 9.129 مليون برميل يوميًا بفارق أقل من مليون برميل يوميا عن المملكة العربية السعودية المنتج الأول للنفط في العالم.

تطور إنتاج النفط الصخري (المصدر: إدارة معلومات الطاقة)

كانت المملكة العربية السعودية تأمل في أن انخفاض أسعار النفط سوف يتسبب في خروج منتجي النفط الصخري مرتفعي التكلفة من السوق (يتكلف إنتاج البرميل من النفط الصخري أكثر من إنتاج البرميل من النفط التقليدي، ويعتقد الخبراء أن صناعة النفط الصخري تحتاج إلى متوسط أسعار لا يقل عن 5- – 60 دولارًا كي تكون مربحة) . ورغم تفاوت التقديرات حول مدى تأثر صناعة النفط الصخري، إلا أنه من الواضح أن الصناعة قد أبدت مرونة أكبر، على الأقل بالنسبة إلى توقع السعوديين (7)، ورغم أن العديد من صغار المنتجين قد خرجوا من السوق، إلا أن حصتهم السوقية، لم تكن ضخمة بما يكفي، وبدا أن الصناعة لم تتدمر، وصار الحديث حول قدرتها على الصمود عند مستوى 40 دولارًا (8).

سعر التعادل في موازنات الدول المنتجة للنفط (المصدر: صندوق النقد الدولي 2015)

ورغم وجود تقارير (9) تشير إلى توقعات بتراجع الإنتاج الأميركي من 9.4 ملايين برميل في 2015 إلى 8.7 ملايين يوميًا في 2016، إلى 8.5 مليون برميل يوميا في عام 2017، إلا أن شكوكًا كبيرة تحوم حول قدرة الدول المنتجة، وعلى رأسها الملكة العربية السعودية على تحمل انخفاض الأسعار لعامين إضافيين، خاصة في ظل الإشارة إلى قدرة النقط الصخري على التعافي من جديد حال عودة الأسعار إلى الارتفاع، ومع حاجة السعودية إلى متوسطات أسعار تفوق 100 دولار للبرميل لمعالجة ميزانيتها، وفي ظل عجز بلغ 98 مليار دولار في عام 2015 (10) وعجز متوقع بقدر 87 مليار دولار عام 2016 (11).

في ظل هذه الظروف كانت الحاجة ماسة إلى التحول. وصار الحديث عن تنويع الاقتصاد، ونهاية عصر النفط، نغمة سائدة في الأوساط السعودية. وبدأت المملكة في تطبيق إجراءات تقشفية؛ عبر تخفيض الدعم على الوقود والكهرباء والمياه، كما بدأ الحديث عن تطبيق ضريبة القيمة المضافة في سائر دول مجلس التعاون الخليجي. على صعيد آخر، بدأ الحديث عن خطة تحول اقتصادي تشمل خصخصة بعض القطاعات الحكومية، وبيع أسهم في شركة النفط الحكومية المملوكة للدولة، «أرامكو»، وتعزيز الاستثمار الأجنبي والاعتماد على الطاقة المتجددة، وهي الملامح العامة للرؤية التي تم الإعلان عنها مؤخرًا تحت شعار «رؤية السعودية 2030 »، والتي تهدف في المقام الأول، وفقًا لنائب ولي العهد السعودي إلى إنهاء اعتماد البلاد على النفط.

ورغم الترحاب الكبير الذي قوبلت به الرؤية السعودية، إلا أن هناك جملة أسباب، تجعلنا نعتقد أن التحول المنشود لن يكون بسهولة الحديث عنه، وأن عقبات كبرى تنتظر المملكة، لن تكون معها مهمة هذا التحول سهلة إلى الإطلاق.

1. المملكة العربية السعودية اعتمدت على النفط منذ تأسيسها

رغم أن الأمير «محمد بن سلمان» يبدو محقًا في تأكيده أن المملكة العربية السعودية قد تأسست قبل اكتشاف النفط، حيث أعلن تأسيس الدولة السعودية الثالثة رسمية عام 1932 فيما أعلن عن أول اكتشاف تجاري للنفط في عام 1938، إلا أن النفط، ومنذ الأعوام الأولى، قد لعب دورا كبيرا في الحفاظ على تماسك البلاد (12).

الملك عبد العزيز آل سعود مؤسس الدولة السعودية الثالثة

تعد الدولة السعودية الحديثة المحاولة الثالثة لإقامة دولة من قبل عائلة «آل سعود»، بعد انهيار الدولتين السعوديتين الأولى والثانية؛ بفعل الصراعات الخارجية مع مصر والدولة العثمانية والصراعات الداخلية بين السعوديين والراشديين والهاشميين. ارتكزت كل من الدولة السعودية الأولى والثانية على ركيزتين رئيستين، هما: الدين «اتفاق الدرعية الشهير بين محمد بن سعود مؤسس الدولة السعودية، وبين الإمام محمد بن عبد الوهاب الذي منحت بموجبه الشرعية الدينية لحكم السعوديين»، إضافة إلى القبيلة (13). ولكن في غياب المال اللازم لصناعة التحالفات والحفاظ على الولاءات الداخلية، فقد كانت فرص صمود هذه الدول الناشئة في بيئة عدائية صعبة للغاية. حيث يرجع بعض الخبراء (14) سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية في جزء كبير منه إلى أن السعوديين لم يكونوا أقوياء بما يكفي في مواجهة خصومهم الداخليين والخارجيين.

مع نشأتها، كانت الدولة السعودية فقيرة للغاية، مع موارد محدودة، تأتي بصورة رئيسة من العشور وعائدات الحج والعمرة. قبل اكتشاف النفط، وتحديدًا عام 1938، بلغت عائدات الدولة السعودية الناشئة، كاملة أقل من 7 ملايين دولار (15). وبلغت عائدات النفط خلال هذا العام 340 ألف دولار فقط. بمرور الأعوام وتوالي الكشوف النفطية، ارتفعت عائدات البلاد تدريجيًا إلى 10 ملايين دولار سنويًا عام 1946، ثم إلى 47 مليون دولار في عام 1950، ثم 334 مليون دولار عام 1960، إلى 1.2 مليار دولار في عام 1870، ثم إلى 84 مليار دولار في عام 1980.

يشير تقرير لمجلة «نيوزويك» إلى أنه حتى قبل اكتشاف النفط، فقد كانت الرعاية المالية جزء من الاتفاق بين الحاكم ورعاياه؛ إذ كان الحكام دومًا بحاجة إلى إثبات الكرم المالي تجاه رعاياهم. حيث يتم توظيف هذا المال في توجيه الدعم السخي نحو الجماعات القبلية المختلفة، وقد استفادت معظم القبائل من هذا الدعم في الحصول على مواقع مميزة لأبنائها، وبخاصة في الهياكل العسكرية الناشئة، وعلى رأسها الحرس الوطني.

1 2
عرض التعليقات
تحميل المزيد