بعد سقوط الرئيس السوداني عمر البشير في 11 أبريل ( نيسان) الماضي حصل أعضاء المجلس العسكري – الذين صعدوا بالأساس في آخر أيام الرئيس المعزول ليكونوا حائط الصد ضد المتظاهرين – على فرصة استثنائية لإدارة الفترة الانتقالية وللحفاظ على ما تبقى من انحسار الحرس القديم، خاصة بعد الإطاحة بوزير الدفاع ابن عوف، ورئيس الأركان كمال معروف – قريب البشير – ومدير المخابرات صلاح قوش.

صعود مثلث السُلطة الجديد أصبح ممثلًا في الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وحميدتي، وجلال الدين الشيخ نائب صلاح قوش، ومدير جهاز المخابرات الذي أصبح سفير مهمات المجلس في مصر وإثيوبيا، بالإضافة إلى الوجوه القديمة التي استقالت لاحقًا، مثل مدير عام الشرطة الطيب بابكر الذي لا زال يواجه تهمًا باعتباره المسئول الأول عن مقتل عشرات المتظاهرين.

التقرير التالي يرسم أخطاء محتملة ارتكبها المجلس العسكري خلال شهرين في السُلطة ربما تجعل موقفه التفاوضيّ على المحك، في ظل بعض محاولات الانقلابات التي بات يتعرض لها من الداخل.

1- اعترافه بـ«قوى الحرية والتغيير» ثمّ انقلابه عليها

عقب الإطاحة بالبشير أعلن الجيش فترة انتقالية مدتها عامان، وتشكيل مجلس عسكري لتمثيل سيادة الدولة، كما التقى حصرًا 10 أعضاء من «تجمع المهنيين السودانيين» الذي قاد الاحتجاجات لبحث تشكيل حكومة مدنية متفق عليها لإدارة شئون البلاد خلال المرحلة المقبلة.

اللافت أنّ المجلس العسكري تجاهل ممثلي الإدارات الأهلية الأخرى في السودان الذين طالبوه بألا يحصر مفاوضاته مع «قوى الحرية والتغيير»، وأن يستمع لكل القوى والمكونات الأخرى التي شاركت في الثورة.

يقول المحلل السياسي مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «لو كان المجلس العسكري حريصًا على انتقال سلمي للسلطة، لكان استدعى كافة القوى السياسية غير المنخرطة في تجمع المهنيين، لكن كل ما أراده هو مجرد الحصول على شرعية ثورية للبقاء تُمكنه من استغلال قوى لا تمثل كافة السودان متعدد العرقيات والثقافات للوصول معها إلى طريق مسدود للمفاوضات بهدف وضعها في مواجهة مع الشارع».

بعد أربعة أيامٍ فقط من سقوط البشير حاولت قوات «الدعم السريع» التي تحاصر العاصمة الخرطوم فض اعتصام القيادة العامة بالقوة، وفي ظل عجز «قوى الحرية والتغيير» في الوصول إلى تفاهمات مع العسكر حول تشكيل المجلس السيادي، اعترف التحالف مضطرًا بفشله بعد نحو أسبوعين فقط من الثورة. يقول الصحافي السوداني أسامة عبد الحليم لـ«ساسة بوست»: «كان الخطأ الذي بدأت به الثورة هو اعتراف قوى الحرية والتغيير بالمجلس العسكري الذي حمل في طياته وجوهًا قديمة معروفة للنظام القديم».

لكنّ المفارقة أنّ الضغوطات التي مارسها المجلس العسكري وتسببت في وصول المفاوضات مُبكرًا لطريق مسدود، تزامنًا مع حالة الانقسام داخل القوى الثورية، دفعت «قوى الحرية والتغيير» بعد 45 يومًا من سقوط النظام لاستخدام ورقتها الأخيرة المتمثلة في الدعوة للإضراب العام، الذي كان اختبارًا علنيًّا لقياس الثقل السياسي للطرفين.

نجاح العصيان المدني في المرة الأولى دفع المجلس لتقديم تنازلات كبيرة فيما يخص السلطة السيادية والتنفيذية والتشريعية للحكم الانتقالي، بينما أجبر الإضراب الأخير الذي استمر ثلاثة أيامٍ إلى قلب الطاولة على المجلس العسكري الذي أُجبر على الاعتراف بارتكاب قواته جرائم على خلفية فض اعتصام القيادة العامة، كما أنه بات مُضطرًا للاستماع لـ«قوى الحرية والتغيير» التي وضعت شروطها لاستئناف التفاوض، خاصة بعدما حصلت على اعتراف دولي وأفريقي بدورها.

2-  الاستقواء العلني بالخارج.. «كل الحلفاء قد يبيعونك حين تفشل»

في الوقت الذي هدد فيه «مجلس السلم والأمن» الأفريقي، المجلس العسكري في السودان بتسليم السلطة لحكومة انتقالية مدنية خلال 15 يومًا، كان الفريق أول عبد الفتاح البرهان قد اتجه لقصر الرئاسة لمباشرة عمله، مُعلنًا رفض شروط «الاتحاد الأفريقي». والرفض جاء تزامنًا مع اعتراف مصر – التي ترأست الاتحاد – بشرعية المجلس العسكري الذي سارع بإرسال مدير المخابرات إلى إثيوبيا التي أيدت في البداية تأخير تسليم السُلطة.

تجاهل العسكر للمطالب الثورية بعد أربعة أيامٍ فقط من عزل البشير في ظل اعتصامات الثوار والتهديدات الدولية حمل إشارات بأن ثمّة اتفاقاتٍ خارجية جرت في الغرف المُغلقة بعيدًا عن صخب الشارع، وهو ما بدا واضحًا في زيارة والوفدٍ مصري رفيع المستوى، بقيادة رئيس المخابرات المصري اللواء عباس، إلى السودان. لكنّ الزيارة الأخطر تمثلث في زيارة دمبلاب عضو المجلس العسكري إلى القاهرة التي أعلنت بعد يومٍ واحد من الزيارة عقد قمة طارئة مصغرة، انقلبت فيها على القرار القديم لـ«مجلس السلم والأمن»، ومنحت عسكر السودان مهلة ثلاثة أشهر لتسليم السُلطة للمدنيين.

الاستقواء بالخارج امتد إلى السعودية والإمارات اللتين أعلنتا حزمة مساعدات اقتصادية بقيمة 3 مليارات دولار، شملت 500 مليون دولار وديعة في «البنك المركزيالسوداني»، وفي الوقت الذي هددت فيه «قوى الحرية والتغيير» بالتصعيد ضد المجلس العسكري، كان الفريق عبد الفتاح البرهان في مصر والإمارات، بينما سافر حميدتي إلى السعودية برفقة مدير مكتب البشير، الفريق طه عثمان؛ ليعلن بعدها المجلس استمرار مشاركة الجيش السوداني في حرب اليمن التي دخلت عامها الخامس.

لكنّ مظلة الحلفاء الإقليميين قوبلت بحشدٍ أفريقي، فبينما منحت القاهرة العسكر ثلاثة أشهر لإدارة الفترة الانتقالية، قام الاتحاد الأفريقي بتقليصها إلى شهرين، قبل أن يقوم بتعليق عضوية السودان قبل أن تنتهي المدة التي كان من المقرر أن تنتهي فعليًا في نهاية الشهر الجاري.

خسارة المجلس العسكري مظلة الاتحاد الأفريقي كانت بمثابة انتهاء الأمل الذي عوّل عليه البرهان في زياراته الأفريقية التي شملت جوبا وإثيوبيا وكينيا لدعمه في إجراء انتخابات مبكرة، على جانب آخر تسبب الهجوم الدولي على المجلس إثر أحداث الفض الدموي إلى تخلي الحلفاء – مؤقتًا – عن دعم المجلس؛ فمصر فشلت في اعتراض قرار تعليق عضوية السودان، بينما وصف وزير خارجية الإمارات أنور قرقاش فض اعتصام الخرطوم بالمذبحة، وطالب بفتح تحقيق. السعودية أيضًا بادرت باتخاذ موقف دبلوماسي بالتصريح بضرورة العودة للحوار ونبذ العنف.

أن تكون فردًا في قوات الدعم السريع.. قصة شاب من ميليشيا «الجنجويد»!

3- حل النقابات وتجميد نشاطها.. «لا تقدم هدايا لخصومك»

كان قرار المجلس العسكري تجميد نشاط النقابات والاتحادات المهنية والاتحاد العام لأصحاب العمل السوداني، هو الهدية التي قدمها العسكر لـ«قوى الحرية والتغيير» في نجاح أي إضراب.

فبعد نحو أسبوعين فقط من وصول المفاوضات لطريق مسدود، وإعلان المجلس العسكري تعليق المفاوضات لـ72 ساعة، أطلق «تجمع المهنيين» دعوة للإضراب العام بعد تثبث المجلس العسكري بفترة انتقالية مدتها ثلاث سنوات، وخاصة بعد الاحتكاك الدموي بين المعتصمين وقوات «الدعم السريع» التي حاولت إزالة المتاريس حول القيادة العامة بالقوة.

اللافت أنّ النقابات والاتحادات المهنية التي حظرها الجيش يسيطر عليها موالون للنظام السابق، وهو كان بمثابة الرصاصة التي أطلقها الجيش على نفسه حين ساعد في نجاح العصيان المدني حين أعلنت عشرات المؤسسات انضمامها للإضراب العام والعصيان المدني استجابة لدعوة «تجمع المهنيين»، لذا فبعد ساعاتٍ من القرار الخطأ تراجع المجلس وأعلن إلغاء قراره الخاص بتجميد النقابات والاتحادات المهنية.

المجلس العسكري أخطأ مرة ثانية حين منح الخدمة المدنية إجازة طويلة تزامنًا مع عيد الفطر، وهو ما منح المؤسسات تدريبًا على الإضراب الأخير الذي انضمت له «شبكة الصحافيين»، «تجمع المهندسين»، «رابطة الأطباء البيطريين»، «التحالف الديمقراطي للمحامين»، «واللجنة المركزية للصيادلة»، «تجمع الفنانين التشكيليين»، و«رابطة الطيارين».

4-  فض الاعتصام.. «لا تفقد أبدًا شعرة معاوية»

منذ اندلعت الاحتجاجات في 19 ديسمبر (كانون الأول) العام الماضي، تبنى الجيش السوداني مبكرًا  استراتيجية حماية المنشآت الهامة والمعارضين، كما أطلق الأوامر العليا للضباط في الشوارع بعدم التعرض للمتظاهرين، وهي إشارة أرسلها إلى المعارضين بأن انتفاضتهم محمية، رغم أنها طيلة 109 يوم لم تتحرك لتأييد الثورة السلمية.

حافظ الجيش على «شعرة معاوية» بين القصر والميدان، حتى بعدما سقط أول قتيل من حرس وزارة الدفاع برصاص الشرطة التي أرادت فض الاعتصام بالقوة، لكنّ التحوّل بدأ مع بيان الجيش الذي أعلن فيه عزل البشير، وتشكيل مجلس عسكري لإدارة الفترة الانتقالية لمدة عامين، وتعطيل الدستور الحالي.

ربما كان الخطأ الأكبر للجيش قد وقع بعد أيامٍ من سقوط البشير حين حاولت قوات «الدعم السريع» فض الاعتصام بالقوة، وهي المحاولة التي فشلت حين استغاثت «قوى الحرية والتغيير» التي تضاعفت أعداد أنصارها أمام مقر الجيش بدعوى «حماية الثورة ومكتسباتها» من قبضة العسكريين.

وبالرغم أنّ الجيش قدّم اعتذاره ووعوده لقوى الحراك الثوري، وتعّهد بعدم فض الميدان، لكنّه خاض معركة دموية توّجت بالخسائر السياسية حين سقط نحو أكثر من 100 شخص بحسب بيان «لجنة أطباءالسودان».

تحوّل الجيش بعد فضه الاعتصام من شريك في الثورة عقب إطاحته بالبشير إلى  الوقوع في الاتهامات المباشرة بإدارة الثورة المضادة، خاصة أنّ الفض جاء بعد نحو أسبوعٍ واحد من الزيارات الخارجية لقائد المجلس ونائبه لمصر والسعودية والإمارات، وهي الدول المتهمة بإجهاض ثورات الربيع العربي.

والخسارة امتدت عقب خسارة المجلس حصانة الاتحاد الأفريقي، للعودة إلى ضغوط مطالب الثورة التي لم تتحق، وأبرزها حلّ «جهاز الأمن والمخابرات»، و«قوات الدفاع الشعبي»، والحزب الحاكم، وتقديم قادته لمحاكمات عادلة والتحفظ على مقراته، بالإضافة للمطلب الرئيس المتمثل في تسليم الحكم لحكومة مدنية، وحّل ميليشيات كتائب الظل – التابعة للحزب الحاكم – المتهمة بإطلاق النيران على المتظاهرين وإحداث الفوضى داخل الصفوف.

«الاثنين الدامي» في السودان.. شهادات خاصة حول ما حدث في ساعتي فض الاعتصام

5-  كشف أوراقه للمعارضة.. لماذا لم يتعلموا من عسكر مصر؟

في الأيام الأولى للثورة المصرية أكد المجلس العسكري أن «الميدان للثورة، والسلطة للثوار، والجيش يحمي الاثنين، ويحفظ المكتسبات، ويرعى الانتقال السلمي للسلطة من بعيد»، واحتفل الثوار بالظهير الوطني الثقيل الذي التف حول ثورتهم، ورفعوا شعار «الجيش والشعب إيد واحدة»، وحصل المجلس على شرعية دستورية مكنت له إصدار الإعلانات الدستورية حتى انتخاب مجلس الشعب.

وعلى مدار عام ونصف هو عمر المرحلة الانتقالية، حدثت مواجهات دموية بين الجيش، وقطاع من الثوار رأوا أنه يحاول عرقلة الانتقال الديمقراطي بخطة مُحكمة، واستخدم الجيش في تلك المواجهات الرصاص الحي، وانتهت بمحاكمة 12 ألف شاب أمام المحاكم العسكرية، ورفع قطاع عريض من الثوار شعار «يسقط حكم العسكر» بعد فوات الأوان.

وبالعودة للمجلس العسكري السوداني، فإن أكبر أخطائه تمثلت في كشف أوراقه مبكرًا للمعارضة حين بدأت جولات المفاوضات للاتفاق حول ملامح تشكيل المجلس السيادي، اقترحت «قوى الحرية والتغيير» أن يضم المجلس ثمانية أعضاء من المدنيين وسبعة من العسكريين، أصرّ المجلس العسكري على أن يكون سبعة من العسكريين وثلاثة من المدنيين. واللافت أنّ الجيش أعلن مُبكرًا نوياه، واقترح مرارًا إجراء انتخابات مبكرة في حال وصلت المفاوضات إلى طريقٍ مسدود، وهي الخطيئة التي أوقعته في شباك الاتهامات بعدم الجدية في نقل السُلطة للمدنيين، وأنه يهدف للوصول لطريق مسدود لتحقيق رغبته القديمة.

والمجلس العسكري أثبت على نفسه الاتهامات التي تسوقها المعارضة حين قرر إلغاء اتفاقاته السابقة مع «قوى الحرية والتغيير» وتشكيل حكومة تسيير أعمال وإجراء انتخابات خلال تسعة أشهر، وذلك عقب يومٍ واحد من فض اعتصام القيادة العامة بالقوة، قبل أن يعود مُجددًا للتفاوض وهو مكشوف الأوراق.

6- قطع الإنترنت.. «لا تكتسب مزيدًا من الخصوم»

استخدم المجلس العسكري الحيلة القديمة للأنظمة العربية القمعية أثناء مواجهتها الربيع العربي؛ فبهدف شل حراك «تجمع المهنيين» أقدم الجيش على قطع الإنترنت بالكامل بعد يومٍ واحد من الفض؛ بهدف التضييق على الحملة المضادة التي استهدفته عبر توثيق أحداث فض الاعتصام.

ورغم أنّ المجلس العسكري ما زال يرفض عودة الإنترنت، الذي اعتبره على لسان المتحدث الرسمي بأنه «يهدد الأمن القومي»، إلا أنّه ما زال يواجه تبعاته، يقول الصحافي السوداني مصطفى أبو العزايم لـ«ساسة بوست»: «نتيجة لقطع الإنترنت تضرر قطاع كبير من المصالح والشركات التي اضطر العاملون بها للمشاركة في الإضراب بعدما تضررت أعمالهم»، يُضيف: «حتى أنّ الحجب دفع الحشود للالتفاف حول التلفاز لمتابعة أخبار الحراك، وهو ما مثّل ضغطًا متزايدًا على المجلس العسكري الذي بات في مواجهة مباشرة مع الشارع الذي أثار غضبه».

على عكس المعارضة.. كيف ينظم عسكر السودان صفوفهم ضد الثورة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد