2,721

شكَّلت حادثة مقتل الشاب محسن فكري طحنًا داخل شاحنة أزبال بمدينة الحسيمة، شمال المغرب، يوم 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016، شرارةً أشعلت حراكًا احتجاجيًا واسعًا، اجتاح في البدء مختلف أنحاء المملكة، قبل أن يتركز بمنطقة «الريف» التي ينحدر منها القتيل، والتي تضم مدن الحسيمة والناظور وإمزورن، مسقط رأسه.

وتعود تفاصيل الحادث إلى مساء 28 أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، حيث اعتاد محسن فكري على شحن السمك بالجملة من ميناء مدينة الحسيمة، والمتاجرة به تقسيطًا. وهو ابن أسرة تنتمي للطبقة المتوسطة، حيث كان والده يشتغل مُدرسًا.

ولد محسن عام 1985 لأسرةٍ من ثمانية أبناء هو سادسهم ترتيبًا، ويحكي المقربون منه تفاصيل يوم الحادث، إذ اقترض الفقيد مبلغًا ماليًا لشراء بعض السمك وإعادة بيعه بحثًا عن بعض الأرباح، قبل أن يفاجأ بأمن المدينة يحجز شحنته، بحجَّة عدم قانونية صيد ذاك النوع من السمك، بالرغم من كونها شُحنت أمام أنظار أمن الميناء.

لم يتوقَّف الأمرعند هذا الحد، حيث طلب أحد ضباط الأمن إتلاف الشحنة داخل طاحونة أزبال، ما دفع فكري للارتماء بداخل الطاحونة نفسها احتجاجًا، وظنًّا منه أن وجوده بداخلها سيثني الشرطة عن تنفيذ عملية إتلاف الشحنة، التي كلفته قرضًا كبيرًا ويعول عليها لسداده على الأقل. بيدَ أن الشرطيّ لم يُشفق عليه وأمر بتشغيل الطاحونة وهو بداخلها، فتوفي على الفور.

اقرأ أيضًا: «بائع السمك المطحون».. ما الذي يحدث في المغرب؟ 5 أسئلة تشرح لك

بعدما تناقلت وسائل الإعلام المغربية نبأ الحادث، عمت موجة من الاحتجاجات ربوع المملكة خلال الأيام الأولى، بيد أنها هدأت تدريجيًا باستثناء منطقة الريف المعنية مباشرة بالأمر، والتي استثمرت الحادث لخلق ما بات يعرف اليوم بـ«حراك الريف»، والذي يستمر في تنظيم أشكال احتجاجية متعددة كان آخرها إضراب ومسيرة الخميس 18 مايو (آيار) الماضي، مطالبًا الدولة بالنزول عند مطالب الساكنة.

مظاهرات الريف الأخيرة

«الريف».. ظروف اقتصادية قاسية ومطالب «مشروعة»

حادثة محسن فكري ليست أولى أوجاع الريف المغربي، ذلك أنّ المنطقة محاطة بعدّة عوامل اجتماعية واقتصادية وتاريخية، ساهمت في حصولها على لقب «المنطقة الأكثر تمردًا» على الصعيد المغربي. فمن الناحية الاجتماعية، تعاني المنطقة على اختلاف مناطقها من أعلى نسب بطالة، ففي وقتٍ لا تتعدَّى النسبة الوطنية للبطالة 9%، تصل النسبة بالجهة الشرقية إلى 19%، 16.1% بجهة طنجة – تطوان، و14.2% بالحسيمة- تازة- تاونات. كما أن توزيع المعدات الصحية متفاوت جدًا بين المناطق الحضرية والجبلية بالريف.

في ظل هذه الظروف الاجتماعية القاسية، لم تجد منطقة الريف بُدًّا من استغلال جوارها لإسبانيا – التي تحتل مدينتين تابعتين جغرافيًا للمنطقة: سبتة ومليلية -. وأصبح التهريب والتجارة في البضائع المهرَّبة من المدينتين صوب مناطق النفوذ المغربي، أهم مورد اقتصادي يساعد الريفيين على سدّ رمقهم. بحيث يعبر 30 ألف شخص يوميًا معبر سبتة، فضلًا عن 20 ألفًا ممن يعبرون معبر مليلية، بهدف اقتناء عدد لا بأس به من المواد الاستهلاكية، يقومون ببيعها في باقي ربوع المملكة المغربية دون تأدية ضرائب، ما يرفع عائداتهم ويخفف عنهم حدة الأزمة الداخلية.

ليس التهريب هو النشاط الاقتصادي غير القانوني الوحيد الذي تلجأ إليه ساكنة الريف، ففي تقرير «مكتب الأمم المتحدة حول المخدرات والجريمة»، تراجعت زراعة القنب الهندي بالمغرب من 134 ألف هكتار سنة 2003، إلى 52 ألف هكتار سنة 2012 ثم 47 ألف هكتار سنة 2013، أي بنسبة 70% خلال 10 سنوات، في وقت كانت تدر هذه الزراعة أرباحًا سنوية تقدر بـ10 مليارات دولار، أي ما يمثل قرابة 10% من الاقتصاد المغربي، بحسب جمعية محلية تنادي بالاستخدام الطبي والصناعي للقنب الهندي. ويعيش من هذه التجارة ما يقارب 800 ألف مغربي، معظمهم بمنطقة الريف المشتهرة بمزرعة «كتامة».

حول هذه الأوضاع الصعبة، شكَّلَ المحتجون في فبراير(شباط) الماضي ملفًا مطلبيًا، يدعون الدولة للاستجابة له من أجل وقف الحراك. يتضمَّن الأخير مطالب من شتى الأصناف، حقوقية واقتصادية واجتماعية وثقافية. يبقى أبرزها إنشاء مؤسسة جامعية ومستشفى جامعي، ربط إقليم الحسيمة بخط السكة الحديدية بهدف فك الحصار عنه، ومنح تسهيلات ضريبية على إنشاء معامل بالمنطقة لتشغيل الساكنة، ثم إلغاء ظهير قانوني يحمل رقم 1.58.381، يعتبر إقليم الحسيمة منطقة عسكرية.

اقرأ أيضًا: مظاهرات «شهيد الحسيمة».. تثير نعرات مناطقية في المغرب

تاريخ الريف «الساخن»

لفهمٍ أعمق لحيثيات الحراك الريفي، لا بدّ من العودة لماضي المنطقة، الذي يفسر عدة جوانب من حاضرها. فالريف هو أول منطقة مغاربية تقود استقلالًا ناجحًا عن الاستعمار الأوروبي خلال القرن الماضي، وتؤسس دولة قائمة الذات. «الجمهورية الريفية» التي تأسست عام 1921 عقب معركة «أنوال» الشهيرة التي ألحق فيها الريفيون بقيادة أميرهم «محمد بن عبد الكريم الخطابي» هزيمة نكراء بالجيش الإسباني، في الـ17 من يوليو من السنة نفسها.

جمهورية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بدستور وحكومة وعلم رسمي وقضاء وبرلمان. حيث جاء في بيانها التأسيسي: «نحنُ حكومة جمهورية الريف، المؤسسة في يوليو 1921 نعلن ونُشعر الدول المشتركة في معاهدة الجزيرة الخضراء عام 1906، بأن المطامح العليا التي أدت إلى تلك المعاهدة لا يمكن أن تتحقق أبدًا، الأمر الذي أثبته تاريخ الأيام الماضية، وذلك بسبب الخطيئة البدئية القائلة إن بلادنا، الريف، تشكل جزءًا من المغرب، إن بلادنا تشكل جغرافيًا جزءًا من إفريقيا… كذلك تختلف لغتنا بصورة بينة عن اللغات الأخرى، المغربية أو الإفريقية أو سواها. فنحن الريفيين لسنا مغاربة البتة».

قد يفسِّر هذا النصُ تلك النزعات الانفصالية التي تحدَّثت عنها الحكومة المغربية في تداولها لملف الحراك الريفي خلال اجتماعها بداية شهر مايو (أيار) الجاري. فجمهورية الريف استمرت خمس سنوات، ولم تتوقف عن الوجود إلا بعد تحالف القوات الفرنسية والإسبانية ضد المقاتلين الريفيين وقصف المنطقة بالأسلحة الكيماوية السامة، مما دفع الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي إلى الاستسلام درءًا لوقوع المزيد من الضحايا.

بعد نيل المملكة المغربية استقلالها ببضع سنوات، وبالتحديد خلال الفترة الممتدة بين سنتي 1957 و1959، انتفض الريفيون ضد سياسات حكومة الرباط بقيادة السلطان محمد الخامس، مطالبين بإدارة جهوية تمكِّنُهُم من تسيير منطقتهم بأنفسهم، إلا أن الانتفاضة تعرَّضت لقمعٍ شديد من طرف الجيش المغربي مكونًا من 30 ألف جندي، أواخر شهر يناير (كانون الثاني) عام 1959، كلل بإعلان مدينة الحسيمة منطقة عسكرية، كما تعرضت المنطقة برمَّتها لتهميشٍ يعتبره نشطاء الريف ممنهجًا، وعقابًا لها على تمردها ضد المركز. هذه الأحداث تركت بدورها جرحًا غائرًا في نفوس الريفيين، ويعتبر مراقبون أنه يشكل حافزًا ومحركًا رئيسيًا لاحتجاجاتهم الراهنة، وعلاقتهم المتشنجة بالحكومة المغربية.

مطالب اجتماعية تخفي نعرة طائفية وميولًا انفصاليًا

على الرغم من كون الملف المطلبي الذي بلورته قيادة الحراك الريفي، يحتوي بالأساس على مطالب اجتماعية واقتصادية وحقوقية، فضلًا عن رفض عدد من المحتجين كلّ التهم الانفصالية التي وجهت إليهم،  بشكل حضاري وسلمي عبر لافتات ظهرت خلال آخر مسيرة نظمت بالحسيمة الخميس الماضي. إلا أن بعض الخطابات الخطيرة الرائجة داخل الحراك، تثير نقاشًا حادًّا بين المغاربة. فقد ظهر شخص يدعى «ناصر الزفزافي»، وهو أحد الوجوه البارزة بالحراك، وهو يخطب أمام عدد من الريفيين المتجمهرين حوله قائلًا: «إنَّ الاستعمار الإسباني كان أرحم من الاستعمار العروبي المغربي»، ما أثار حوله موجة من التصفيق والتأييد.

الزفزافي هو أيضًا ناشط بما يسمى بـ«الحركة الأمازيغية»، وهي حركة ثقافية تحوَّلت لتيَّارٍ سياسيّ يدَّعي أنّ هدفه الدفاع عن الهوية والثقافة الأمازيغية ضد «الطّمس والتعريب». إلا أنّ بعض نشطائه لا يُخفون في مناسباتٍ كثيرة، سواء داخل الجامعات أو بالمواقع الاجتماعية على الإنترنت، ميولًا للتطرف والكراهية إزاء كل ما له صلة بالعربية، سواء اللغة أو الهوية أو الثقافة وفي بعض الأحياء حتى إزاء المواطنين المغاربة الناطقين بالعربية. ميولات يعززها ظهور أعلام «الجمهورية الريفية»، والعلم «الأمازيغي» في قلب الاحتجاجات الريفية، وتغييب شبه كلّي لما يحيل على مغربية الريف، بما في ذلك العلم المغربي.

العلم الأمازيغي في مظاهرات الريف

عناصر مريبة دفعت عددًا من الفاعلين السياسيين والاجتماعيين إلى التنبيه لوجود مخطط خطير يهدف لتقسيم المغرب إلى عدة دويلات، ونقل حلبة «الفوضى الخلاقة» من الشرق الأوسط لشمال إفريقيا. على رأس هؤلاء يأتي الباحث ورئيس المرصد المغربي لمكافحة التطبيع «أحمد ويحمان»، الذي تحدث لأسبوعية الأيام المغربية قائلًا إن خمس دويلات، ثلاثًا منها ستقوم على أساس «الهوية الأمازيغية» ستظهر بالمغرب؛ هي «جمهورية أسامر»، والتي تمتد على الجنوب الشرقي المغربي الناطق في أغلبه بالأمازيغية، و«جمهورية سوس» الممتدة على سهل سوس وسط المملكة، فضلًا عن «جمهورية الريف» في الشمال، و«الجمهورية الصحراوية» بالأقاليم الجنوبية، وتبقى «المملكة المغربية» مقتصرة، بعد نجاح المخطط، على المناطق الناطقة بإحدى اللهجات العربية.