«وأهل مصر ما يُطاقون من ألسنتهم إذا أطلقوها في حق الناس». *ابن إياس في وصف ألسنة العوام

بعد أن انطوت صفحات سلاطين المماليك العظام، الذين سجلوا انتصارات كبرى منحت دولتهم شرعية الحكم لقرون متوالية، بدأت دولتهم في فقدان هيبتها، إذ كان الشطر الأول من حكم المماليك – البحرية – مليئًا بالصراعات الدموية على الحكم، وكثيرًا ما كانت الشوراع والأسواق تتحول لميدان قتال بين المماليك، فيهجرها العامة إلى أن يستقر الحكم لأحد الأطراف المتنازعة.

    «نزل بالناس من البحرية (المماليك) بلاء لا يوصف ما بين قتل ونهب وسبي، بحيث لو ملك الفرنج بلاد مصر ما زادوا في الفساد على ما فعله البحرية» *المقريزي 

وهي مع ذلك لم تكن أسوأ الصراعات، فقد شهد الشطر الثاني من حكم المماليك – الجراكسة – تدهورًا سياسيًا أكبر بسبب تنامي نفوذ صغار المماليك وعدم قدرة السلاطين ولا أمراء المماليك على ردعهم، حتى أنهم أظهروا استخفافًا بالأمراء وبالسلاطين أنفسهم في بعض الأحيان، واضطروهم إلى تخصيص رواتب وإقطاعات كبيرة، وحين لم تكن أموال الدولة تكفي لسدّ طلباتهم كانوا ينزلون إلى الأسواق ليحصلوا عليها بطريقتهم، فتكررت حوادث الشغب ونهب الأسواق، وصار خطف البضائع والاعتداء على الناس حدثًا يوميًا في حياة العامة في الأسواق؛ أثار الرعب والفزع في النفوس.

مجتمع

منذ سنتين
«الرومانثيرو».. أغاني العامة وأشعارهم تحكي تاريخ سقوط الأندلس

وقد نجح حكام المماليك في وأد المقاومة العسكرية التي ظهرت في انتفاضات مستمرة قادها الحرافيش أحيانًا، فلجأ الناس إلى السخرية التي ظهرت في الأدب والفن ليتغلبوا على المعاناة والآلام، ويقاوموا الانحراف والتسلط أحيانًا، وسجّل التراث الأدبي الشفهي روح المقاومة الشعبية في فترات حكم السلاطين المستبدين، من شعر ابن وردي، وابن دانيال، والبوصيري، وإن لم يسجل في أحيان كثيرة أسماء الشعراء حتى لا يطالهم الأذى. 

ويلاحظ الدكتور محمد رجب النجار في كتابه «الشعر الشعبي الساخر في عصور المماليك» أن الأدب الشعبي الذي طالما اعتُبر انحرافًا عن الأساليب اللغوية الرفيعة بالرغم من كونه تعبيرًا صادقًا عن الوجدان الشعبي حظي في عصر المماليك باعتراف الصفوة السياسية والأدبية، حتى أن كبار النقاد والأدباء والمؤرخين شاركوا في نظمه وجمعوا لنا نماذج منه، فكتب صفي الدين الحلي «العاطل الحالي والمرخص الغالي في الأزجال الكان وكان، والقوما، والموالي» وهو أول كتاب وصلنا عن هذه الفنون، وكتب ابن حجة الحموي «بلوغ الأمل في فن الزجل»، وكتب المؤرخ والشاعر الشعبي ابن إياس «الدر المكنون في سبعة فنون»، واحتفى به ابن خلدون والجبرتي وغيرهما، وسُمي بالفن الشريف.

مساجد القاهرة «الحرام» في أشعار العامة

كان المماليك يؤمنون بأن بناء مسجد أو مدرسة أو بيمارستان كفيل بغفران الذنوب، فأكثروا من بناء المساجد والجوامع، حتى لو كان ذلك من مال «حرام» وتنقل لنا المصادر هذه الأبيات لشاعر مجهول يقول:

بنى جامعًا لله في غير حِلِّه        فجاء بحمد الله غير موفّق

كمُطعمة الأيتام من كَدّ فرجِها       فليتكِ لا تزني ولا تتصدقي   

وحدث أن بنى الملك المؤيد جامعًا عام 820هـ من مال حرام اغتصبه بطرق مختلفة – كما يشير ابن إياس – وشاءت الأقدار أن تميل إحدى مئذنتي الجامع قبل أن يكتمل بناؤها فأمر الملك بهدمها، وانتهز العامة هذا الحدث «فشنّعوا على السلطان وخاضت فيه ألسنتهم» كما قال ابن تغري بردى عن هذا الحادث «وبلغت هذه الأبيات جميعًا السلطان وأُنشدت بين يديه وصار لها في هذا البلد أمر كبير». 

وسخِر العامة أيضًا من المسجد الذي بناه السلطان قنصوه الغوري من «المظالم والمال الحرام» فسمّوه «المسجد الحرام» في إشارة إلى مصدر الأموال التي بُني بها المسجد، وكثيرًا ما كان العامة يسخرون من الحكام المماليك الذين كانوا يدّعون التدين وهم أبعد ما يكونون عنه، فيرددون قول الشاعر إبراهيم المعمار :

قد بُلينا بأمير            ظلم الناس وسبح 

فهو كالجزار فينا             يذكر الله ويذبح

التمرد على السلاطين في الأشعار والأهازيج 

بلغ عدد الأطفال المماليك الذين تم تنصيبهم على عرش مصر والشام والحجاز 17 طفلًا في دولتي المماليك البحرية والجراكسة، كان بينهم ستة أطفال بين الثانية والعاشرة من العمر، و11 طفلًا بين 10 و16 سنة، وبلغت سنوات حكمهم مجتمعة حوالي نصف قرن، عانى الشعب فيها من تنافس الأمراء على الحكم.

إثر مقتل المنصور عام 742 هجريًا، تولّى أمر الخلافة الملك الأشرف علاء الدين كجك (أي الصغير) ابن الملك الناصر محمد بن قلاوون وكان حينها دون السابعة من عمره، وصار الأمر في يد الأتابكي قوصون نائب السلطان الذي كان وصيًا على الملك الأشرف – وكما يقول ابن إياس – قفد كان «السلطان آلة في السلطنة»، ويقول في ذلك ابن الوردي أيضًا:

 سلطاننا اليوم طفل والأكابر في خلفٍ وبينهم الشيطان قد نزغا 

فكيف يطمع من مسّته مظلمة أن يبلغ السؤل والسلطان ما بلغا

وقد «تعطلت البلاد وعصت النواب» كما ذكر ابن تغري بردى في كتابه «النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة»، وقال فيه عوام مصر قصيدة من «الكان وكان»، وهي أحد أشكال الفنون الشعبية التي ظهرت في بغداد في القرن الخامس الهجري يقول مطلعها: 

  من الكرك جانا الناصر           وجاب معه أسد الغابة

ودولتك يا أمير قوصون             ما كانت إلا كدابة

وحدثت فتنة وقف فيها الشعب إلى جانب أبناء الملك الناصر محمد بن قلاوون الذي كانوا يدينون له بالولاء، فلم يغفروا للأمير قوصون طمعه في البيت القلاووني، ولم يعد الناس إلى بيوتهم إلا حين عاد الملك الناصر شهاب الدين أحمد من الكرك في الأردن وتولى السلطنة، وقُتل قوصون فاحتفل العامة بانتصارهم بعمل تمثال من الحلوى للأمير قوصون مشنوقًا على هيئة ساخرة. 

ومع ذلك يذكر التاريخ أنه لطالما فرح الناس واستبشروا بزوال دولة، وابتلوا بدولة أسوأ منها، كما يؤرخ الشاعر الفاطمي البهاء زهير، ويقول:

دولة كم قد سألنا ربنا التعويض عنها . وفرحنا حين زالت جاءنا أنحس منها 

أهازيج العامة تُغيِّر الأحداث أحيانًا

يقول شاعر مجهول معبرًا عن حقيقة المماليك التي أصبح الشعب واعيًا بها، «إن قاتلوا قتلوا أو طاردوا طردوا أو حاربوا حربوا أو غالبوا غلبوا».

وتكمن السخرية في هذا البيت في إمكانية اعتباره مدحًا إذا قرئ مبنيًا للمعلوم، واعتباره ذمًا – وهو المقصود بالطبع – بقراءته مبنيًا للمجهول، وكان العامة حين تضيق بهم السبل يطلقون الأهازيج ليخبروا السلطان باعتراضهم على أمر ما، وكانت تنجح في تغيير دفة الأحداث أحيانًا، مثلما حدث حين خرج السلطان الملك الأشرف برسباي بجيشه غاضبًا على ملك آمد (الواقعة على ضفاف نهر دجلة)؛ لأنه أرسل له هدية لم تكن تليق بمقام السلطان، فتحصّن ملك آمد بقلعته وحاصره السلطان بجنوده حصارًا طويلًا تسبب في انتشار الغلاء، فقالت العامة: 

«في آمد رأينا العونة.. في كل خيمة طاحونة.. الغلام نهاره يطحن.. والجندي يجيب المونة»   

وثار المماليك على السلطان لدى سماع ما قالته العامة، حتى سعى بعض الأمراء للصلح بين السلطان والملك حتى لا تمتد الفتنة، وحدث ذات مرة أن اتفق أميران هما بركة وبرقوق ضد المماليك الآخرين، وانفردا بالحكم وفرضا الضرائب، وعاثا فسادًا حتى اضطُر التجار أحيانًا إلى غلق الحوانيت، فقالت العامة: 

«برقوق وبركة .. نصبا على الدنيا شبكة»

كان في قول العامة معايرة للمماليك الذين استسلموا لحكم الأميرين، وقد أثار هذا القول الضغينة بينهما وتسبب في فتنة دموية انتهت بهروب برقوق ورجاله وعزل بركة وجماعته نهائيًا.

وبين الأبيات التي تسببت في خلع أحد سلاطين المماليك ما قِيل هذا على لسان الملك المنصور محمد بن الملك المظفر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان «لا يفيق من السكر» كما قال ابن إياس، واستكثر من الجواري والمغنيات بالرغم من سوء أحوال البلاد، فقال فيه شاعر مجهول: «كل الملوك تسلطنوا بالملك والسلاح وأنا قنعت منه بالراح والملاح».

العامة يصلون إلى قصور الحكم.. ولكن!

حدث في عهد المماليك أن تسلق كثير من عامة الشعب إلى مناصب سعوا لشرائها في الحقيقة، إذ لم ترفعهم إليها كفاءة سياسية، ولا حتى أصل مملوكي، وكان حين يتولون المنصب يصبون العذاب على الشعب بدلًا عن إنقاذه باعتبارهم أحد أبنائه، ولم يكن يطول بهم المقام في مناصبهم إذ كان العامة يمقتونهم، وكان السلاطين يتخلصون منهم سريعًا ليتفادوا غضب العامة.

وقالت العامة في الوزير البباوي الذي قرره السلطان الظاهر أبو سعيد خشقدم ناظر الدولة في الوزارة، وكان طباخًا أميًا، إن «الزفر تولى الوزارة» وراح شاعر مجهول يقول

قالوا البباوي قد وزر فقلت كلا لا وزر

الدهر كالدولاب لا يدور إلا بالبقر

كان أحد هؤلاء الوزراء علي بن أبي الجود، وكان أبوه صانع حلوى كنّى نفسه بأبي الجود، وصار هو من بعده «يقلي المشبك في رمضان» – كما قال ابن إياس – وحين ولاه السلطان قنصوه الغوري وكالة بيت المال، ونظر الأوقاف، وديوان الوزارة، صارت الكلمة له، وأدخل الرعب في قلوب الناس بسبب تعدد مظالمه، وقال عنه الناس: 

  أقول له إذ طيشته رياسة رويدك لا تعجل فقد غلط الدهر

ترفّق يراجع فيك دهرك رأيه فما سُدت إلا والزمان به سُكر

وبعد أقل من عام لقي الرجل مصير أمثاله، وأصدر السلطان مرسومًا بتصفية أمواله ودقّ أصابعه وحرقها، ثم شنقه على باب زويلة حيث ظل معلّقًا ثلاثة أيام.

باب زويلة

وكثيرًا ما كتب الشعراء عن تلك المناصب التي يبلغها الطامعين بالرشوة ويركضون سنوات ليصلوا إليها ويُعزلون منها سريعًا، كما يقول ابن الوردي: «يخسر المرء ماله ويقاسي تعب الدهر والولاية شهر».

ويمكن القول إن الفنون الشعرية التي شاعت بين العامة وكان بينها الموشح والزجل و«الكان كان»، كانت تعتمد في انتشارها – كما يقول الدكتور محمد رجب النجار– على الإلقاء الشفوي، ولهذا تفتقد لكثير من جمالياتها عند الكتابة، بسبب عدم معرفتنا لألحانها وطرق غنائه، فقد كان لكثير من الشعراء الشعبيين معرفة بالموسيقى وقدرة على الأداء، وإلى جانب الشعر والنثر فقد ازدهر الأدب الشعبي في عصر المماليك بشكل عام، وظهرت السير الشعبية وخيال الظل، التي تحكي كلها ما قاساه الشعب من حكامه. 

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
مساجد القاهرة «الحرام».. قصصٌ من عصر المماليك الغائب الحاضر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد