أُرهق المواطن محمود عوض – 32 عامًا– وهو يبحث مخاطرًا بحياته عن كوب من الزبادي لصغيرته ليان – عامين ونصف– كي تسد به رمقها، فهذا الرجل لم يجد في كل المحال التجارية والبقالة القريبة من مكان سكنه في حي الشيخ رضوان أي من هذه الألبان التي اعتادت ابنته عليها كطعام يومي لها .

يقول الرجل: ”نفتقد الأساسيات في الغذاء، لا نجد الخبز ولا الماء والخضروات ولا حتى البيض، وحتى الأطعمة المثلجة المخزنة أفسدها انقطاع التيار الكهربائي، كل طعامنا الآن يعتمد على البقوليات، وأخشى أن تصبح غزة مخيم اليرموك بسبب الحصار الخانق مع استمرار الحرب”.

يشير الرجل إلى أنه اضطر بالأمس للوقوف خمس ساعات وسط طابور طويل من الناس من أجل الحصول على الخبز في مخبز “العائلات”، ويقول أن الناس تقف وفوقها الطائرات الحربية الإسرائيلية من أجل توفير الخبز لأبنائها .

فبعد 26 يومًا من العدوان المستمر على قطاع غزة أصبح أهالي غزة يعانون من أوضاع اجتماعية واقتصادية مأساوية، وتفقد المنازل الفلسطينية الآن الاحتياجات الأساسية من مأكل ومشرب وغاز الطبيعي ووقود، ويتسبب انفصال التيار الكهربائي عن أغلب مناطق قطاع غزة في الكثير من المعاناة لأسر قطاع غزة .

افتقاد الماء

يُعتاد الآن على مشهد اصطفاف العشرات أمام بئر سبيل أو خط مائي واحد في مدن ومخيمات وبلدات قطاع غزة، فيما يتعلق بالماء المستخدم في المنازل ضربت قوات الاحتلال العديد من خطوط الماء لذا انقطع الماء عن غالبية المنازل الفلسطينية .

تقول السيدة أم مصطفي من حي النصر: ”نعاني كثيرًا من قلة الماء، نقضي جل وقتنا الآن في توفير الماء، خاصة أن لدينا نازحين في بيتنا وهذا يضاعف حاجتنا للماء، فأطفالي وزوجي طيلة اليوم يبحثون عن ماء وخبز، حالنا لا يوصف، أخاف أن يحترق أحد أبنائي فلا أجد ماء أُبَرّد به حرقه هذا“.

وفيما يتعلق بماء الشرب فالمأساة أكبر، فبسبب ارتفاع نسبة الملوحة في الماء يضطر جميع أهالي غزة إلى شراء الماء العذب الذي تقوم بتوزيعه عربات تعبئة، في منطقة “الشواهين” شمال قطاع غزة، الناس لا تجد قطرة ماء تشربها أو تستخدمها، وفي استغاثة عاجلة عبر الإذاعة المحلية أرسل الناس لهذه المنطقة عربة ماء للاستخدام بينما عجزوا عن إيصال الماء العذب، السيدة أم محمد الشريف، تقول إنهم يفتقدون ماء الشرب الآن وتسأل الله الكريم أن يتمكنوا من توفير ولو القليل منه من أجل صغارها وكبار السن الموجودين في المنزل.

ويقول أبو شادي موزع ماء، أن محطات التحلية تعطلت في غالبها بسبب فصل الكهرباء عن أغلب مناطق قطاع غزة وبسبب تخوف الموزعين أيضًا من الوصول إلى الكثير من المناطق.

مأساة في اللجوء

غزة المكتظة جدًا بالسكان تكتظ فيها الآن أماكن اللجوء بحال لا يُحتمل، ففصل دراسي في مدرسة تابعة لوكالة الغوث لتشغيل اللاجئين يتواجد به 45 شخصًا، ووفقًا لتقديرات “أونروا”، فإن عدد النازحين إلى مدارسها منذ بدء العدوان الإسرائيلي يصل إلى أكثر من 80 ألفًا، موزعين على 61 مدرسة في جميع محافظات غزة .

واحدة من هؤلاء النسوة في تلك المدارس الأرملة أم العبد العطار، نزحت من منطقة العطاطرة شمال القطاع منذ أيام، ولجأت مع عائلتها المكونة من أربع بنات وثلاثة شبان إلى صف في مدرسة تابعة للوكالة. تقول أم العبد: “اصطحبت معي البطاقات الشخصية وبعض الملابس التي لا تكفينا، وكنا نظن أن الحرب لن تطول، كما اعتقدنا أن أونروا ستساعدنا في الملابس والفرش والبطانيات، إلا أن مساعداتها كانت قليلة، ولا تكفي للأعداد الكبيرة التي نزحت من بيوتها”.

أيضًا الفلسطيني شرف الرملاوي (43 عامًا) لجأ إلى مدرسة تابعة للوكالة، يقول الرجل إن بعض العائلات تضطر للجلوس والنوم على “كراتين”، نظرًا لقلة الفرُش في المدرسة.
ويضيف: ”مياه الشرب شحيحة جدًا، والمواد الغذائية قليلة جدًا، ولا تكفي لسد جوع الصغار والكبار”.

فتاة لاجئة مع أسرتها تحمل شقيقتها في مدرسة تابعة للأونروا

حافة الهاوية

لم يجد مدير منظمة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) بيار كرينبول، قولاً أبلغ من أن “الفلسطينيين في قطاع غزة باتوا على حافة الهاوية”. وذلك خلال استغاثته بالمجتمع الدولي لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة هذا الوضع البالغ القسوة حسب وصفه .

ويقول كرينبول أنه مع وجود نحو 220 ألف فلسطيني في مراكز الأمم المتحدة في غزة، تزداد الأوضاع المعيشية في هذه الملاجئ سوءًا يومًا بعد يوم، مشيرًا إلى مخاطر انتشار الأمراض خاصة مع توقعه لموجة نزوح جديدة إلى مراكز الأمم المتحدة المكتظة، وقال “لقد بلغنا حدود قدرتنا على استقبال النازحين.”

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد