كان أحد الأهداف المعلنة للتحديث الأوروبي إنقاذ النساء من التسلط الأبوي في مجتمعاتهن الشرقية، خاصة المسلمات، إلا أن الحداثة واقتصاد السوق جلبا معهما النقيض لنساء الصعيد في مصر، ومزيدًا من القمع والموت أحيانًا، وفقًا لزينب أبو المجد، أستاذة تاريخ الشرق الأوسط بجامعة أوبرلين الأمريكية. في السطور التالية نتناول كيف شرع القانون في مصر في التحول ضد النساء منذ عهد الخديوي سعيد، بعد أن كن يتمتعن بجميع حقوق الميراث المنصوص عليها في الفقه الإسلامي، استنادًا لما ترويه زينب في كتابها «إمبراطوريات متخيلة: تاريخ الثورة في صعيد مصر». 

وكيف أضرت بعض القوانين بآلاف النساء، بداية باللائحة السعيدية التي حرمت النساء من الحق في السيطرة على حيازتهن الزراعية، وحتى قانون الملكية الخاصة الذي صدر عام 1869، وحرم النساء من وراثة الأرض الزراعية، وكان مجرد محاكاة لقانون الإرث البريطاني وقتها، وكيف عمدت النخبة الصاعدة في مصر وقتها إلى محاكاة تلك القوانين الإنجليزية بإصدار سلسلة من القوانين المشابهة بين خمسينات وثمانينات القرن 19، وكيف قاومت النساء ذلك الأمر الذي أدى إلى قمعهن من قبل ذويهم، وتطور لقتلهن أحيانًا.  

على أعتاب الحداثة  

ظهرت فكرة الحداثة في أواخر القرن الـ19 وأوائل القرن الـ20، وكان هدفها كسر التقاليد؛ فالحداثة هي نقيض القديم والتقليدي. ولم تكن مذهبًا سياسيًا أو تربويًا أو نظامًا ثقافيًا واجتماعيًا فحسب، بل كانت حركة نهوض وتطوير هدفها تغيير أنماط التفكير، والعمل، والسلوك.

ويتفق معظم المؤرخين أن الحداثة تشكلت في مصر مع مشروعات محمد علي باشا، ومن قبله الاحتلال الفرنسي، ومن بعده الإنجليزي. في حين يقول المفكر الأمريكي بيتر جران: «إن تاريخ مصر الحديث بدأ في القرن 16، الذي شهد دخول العثمانيين مصر في عام 1517». ويرى أيضًا «أن الحداثة بدأت في مصر منذ عهد الخديوي إسماعيل، وليس مع الحملة الفرنسية كما يقول البعض». واستدل جران على أن الحداثة بدأت من عهد إسماعيل باشا مع تغيير نظام ملكية الأرض قانونيًا في عهده.

ومع هذا يبدو أن الحداثة تشكلت في مصر عبر عملية تاريخية طويلة، قد تكون بدأت مع بدايات دخول العثمانيين إلى مصر، ثم تكثفت بوضوح مع عهود الاستعمار، حتى بلغت ذروتها مع تولي محمد علي ومن تبعه من أسرته. ويعتقد الباحثون أن الفترة الانتقالية فى التاريخ الأوروبى الممتدة من عام 1500 إلى عام 1800، وهي الفترة التي شهدت نهاية عهد الإقطاع في أوروبا ودخول مرحلة الرأسمالية، أصبحت المادة الرئيسة لدراسة تطور النظرة لدور المرأة في المجتمع؛ لأنها تشكل تاريخيًا نهاية الثقافة التقليدية إلى عصر الحداثة.

تاريخ

منذ شهرين
بدر الدين الجمالي.. قصة المملوك الأرمني الذي أنقذ مصر من الهلاك

وفي حين يجادل بعض النسويون المعاصرون بأن النساء المسلمات معرضات للخطر والضعف الشديد داخل مجتمعاتهن، وأسرهن. لذلك كان لا بد عن حمايتهم بواسطة الدولة العلمانية، أفضل حامي لحقوق المرأة، بفضل فصلها التام بين الدين والقانون. أكد أيضًا المستشرقون الأوروبيون في القرن الـ19 بثقة أن عملية التحديث؛ ستؤدي بلا شك إلى تحسين حياة النساء المضطهدات في المجتمعات التقليدية الأبوية، إلا أن هذا لم يكن الحال دائمًا وخاصًة عند تقديم القانون الجديد للملكية الخاصة في مصر عام 1869. 

قوانين مصرية بروح بريطانية

شرع النظام القانوني في مصر في التحول ضد النساء، منذ عهد سعيد باشا. خلال السنوات الأولى من حكمه، وقبل إصدار اللائحة السعيدية عام 1858 تمتعت النساء بجميع حقوق الميراث المنصوص عليها في الفقه الإسلامي والقوانين المدنية. وتمتعت النساء في قنا بالأهلية القانونية التي خولت لهن الحق والقدرة على رفع قضايا في المحاكم الشرعية ضد محاولات حرمانهن من ميراث الأراض.

على سبيل المثال، تروي زينب في كتابها عن إدارة سيدة تدعى فاطمة، وهي إحدى نساء الصعيد، لخمسة أفدنة، هي مقدار ما ورثته مع ابنها وبناتها من زوجها المتوفى. أجرت فاطمة هذه الأفدنة لفلاحين زرعوها، ودفعت الضرائب عنها في صعيد مصر لمدير قنا، وحين حاول ابن عم أولادها وضع يده دون وجه حق عليها، رفعت شكوى ضده لمفتش عموم قبلي، الذي أيد حقها في الاحتفاظ بالأرض، شرط أن تزرعها وتدفع خراجها بانتظام، وهو ما التزمت به السيدة استنادًا لصادر «عرض حالات» تفتيش الأقاليم القبلية.

ولكن تقوض نظام العدالة هذا بتطبيق اللائحة السعيدية، التي بالرغم من إتاحتها للنساء الحق في ميراث الأرض، إلا أنها حرمتهن الحق في السيطرة على حيازتهن الزراعية. نصت اللائحة السعيدية، في محاكاة لقانون الميراث الإنجليزي، على تسجيل الأرض للرجل المتوفى باسم أكبر أولاده الذكور الذي يعيش في المنزل فقط، واستهدفت هذه المادة الحفاظ على الملكية تحت الرجال الأكبر سنًا، ومنع تفتيت الحيازات الزراعية بين الورثة. وسمحت اللائحة للنساء بالتمتع بميراث الأرض، لكن حرمتهن من الحق في تسجيل الأرض بأسمائهن. 

وكان أكبر أبناء العائلة أو أرشد ذكور العائلة مسئولًا عن زراعة الأرض ورعاية الأسرة، ودفع الضريبة. وكان عليه أن يحتفظ بقائمة تذكر نصيب كل فرد من أفراد العائلة في عائد الأرض، طبقًا لنصيبه في الميراث، رجالًا ونساءً. وأجبر القانون النساء اللاتي امتلكن حيازات زراعية على تغيير عقودها، وفقًا لنصوص القانون الجديد، حتى وإن التزمن بدفع ضرائبها. 

وفي عام 1858 عُدلت اللائحة السعيدية ليصبح الإرث مورثًا وفقًا للشريعة الإسلامية، وأصبحت الأراضي تُكلف باسم أولاد وبنات صاحب الأثر على السواء. ولكن في عام 1869 أصدر «مجلس شورى النواب» البرلمان الجديد الذي شكله إسماعيل باشا، قانونًا يحرم النساء كليًا من الميراث في الأرض الزراعية. 

وكان يعد ذلك المجلس بالأساس مكانًا لدعم نفوذ ملاك الأبعديات والعزب من العائلات، وترسيخ النظام الأبوي؛ إذ شغل مقاعده كبار الموظفين الحكوميين، وأعيان القرى، وانتمى غالبية أعضائه إلى كبرى العائلات المالكة للأراضي الزراعية عبر البلاد. ومارست مصالح النخبة من الرجال نفوذًا كبيرًا على عملية صناعة القانون في تلك المؤسسة التشريعية الناشئة.

تدخلات النخبة الذكورية في صياغة القوانين

مع تزايد الهيمنة البريطانية في شمال مصر، وما ترتب على ذلك من التوسع في زراعة القطن؛ ارتقت سياسيًا بعض عائلات الدلتا التي راكمت الثروات عبر التجارة في ذلك المحصول النقدي، وشكلت عائلات الدلتا الوحدة السياسية الرئيسة في نظام أبوي مستجد آخر آخذ في النمو. وأضحى الرجال من كبار العائلات المالكة للأرض الزراعية يشغلون المناصب العليا في الدولة، وأصبحوا أيضًا النخبة التي تصوغ وتصدر القوانين في المؤسسات التشريعية، وتحديدًا مجلس الأحكام والبرلمان.

وتقول الباحثة زينب أبو المجد: «إن هؤلاء الرجال ضغطوا على الحكومة من أجل إصدار تشريعات تحرم النساء من حقوق الميراث في الأطيان، وفي ذلك الوقت لم تكن تسمح القوانين البريطانية بتوريث الإقطاعيات الزراعية إلا للابن الأكبر من العائلة، دون تقسيمها على الورثة، وكانت فتيات العائلة وذكورها الأصغر يحصلون على رواتب سنوية من أملاك مورثهم، دون الحق في امتلاك أجزاء منها».

وعمدت النخبة الصاعدة في مصر لمحاكاة تلك القوانين الإنجليزية، بإصدار سلسلة من القوانين المشابهة بين خمسينات وثمانينات القرن 19، إلا أن قانون الخديو إسماعيل عام 1869 كان الأكثر قمعًا للنساء من وجهة نظر الباحثة؛ إذ حرم بموجبه النساء من وراثة الأرض الزراعية، وهو الحق الذي منحته الشريعة الإسلامية لهن، وظل معمولًا به لقرون طويلة. وكان القانون الجديد مجرد محاكاة لقانون الإرث البريطاني وقتها.

وكان أعضاء مجلس الأحكام الذي أصدر اللائحة بالأساس رجالًا من نخب العائلات المحلية، وموظفين أتراك في مناصب رفيعة، وضباط من الجيش والشرطة، ومفتي الدولة، ورجال الفقه البارزين. وتشكلت في وقت لاحق مجالس الأقاليم، التي شملت في عضويتها شيوخ القرى والعمد، واختصت بمهمة الفصل في المنازعات المحلية، على أن ترفع المنازعات التي لم تحل بها إلى مجلس الأحكام في القاهرة، الذي مارس دور المحكمة العليا إلى جانب سلطته التشريعية. 

وفي أغلب الأحيان صدرت القوانين الجديدة، أو عُدلت القوانين القائمة، كرد فعل على نزاعات محلية عجزت مجالس الأقاليم عن الفصل فيها؛ ما مكّن نخب الرجال في المناطق المختلفة من تمرير مصالحهم وتصوراتهم في عملية صناعة القوانين. وعندما تقدم بعض أعضاء البرلمان باقتراح مشروع قانون، يسمح للنساء بأن يرثن فقط العقارات وأنواع الملكية الأخرى؛ ما يعني استئثار أعضاء العائلة من الذكور فقط بحق ميراث الأطيان والأراضي الزراعية؛ صوت بالموافقة جميع الأعضاء الذين علقوا على القانون. 

تاريخ

منذ شهرين
قطر الندى.. قصة العروس التي أفلست الخزانة المصرية

وكانت مبرراتهم: الحفاظ على الملكية الواحدة في الأراضي من التفتت عند تقسيمها أولًا، وثانيًا أن النساء لا يملكن القدرة على الزراعة، وقال النواب: إن «مثل هذا القانون سيدعم الوضع الاقتصادي والاجتماعي لرب الأسرة، وسيُعزز من رفاهيته، وسُمح للوريثة الأنثى أو الأخت الكبرى في العائلة أن تسيطر على أطيانها فقط عندما لا يتواجد وريث ذكر على قيد الحياة»، وحتى في تلك الحالة أجبرها القانون على تعيين وكيل رجل ينوب عنها في إدارتها، مثل زوجها. وقد وافق الخديوي على مشروع القانون، وأصدره في العام نفسه، أي عام 1869. 

ثورة نساء الصعيد.. ما خفي كان أعظم

عمل القانون على إخضاع النساء لأقربائهن الرجال، ورفضت بعض نساء الصعيد في قرى قنا الإذعان لهذا القانون المجحف؛ فرفعن القضايا أمام المحاكم. ودعم القضاة المحليون سلطة الذكور المسيطرين على الأرض. ولم تجن نساء الصعيد الطامحات لاستعادة حقوقهن سوى الاعتداء البدني العنيف عليهن من ذويهن، وهو ما تطور أحيانًا إلى إطلاق النار عليهن مثلما حدث مع إحدى نساء الصعيد «ست الأهل بنت عوض»، التي عاشت هي وأختها في بيت أبيها الراحل، قبل أن يطلق عليها أبناء أخيها النيران احتجاجًا على سيطرتها على ميراث الأسرة، كما تروي زينب في كتابها استنادًا إلى سجلات مضابط مجلس الأحكام.

وخلال تلك السنوات الحالكة، شهدت محافظة قنا (إحدى محافظات صعيد مصر) حالات قتل غامضة ومتكررة لنساء الصعيد. ومع أن هذه الجرائم صُنفت في سجلات الدولة بوصفها جرائم شرف، إلا أن تكرار الجرائم يرجح وجود أسباب أخرى وراءها، ويرجح أن تكون متعلقة بالصراع على ملكية الأرض. 

جرت العادة أن تسجل جرائم الشرف تحت أسباب مختلفة؛ لإعفاء مرتكبها الذكر من العقاب الجنائي مراعاة للأعراف والتقاليد، مثل تسجيلها حادثةً عرضية لاشتعال النيران في المرأة، أو غرقها في الترعة، حتى تُغلق القضية دون التحقيق فيها، ويُترك الجاني حرًا طليقًا. وبشكل ضمني غير معلن لم تعتبر الدولة جرائم الشرف قضايا قتل حقيقية.

وفي أثناء تلك الفترة تكرر العثور على جثث طافية لنساء الصعيد فوق مياه الترع، أو جثث محروقة في المنازل، في عدد كبير من القضايا المقيدة في السجلات الحكومية، وأصرت عائلاتهن على أنهن توفين في حوادث عارضة، وكان القاضي يفهم ضمنًا أنها حالات قتل شرف، ومن ثم يغلق القضية. في حين قد يوحي هذا التكرار غير المسبوق لمثل هذه الحوادث بشيء آخر، فربما قتل ذكور العائلة هؤلاء النسوة بسبب النزاع على الأرض، ولكنهم لجأوا لحيلة الإيحاء بأنها جرائم شرف لتجنب العقاب، وفقًا لما ترويه زينب استنادًا لما اطلعت عليه في صادر مديريات قنا وإسنا. 

المصادر

تحميل المزيد