6,056

في عالم كالذي نعيش فيه اليوم، تحاصرنا الأخبار الزاخرة بعدد القتلى ولون الدماء، قد تستيقظ كل يوم على خبر عن مقتل مئات أو أكثر في سوريا أوالعراق، يمر عليك آخر عن عملية إعدام جديدة قام بها تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، إما حرقًا لأحد الطيارين المأسورين، أو ذبحًا لعدد من المصريين المغتربين في ليبيا.
على مواقع التواصل الاجتماعي تنتشر صور لأشلاء أطفال، لم تعد تعلم إن كانت من سوريا أو غزة أو في ليبيا إثر الضربة العسكرية المصرية. خبرٌ آخر عن مقتل العشرات خنقًا في عربات الترحيل، أو في مباراة لكرة القدم.


يُقتَل الآلاف، فيرقص البعض على دمائهم، أو يصمتون في أفضل الأحوال. ويموت كلب فتقوم الوقفات تنديدًا بقتله، باسم “الإنسانية” التي ماتت في القلوب. “الإنسانية” التي يدّعي الجميع وصلًا بها، ويلصقونها في خطاباتهم في أحداث انتقائية، اختاروا أن يكون لهم رد فعل فيها، يصلح أن يكون باسمها، ويتنكرون منها في أحداث أخرى باسم العقلانية والمصلحة.

تاريخيًّا، لطالما شغلت ردود أفعال المجتمع تجاه جرائم الدولة علماء الاجتماع؛ في محاولة لتفسيرها، والبحث عن الأسباب التي أدّت بهم لاتخاذ مثل هذه المواقف، لا سيما مواقف اللامبالاة الأخلاقية، والصمت على الجرائم، والتأييد والمشاركة غير المباشرة في ارتكابها.


من هذه المحاولات، كتاب “الحداثة والهولوكوست”، لزيجمونت باومان، الذي تناول فيه الإبادة النازية لليهود والمعروفة بالهولوكوست، وعلاقتها بالحداثة، وأدواتها؛ وتقوم أطروحته على إثبات أن “الهولوكوست” لم يكن حالة شاذة عن المجتمع الغربي، قام به مجموعة من المرضى الأشرار، بل هو نتاج طبيعي للحضارة الغربية، وما أفرزته من حالة على مستويي “الدولة والمجتمع”، فلم تكن هذه الإبادة لتحدث لولا مشاركة المجتمع فيها.

نحاول ها هُنا التعرّض لأهم الأسباب التي ذكرها باومن في كتابه، وقد تؤدي إلى صمت المجتمع تجاه الجرائم التي تُرتكب في حق الآخرين، داخل حدود دولته أو خارجها، بل والمشاركة أحيانًا، بصورة غير مباشرة؛ في ارتكاب هذه الجرائم.

1- تجريد الضحية من الصفات الإنسانية، وتلاشي الإنسان وراء الأرقام والتعريفات والأيديولوجيات

من أهم الحيل التي تلجأ إليها الدولة في إطار سياساتها الاستبدادية، وتسويغ ارتكابها للجرائم بحق الآخرين، هو تجريد الضحايا من الصفات الإنسانية. وهي الحيلة التي تنتقل تلقائيًّا فيما بعد إلى المجتمع الذي يبدأ في النظر إلى الضحية من منظور غير إنساني، يجعله يتقبّل ارتكاب هذه الجرائم، بل ويفوّض لارتكابها ويشجع عليها.

يساهم في ذلك الآلة الإعلامية، التي تنظر إلى الضحايا، في أفضل الأحوال؛ كمجموعة من الأرقام في الأخبار اليومية، أو كمجموعة يتلاشى فيها الإنسان وراء “تعريف”، أو “أيديولوجية” ما. فتصفه تارّة بالإرهاب، وتارة أخرى بصفات حيوانية، تجعل منه “إنسانًا مستباحًا”. وهو ما يؤدي بالضرورة إلى حالة من اللامبالاة الأخلاقية لا تستطيع أن ترى الإنسان الضحية، بل ترى مجموعات من أرقام وتعريفات وأيديولوجيات، ومواقف وردود أفعال تجاه هذه المجموعات لا الفرد فيها، ولن يستطيع الفرد، في نظام الدولة القائم؛ أن يبرز حقيقته الإنسانية أمام المجتمع على حساب المجموعة.

إلا أن الأمر لم يتوقف على تجريد الإنسان من الصفات الإنسانية، بل وصلت إلى إلصاقها بالحيوان؛ والذي صار، في نظر البعض؛ أكثر إنسانية من “الإنسان المستباح”، الذي بدوره يستحق القتل.


هذه الانتقائية في نزع الصفات الإنسانية، وإلصاقها، تسمح بوجود حالة من إعلان التعاطف، والتنديد بالجرائم، تشبع حاجة المجتماعات وربما القتلى أنفسهم، في إثبات إنسانيتهم، ففي النهاية مَن يرتكب الجريمة أو يشجع عليها ليس مريضًا ولا شريرًا بصورة مُطلقة.



2- كل ما تقوم به الدولة هو “واجب” في خدمة شعبها

  • ترتكب الدولة جرائمها من خلال عملية تنميطية، تقوم على أوامر تفويضية مرحلية ووساطة الفعل، تضفي على العمل صفة تنظيمية رسمية، يصعب معها النظر إليه كعمل همجي يقوم به مجموعة من القتلى. فتزاحم مجموعة من الشباب، على سبيل المثال؛ لدخول مباراة لكرة القدم بدون تذاكر، هو عمل همجي يستحق المواجهة، لكن مواجهته ولو بالقتل فواجب تقوم به مجموعة من أفراد الدولة؛ حفاظًا على الأمن وتحقيقًا للنظام.
    من جانبها، تقوم الدولة باحتكار تحقيق الأمن، والاستقرار، وتوفير حاجات الإنسان الأساسية التي تمكن المواطنين من العيش في كنفها، هذا الاحتكار ساهم في وجود عِصمة ما للدولة ولأفعالها، فكل تهديد لها هو بالضرورة تهديد للبنية التحتية ولأمن مواطنيها واستقرارهم ولحاجاتهم الأساسية، وكل فعل تقوم به الدولة في سبيل الحفاظ على هذا الاستقرار هو من قبيل تأدية الواجب، والعمل من أجل الشعب ولخدمته.

  • لذلك، قد يقبل المواطن التضحية بمجموعة من المواطنين، ليجد الآخرون قوت يومهم، ويؤيد إبادة الدولة لأقلية من الشعب؛ حتى تعيش الأغلبية.
  • 3- المسافات وإنتاج العمى الأخلاقي

    يتناسب شعورنا بالضحية تناسبًا عكسيًّا مع المسافات بيننا وبينه، فنحن نشعر أكثر بمعاناة الآخرين من خلال أعيننا ورؤيتنا لهم ولمعاناتهم، وقد يكون من الصعب أن نؤذي شخصًا قريبًا منّا، قُربًا فيزيائيًّا خاصًا بالمكان، أو قربًا معنويًّا خاصًا بعلاقتنا معه، ومدى معرفتنا به. وهذه المسافات تؤدي إلى خلق حالة من اللا مبالاة والعمى الأخلاقي عن الجرائم المُرتكبة.

    تساهم العزلة الإرادية التي تختارها المجموعات من خلال التباعد الاجتماعي، أو القسرية التي تفرضها الدولة عليهم، في زيادة المسافات، وتكريس حالة نزع الصفات الإنسانية ووصفهم من خلال المجموعة لا الفرد، كما يساهم النظام الهرمي البيروقراطي للدولة، في زيادة المسافات بين المفوّض والمؤيد وبين الفاعل الحقيقي للجرائم، فمرتكبها لا يرى نفسه سوى أداة لتنفيذ أوامر الدولة العُليا، التي بدورها لا ترى نفسها الفاعل المباشر لهذه الأفعال، أمّا المواطن الذي يؤيدها، ويفوّض السلطات لارتكابها، لا يرى نفسه مسؤولًا عنها، فالدولة، التي قامت بزيادة المسافات بينه وبين الضحايا بوسائل شتى، قد قامت بها بالنيابة عنه.


  • في بعض الأحيان، يختار الفرد بملء إرادته هذه العزلة، فهو إما رافض لهذه المجموعات، متخوّفًا منها، أو أنه لن يستطيع تحمّل تكلفة القرب من معاناة الآخرين، والإحساس بها.
  • 4- من الخوف المرضي من الآخر والعنصرية إلى الإبادة

    يرى أندرييه تاجييف أن مفهوم الخوف المرضي من الآخر المختلف، والعنصرية، مفهومان متردافان، وحدد لهما ثلاثة مستويات، الأول: “العنصرية الأولية”، والتي تكون رد فعل طبيعي على وجود إنسان غريب في وسط ما، وقد تؤدي هذه الغرابة إلى الكراهية، وأحيانًا إلى العنف والعدوانية. ثم المستوى الثاني: فهي العنصرية ذات التسويغ العقلاني، حينما يبدأ المرء في وضع أسس منطقية لهذه الكراهية؛ يفسر فيها موقفه تفسيرًا عقلانيًّا، فيرى أن الآخر يمثل تهديدًا له ولبقائه، ويكون الآخر إما جماعة تتحالف ضدّه مع قوى الشر، أو السبب في كل الكوارث في العالم، أو تفتقر للمبادئ الأخلاقية. أما المستوى الثالث فهو الذي يمثّل حالة “جنون الاضطهاد”، وتتسم بخطابها الإقصائي للآخر، وإسقاط حقوقه وأهليته.

    بالنسبة لباومان، فبالرغم من ادعاء العالم القدرة على تحسين الأوضاع الإنسانية، وسعته للجميع، وتجاوزه للعنصرية على أسس عقلانية، تأتي هذه الأسس العقلانية؛ لترفض جماعات بعينها، وترى فيها عيوبًا لا يمكن إصلاحها ولا تتفق مع النظام العقلاني. فتقوم بعملية “فصل” لجماعات بعينها، بحجة أنه لا سبيل لإصلاحها، لتظل جماعات غريبة للأبد.


  • هذه النظرة العنصرية، والخوف المرضي من الآخر، وحالة “فصل” الجماعات عن المجتمع، تؤدي بالضرورة إلى تأييد إلى عمليات الإبادة التي تخدم الفصل، كما تؤدي إلى حالات فردية من العنف تجاه الآخر المختلف؛ خوفًا منه، أو ظنًّا بأنه سبب شرور العالم.

     5- الانزلاق إلى لعبة الدور أو بداخل كل منّا “فاشي” يتنظر الفرصة المناسبة للخروج

  • هل مَن يقومون بعمليات القتل والإبادة أشخاص أشرار مرضى، يميلون إلى العنف وإلحاق الأذى بالآخرين؟ أم أنهم أشخاص طبيعيون وجدوا الفرصة سانحة أمامهم في بيئة تسمح لهم بممارسة الشر؟هل القسوة حالة اجتماعية أم سمة من سمات الشخصية؟
    كانت الإجابة في نتائج تجربة قام بها فيليب زيمباردو، وتم تصويرها في فيلمين باسم “التجربة”؛ حيث تم تقسيم المتطوعين إلى فئتين، فئة تلعب دور السجناء، وفئة تلعب دور حراس السجن، وتم تهئية الظروف لإهانة السجناء وتجريدهم من كرامتهم الإنسانية، مع السماح للحراس بممارسة القمع بما تملي عليهم طبائعهم وشخصياتهم، وتم التأكد من عدم وجود أي شيء غير طبيعي في تصرفات هؤلاء المتطوعين.

  • كانت النتيجة هي تمادي الحراس في إذلال المساجين، حتى اقتنعوا بعدم إنسانية السجناء، وقاموا بابتكار أساليب غير إنسانية وأكثر قسوة، وهو ما أدى لتوقف التجربة؛ خوفًا من إحداث ضرر لأجسام المشاركين وعقولهم.

  • أدّت هذه النتيجة لاعتقاد مراقبي التجربة أن معظم الناس يعيش بداخلهم شخص فاشي، ينتظر الخروج في اللحظة المناسبة، وأن كل إنسان طالما لديه استعداد كامل للعنف، يمكن استثارته تحت ظروف معينة.

  • إلا أن أشد ما أسفوا له، “السهولة التي ينزلق بها معظم الناس إلى الدور الذي يتطلب القسوة أو على الأقل العمى الأخلاقي- فقط في حالة وجود سلطة عليا تدعم هذا الدور وتضفي عليه الشرعية”.

    أقرأ أيضًا: 

  • كيف ترسخ النظم القمعية أفكارها؟.. الأساطير السبعة المؤسسة لدولة القمع
  • صناعة الخوف: الاستراتيجيات العشرة للحكومات لنشر الخوف في صفوف الجماهير
  • 10 أسباب تخبرك لماذا عليك ألا تثق في وسائل الإعلام

تعليقات الفيسبوك