أجبر الناس على أن تحبه، حتى منافسيه الذين أوجعهم بلكماته القاضية أحبوه، إنه محمد علي كلاي، الأسطورة الرياضية والملاكم المحترف، الذي أخذ الملايين من معجبيه يجمعون صوره وهو يُسقط أحد منافسيه بالضربة القاضية، وقد كُتب تحتها «أطير كالفراشة، وألدغ كالنحلة».

تدين الملاكمة بجزء كبير من شعبيتها إلى محمد علي، الذي جذب مشجعي كرة القدم إليها فترة الستينيات، والإنسانية أيضًا مدينة لعلي بمواقفه المُناهضة للعنف والعنصرية، من ذلك رفضه الالتحاق بالجيش في حرب فيتنام، لاعتراضه عليها.

الملاكم الأمريكي صاحب الأصول الأفريقية، الذي ولد مسيحي الدين، ثم اعتنق الإسلام، كان داعيًا وملهمًا عظيمًا، فمحمد علي، الذي كان يقضي وقته الأخير في مشاهدة إعادة مبارياته الأثيرة على جهاز تلفاز بحجم سينما صغيرة في منزله، وفضل «نزال في الأدغال» مع فورمان، و«الضربة القاضية في مانيلا»، كان أيضًا مُدافعًا شرسًا عن حقوق الإنسان، ومقاومًا للعنصرية.

وقبل يومين، في الرابع من يونيو (حزيران) 2016، قضى محمد علي نحبه، بعد أن أُدخِل المستشفى للمرة الأخيرة، بسبب مُشكلة في التنفس، وكان المرض قد استشرى في جسده.

محمد علي.. أبٌ وزوج

ولد الأمريكي ذو الأصول الأفريقية، محمد علي، في لويزفيل بولاية كنتاكي الأمريكية، في 17 يناير(كانون الثاني) عام 1942 لأسرة مسيحية، وكان اسمه «كاسيوس مارسيلوس كلاي جونيور»، ورغم أنه تلقى تعليمًا محدودًا، إذ تخرج من الثانوية العامة، إلا أنه تمتع بسعة اطلاع.

غير اسمه إلى محمد علي عندما أسلم عام 1965، كان ذلك في أوج انتصاراته الرياضية في الملاكمة. يقول الناقد الرياضي خالد أبو زاهر: «تابعت محمد علي مطلع السبعينات، كان العالم كله يُتابع كرة القدم، لكن كلاي جعل أيضًا من لعبة الملاكمة لعبة شهيرة. لقد جمع محبي الرياضة حوله كونه بطلًا مميزًا بأخلاقه قبل أن يكون مميزًا بأدائه».

ويضيف أبو زاهر لـ«ساسة بوست»، قائلًا، إن «محمد علي الذي تعرض لتجريد من ألقابه لأسباب متعلقة بالعنصرية، تمسك بقيمه ومبادئه، وبقي أسطورةً رياضيةً تمثل قدوة للعالم، ولأنه لم يكن يلعب على جراحات الخصم، وكان يتمتع بأخلاق عالية، وأصبح الملاكم الأكفأ والأكثر احترامًا في الساحة الرياضية».

على عكس النجاح في الحياة الرياضية، كان محمد علي زوجًا وأبًا فاشلًا، فقد تزوج أربع مرات، المرة الأولى عام 1964 من النادلة سونجي روي، لكنه طلقها بعد شهر واحد من الزواج، وفي 1967 عاود الزواج ثانيةً، وتزوج من بيليندا بويد، التي اعتنقت الإسلام وسمت نفسها «خليلة علي»، ورزق منها بمريم، والتوأم جميلة ورشيدة، وكذلك بابنه الوحيد محمد علي الصغير.
في عام 1975 تعرف إلى الممثلة وعارضة الأزياء، فيرونيكا بورش، ووقع في حبها، فطلق زوجته وأم أولاده الأربعة من أجلها، ليتزوجها في 1977، ورزق منها بابنة سماها حنة، وبثانية أصبحت أشهر بناته، وهي ليلى، التي امتهنت الملاكمة، لكنه طلق بورش ليتزوج من ابنة الجيران «لوني»، التي كان يعرفها منذ الصغر في لويزفيل.

لكن النقطة الأهم في حياة محمد علي هو أنّه كان مُقصرًا مع ابنه محمد، من الزوجة الثانية، فقد تركه منذ صغره دون أن يُشرف على رعايته. قال ابنه وقتها، إن زوجة كلاي الرابعة، هي التي وقفت وراء قطيعة الأب بابنه، بعد أن أبعدته عن حياته، ليعيش مع والدته في إحدى «الجيتوهات» المشهورة بتجارة المخدرات. هذا كله لا ينفي وجود محطات تقارب بين الأب وابنه، إذ كشف محمد علي الصغير، عن حديث ودّي مع والده، قائلًا: «قال لي إنه كان يخشى ما قد يحدث له في الآخرة، بسبب بعض الأشياء التي فعلها. وقلت له إنه مهما كان ما حدث، فقد كان في الماضي وانتهى، وإني ما زلت أحبه، وامتلأت عيناي بالدموع».

المرض يجعله أكثر حكمةً وصبرًا

«كان الكبر في نفسي يقول لي لا تذهب، تذكرت أنه في القرآن الكريم، من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر لا يدخل الجنة، وقد خِفت أن يحملني الكبر، على ألا آتي لبرنامجك، بسبب وضعي الحالي»، هكذا أجاب محمد علي، أحد مقدمي البرامج المتلفزة، عندما سأله عمّا إذا كان يزعجه قول الناس عنه إن اللكمات التي تلقاها أصابته بمرض «باركنسون» أو الرعاش، الذي أصابه منذ عام 1984. وأضاف أيضًا: «المرض امتحان من الله، الله يمتحنك في المال، يمتحنك في الألم»، فسأل المذيع: «هل أنت صامد أمام هذا الامتحان؟»، فأجاب محمد علي: «أنا أفعل ذلك الآن، بمجيئي لبرنامجك، ومواجهتك. لقد أتيت لأواجه أسئلتكم».

ربما لم يكن أحد من النجوم المشاهير، راضيًا عن مرضه بهذا الشكل، كمحمد علي، الذي يتصادف أنه يُوصف بالغرور، وهو القائل، إنّه «من الصعب أن تتواضع عندما تكون عظيمًا مثلي»، وكان يقول أيضًا: «إذا تجرّأت وهزمتني حتى في أحلامك، فمن الأفضل أن تستيقظ وتوجه لي الاعتذار». لكن كان لدى محمد علي وجهة نظر، في قضية الغرور والتواضع هذه، أوضحها بقوله: «أنا شخصية لطيفة في المنزل، لكنني لا أريد أن يعرف أحد ذلك، لأن المتواضعين لا يحققون نجاحات كبيرة».

مع هذا، كان لمحمد علي تأملاته الخاصة في حياته، وهي التأملات التي لا تخلو من بعض الحكمة وسعة الأفق والاطلاع، كما قوله: «ربما يكون الشلل الرعاش هو الطريقة التي استخدمها الرب ليعلمني ما هو الأهم. فقد جعلني أبطأ قليلًا مما كنت عليه، وجعلني أستمع أكثر مما أتكلم. وفي الحقيقة، أصبح الناس يهتمون بي أكثر لأنني لم أعد أتكلم كثيرًا».

اشتد المرض على محمد علي بدرجة كبيرة في 2005، وبدا مع ذلك أكثر رُشدًا وحكمةً. كان ذلك واضحًا في أحاديثه، وتصريحاته، وتصرفاته، فالآن أصبح جدًا حريصًا على التواصل مع حفيديه يعقوب وخليلة، وقد تَرك الولع بالنساء: «كانت مطاردة النساء تستهويني، لكن الشلل الرعاش وضع نهايةً لذلك. والآن لدي فرصة لأصعد إلى السماء».

مع هذا لم يكن محمد علي بعيدًا عن حالات الإحباط التي رأتها زوجته لوني، فرغم أنها أكدت أنه لم يفقد حماسه للحياة أبدًا، إلا أنها لمحت بعض الإحباط في حياته، إحباط لم ينل من إحساسه بمن يكون، وبمكانته في التاريخ، ولم ينل من الاعتداد بالنفس والكرامة لدى بطل العالم.

محمد علي الرياضي الأسطورة

امتلك قبضة سريعة، وخفة حركة، مكنته من أن «يُحلّق كفراشة، ويلدغ مثل نحلة»، كما قال هو نفسه عن نفسه. كان محمد علي أحد أبرز الملاكمين على الإطلاق، «رياضي القرن» كما لقبته شبكة «بي بي سي»، فقد فاز ببطولة العالم للوزن الثقيل ثلاث مرات، على مدى 20 عامًا، وكان أوج مجده في الستينيات، عندما بدأ ذلك العقد بحصوله على ذهبية أولمبياد 1960. وقال عقب هذا الفوز: «سوف أجعل الولايات المتحدة، الدولة الأعظم في العالم، فسأهزم روسيا، وسوف أهزم القطب الشمالي. ومن أجل الولايات المتحدة سوف أحصل على الميدالية الذهبية. وقال لي اليونانيون إنني أفضل من كاسيوس».

في واحدة من أشهر جولات الملاكمة، كانت بين محمد علي والملاكم سوني لستون، في بطولة العالم للوزن الثقيل بميامي بيتش، عام 1964، في هذه الجولة كانت كل التوقعات تصب في أن خبرة لستون ستقضي على محمد علي، ابن 22 عامًا، لكن سرعان ما أظهرت الحلبة تفوق محمد علي، الذي أجبر لستون على الاستسلام للكماته، قبل أن يحسم كلاي الأمر لنفسه بالضربة القاضية، في الجولة الأولى.

يُعدد لنا الصحافي الرياضي في شبكة «بي بي سي»، عمرو فكري، إنجازات محمد علي الرياضي، فيقول: «يمكن أن نختصر محمد علي بالأرقام، ونقول إنه حصل على ذهبية الملاكمة في أولمبياد روما 1960، وكان في الـ18 من العمر، وحصل ثلاثة مرات على بطولة العالم لأول مرة، وهو في الثانية والعشرين من العمر، وفاز على سوني لستون، الذي خسر أربع مرات في حياته، من ضمنها خسارتين من محمد علي».

وأضاف فكري: «بعد فوزه ببطولة العالم، طالبه لستون باللعب مرة أُخرى، وفي إعادة الجولة على لقب بطولة العالم، كسب محمد علي المعركة في دقيقتين و12 ثانية فقط»، مُشيرًا إلى أنه بعد عودته مُباشرة إلى ممارسة الملاكمة مرة أُخرى، بعد أن سُحب منه لقب بطولة العالم، حقق فوزًا جديدًا، وحصل على بطولة جديدة، بعد سبع سنوات من فوزه بالبطولة للمرة الأولى.

دافع عن الإسلام بضراوة

في ذروة الشهرة والمجد العالمي، في عام 1965، أعلن محمد علي كلاي اعتناق الإسلام، وانتقل بذلك كما قال، من عرش المُلك إلى خادم للدعوة الإسلامية. انتمى إلى جماعة «أمة الإسلام»، وعلمه الأمريكي المسلم ذو الأصول الأفريقية إليجاه محمد، مبادئ الدين الإسلامي، لكنه لم يستمر ضمن هذه الجماعة طويلًا، حيث اختلف مع أفكارها.

قال عن إسلامه كما جاء في كتاب «عظماء ومفكرون يعتنقون الإسلام»، إنّه «بعد إسلامي، وجدت السلام الإنساني والحقيقة، وقد تعلمت الصلاة والصوم والصلة بالله، وصرت أدعو إلى دين الله والإسلام الحنيف».لقد أقدم محمد علي على الكثير من الأعمال الخيرية والدعوية، محاولًا تصحيح الصورة الخاطئة التي رسخت في أذهان الغرب عن الإسلام والمسلمين.

يُدافع محمد علي عن الإسلام بضراوة، ويرفض الربط بين الدين الإسلامي، وبين أعمال العُنف المُسلح الذي تتبناه بعض الجماعات الإسلامية. «نحن كمسلمين علينا أن نتصدى لأولئك الذين يستخدمون الإسلام لتحقيق مآربهم الشخصية»، قال محمد علي، ردًّا على هجوم المرشح الرئاسي المحتمل عن الحزب الجمهوري، دونالد ترامب، على الإسلام والمسلمين.

وكان لعلي نفس الموقف المدافع عن الإسلام، عقب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، حين قال: أشعر بعميق الأسى عندما يُقحم اسم الإسلام والمسلمين في أمور تتعلق بالمتاعب، وتمهد للكراهية والعنف. فالإسلام لا يأمر بالقتل لأن معناه السلام. ولا أستطيع أن أقف مكتوف الأيدي أشاهد قائمة بأسماء أشخاص مسلمين هم سبب تلك المشكلة».

من بين مشاهير الرياضة الذين كان لمحمد علي كبير الأثر فيهم، مايك تايسون، الذي تسبب محمد في إسلامه، حين أهداه نسخة من القرآن في سجنه، ليُعلن إسلامه داخل السجن، ويُغيّر اسمه إلى مالك عبدالعزيز. «لقد أمدني الإسلام بقدرة فائقة على الصبر في سجني، وحينما خرجت من السجن كان أستاذي محمد علي كلاي في انتظاري، وكان أول شيء فعلته هو أني اتجهت معه إلى أحد المساجد لأصلي ركعتي شكر على نعمة الإسلام»، كما قال تايسون.

في مواجهة العنصرية

«إنني ولد وحيد، لم أرتكب خطأً في حياتي، ولم أدخل السجن، ولم أُقدَّم لمحكمة، ولم أنضم إلى جماعات متطرفة، ولا أُعِير النساء البيض اللاتي يحاولن إغوائي أيَّ اهتمام، ولا أفرض نفسي على الناس الذين لا يريدونني، وأحب الناس البيض وأحب السود أيضًا، وأعتقد أنهم يمكن أن يعيشوا معًا دون أن يتحرّش بعضُهم ببعض».

ربما كانت هذه الكلمات التي صرح بها محمد علي عقب مباراة ميامي بيتش عام 1964، التي انتزع فيها لقب بطولة العالم للوزن الثقيل، هي المرة الأولى التي يُثير فيها محمد علي استغراب العالم، من نبرة التواضع غير المعتادة عنه، وبإعلانه مقت العنصرية. لم يعبأ محمد علي، حينئذٍ بتأثر شعبيته الضخمة بين الأمريكيين البيض، وأصر في دفاعه عن حقوق السود، والمساواة بينهم وبين البيض.

محمد علي

محمد علي يحاول إقناع شاب أسود بالعدول عن الانتحار


في نفس السياق، رفض محمد علي الالتحاق بالخدمة العسكرية، للقتال في فيتنام، الأمر الذي سبب له كثير من المشاكل، وكاد أن يُودي به إلى السجن. كان لهوجهة نظر في رفضه هذا، أوضحها في قوله: «لا ينبغي أن نرتدي زيًّا موحدًا ونسافر لعشرة آلاف ميل بعيدًا عن بلادنا ونسقط القنابل ونفتح النيران على ذوي البشرة الداكنة في فيتنام، في حين يُعامل من يطلقون عليهم (الزنوج) في لويزفيل كالكلاب، ويُحرمون من أبسط حقوق الإنسان»، وقد أدى موقفه هذا في عام 1967 – أي في قمة انتصاراته في عالم الملاكمة – لسحب لقب بطل العالم منه، رحل محمد علي وبقيت أمنيته بأن يراه العالم كـ «رجل لم يبع الناس يومًا، لكن إن كان ذلك كثيرًا لا يُضرّ أن يتذكروني كملاكم جيّد، ولا مشكلة عندي إن لم يذكروا أنني كنت جميلًا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد