أن تثور القاهرة فهذا حدث فريد عبر التاريخ، وأن تثور من أجل مملوك أعرج فهذا أكثر فرادة، أما أن يصبح هذا المملوك واحدًا من أقوى السلاطين الذين تربعوا على عرش القاهرة، فهذا يشبه الأسطورة، وأغرب ما فيها واقعيتها التامة.

إنه الناصر محمد بن قلاوون، الذي ما تزال القاهرة الإسلامية – في شارع المعز وفي قلب قلعة الجبل – تحمل بصمات عصره، والتي لم تُبلها قرون سبعة مضت مذ كان يتربع على عرش واحدة من أقوى دول العالم آنذاك، والتي تمتد حدود سيطرتها السياسية والعسكرية من آسيا الصغرى شمالًا إلى السودان واليمن جنوبًا، ومن العراق شرقًا إلى برقة غربًا.

لم تكن رحلة هذا المملوك إلى العرش الذي أورثه إياه أخوه المملوك مكللة بالورود، فقد تقاذفته المقادير في دهاليز مؤامرات من قتلوا أخاه، ممن أطمَعَتْهم خيرات القاهرة، واستواء ظهر شعبها، والآن نعود إلى جذور الأمر، لنفهم ما جرى.

قاهرة المعز في قبضة المماليك

في القاهرة عام 693هـ كان قد مرّ حوالي نصف قرن على بزوغ نجم المماليك في سماء الأمة الإسلامية عامةً، ومصر خاصةً، بانتصاريْن فريديْن كان لهم فيهما الأيادي البيضاء، من نوع الانتصارات التي تستحق وصف «التاريخية»؛ لأن حركة التاريخ بعدها ليست أبدًا كما كانت قبلها.

نجح العبيد الأتراك، الذين استكثر منهم الصالح نجم الدين أيوب ورباهم على عينه ضمانًا للولاء وقوة التنشئة، في حملِه أولًا إلى عرش القاهرة بعد سنواتٍ من الحروب انتصر فيها على بعض أعمامه وأبناء عمومته، وعلى من تحالف معهم من الصليبيين المتمركزين في الشام كذلك، ثم نجحوا بينما هو يحتضر على فراش الموت، وتقودهم زوجة الصالح المملوكة الشهيرة شجر الدر في هزيمة الحملة الصليبية السابعة عام 648هـ (1250م)، والتي استهدفت مصر، وأسروا قائد الحملة، ملك فرنسا لويس التاسع.

أضفى عليهم النصر هيبةً عظمى في قلوب المسلمين عامةً، والمصريين خاصة، فلما تنازعوا مع خليفة الصالح، ابنه توران شاه، وقتلوه، بينما ما تزال جيوش الصليبيين لم تتم انسحابها من دمياط، لم يقابلهم معارضة تذكر من عامة الناس وخاصتهم، بل أقرّوا تسلطنهم على عرش القاهرة.

رغم ما اتسمَّت به السنوات الأولى في الصدارة المباشرة للمماليك بالقاهرة من اضطرابات نتيجة تصارع أجنحتهم على السيادة في القاهرة، خاصة ما جرى بين المعز أيبك، وفارس الدين أقطاي، ثم بين المعز أيبك وشجر الدر، فإن الخطر التتري الداهم ما لبث أن أجبر المماليك على الإفاقة، فجمعهم – ولو مؤقتًا – سلطان مصر المظفر قطز على حرب التتار، ليحقق المماليك ثاني انتصاراتهم الكبرى، هذه المرة في عين جالوت بفلسطين ضد التتار 656هـ (1258م)، في وقتٍ حرج، بلغت فيه قلوب الناس الحناجر من شدة بأس التتار.

وهكذا أضاف المماليك في حكمهم إلى شرعية السيف والأمر الواقع، شرعية النصر والإنجاز، وكان ذروة هذا ما تمَّ في العقود الأربعة التالية في فترات حكم الظاهر بيبرس، والمنصور قلاوون، والأشرف خليل بن قلاوون، من القضاء النهائي التدريجي على ما بقي من ممالك الصليبيين في الشام بعد حوالي قرنيْن من تأسيسها، وكذلك كسر شوكة التتار، ودفع حدود سلطانهم بعيدًا عن مصر والشام، بالإضافة إلى العمران الكثيف الذي نالت منه القاهرة حاضرة الدولة نصيب الأسد. وكذلك لم ينسَ المماليك الشرعية الروحية لمنصب الخلافة، فجلب بيبرس بعض من نجا من الأسرة العباسية، ونصبه خليفة من القاهرة، وجعل نفسه السلطان تحت ظل عرشه.

تغافل الناس – رهبًا ورغبًا – عما كان يدور بين المماليك من تنازع على السلطة – كما جرى من قتل بيبرس لقطز بعد عين جالوت، وما حدث من انتقاض الأمراء على أبناء بيبرس الصغار الذي تولوْا من بعده، حتى تسلطن رفيقه المنصور قلاوون –  طالما ينجح أحدهم آخر الأمر في الإمساك بالزمام، وضبط البلد، والاقتصاد في الضرائب والمكوس ولو نسبيًا، وبالطبع استكمال الحملات العسكرية الناجحة ضد التتار والصليبيين.

ولما سبق، وفي أحد أيام المحرم من عام 693هـ، عندما استيقظ أهل القاهرة على خبر قتل الأمراء المماليك للأشرف خليل بن قلاوون أثناء رحلة صيد خارج الأسكندرية، ثم قتل المماليك الأشرفية للأمير بيدرا الذي اتهموه بقتل أستاذهم، لم يبْدُ الخبر غريبًا عما عهده الناس من المماليك، خصوصًا وقد كان الأشرف خليل قاسيًا متغطرسًا، سبق له التخلص من بعض من لم يوافقْهُ من الأمراء؛ مما جلب له الكثير من العداوات، لكن ما لم يعرفه المماليك وأهل القاهرة، أن هذا الحدث سيكون فاتحة مخاضٍ عسير وطويل على مصر وأهلها، وحتى أمرائها.

الحاكم بأمر الله..غريب الأطوار الذي نجا من سخرية الشعوب فأطاحته مؤامرات القصور

في ذلك الزمان كانت الألقاب الملكية مصدرًا للتفاؤل والتشاؤم تبعًا لسيرة من حمل اللقب من الملوك السابقين. فكان لقب الناصر من الألقاب التي ينظر لها بنوع من التفاؤل، خاصة وقد حمله سلطان مصر الأشهر الناصر صلاح الدين الأيوبي، وحمله  كذلك الخليفة العباسي الناصر، وهو واحد من أطول الخلفاء العباسيين حكمًا، رغم أنه جاء في عصور الدولة الضعيفة.

لذا فعندما نصَّب المماليك الأخ الأصغر للأشرف سلطانًا، وتلقَّب بالناصر محمد بن قلاوون، وبالرغم من أنه لم يبلغ التاسعة من عمره، استبشر له، وبه بعض الناس، لمجرد اللقب. سيصح ظن هؤلاء فيه، ولكن بعد حين وحين. وأثناء ذلك الحين سيتولى الناصر محمد حكم مصر مرتين، ويُعزَل مثلهما، لكن ستكون «الثالثة ثابتة» كما يقول المصريون، وهي التي ستدوم 32 عامًا، وستصنع اسم الناصر محمد بن قلاوون في سوق التاريخ الإسلامي عامةً، وتاريخ المماليك خاصة.

الولاية الأولى للناصر

عادت أجنحة المماليك للتصارع تحت الظل الضئيل للسلطان الطفل، فقد تصادم أتابك العسكر علم الدين سنجر الشجاعي، مع  نائب السلطنة كتبغا المنصوري، حيث اتهم الأولُ الأخيرَ بإخفاء الأمير حسام الدين لاجين أحد قتلة الأشرف خليل، وكان هذا هو قميص عثمان الذي أراد به الوثوب على السلطة.

لكن نجح كتبغا في ضمان تأييد غالب الأمراء، وحاصر سنجر في قلعة الجبل، وفيها السلطان الطفل وأمه، رغم أنه لا ناقة لهما ولا جمل في هذا الصراع. سيشتد الحصار، حتى يبدأ حلفاء سنجر في التفلُّت من حوله، ثم ينتهي الحال إلى ائتمار بعضهم به، وقتله غيلة، ورفع جثته على سور القلعة، وبهذا اكتمل انتصار كتبغا، ويستبشر سكان القاهرة شماتة في مظالم سنجر أيام سطوته.

ألقى كتبغا القبض على بعض أنصار الشجاعي، ومنهم ركن الدين بيبرس الجاشنكير – تعني متذوق طعام الملك – والذي سيكون له أدوار كبيرة فيما سيأتي من أحداث، ثم أطلق سراحهم لما شعر بتمكنُّه من الأمور، ثم أخرج كتبغا حسام الدين لاجين، وطلب من الناصر العفو عنه – وهو أحد قتلة أخيه – وقد كان، وحجته في ذلك لم شمل المماليك مجدَّدًا، وطي صفحة مقتل الأشرف، لكن هيهات.

مطلع العام التالي (694هـ)، ثار بعض المماليك الأشرفية في القاهرة ثأرًا لأستاذهم، واحتجاجًا على العفو عن لاجين، لكن انتصر عليهم كتبغا، ونكَّل بهم، واستغلَّ هذا الحدث – بتدبيرٍ وتحريض من لاجين – وقرَّر خلع الناصر محمد، والتسلطن مكانه، بحجة أن صغر سنه أضعف هيبة الدولة. كان الدافع الرئيس وراء تحريض لاجين ضد الناصر هو اعتقاده أن الناصر لم يعفُ عنه إلًّا مجبرًا من كتبغا، وأنه إن كبر وتمكَّن من سلطانه، فسيقتله بدم أخيه.

وهكذا عزل الناصر محمدًّا وهو ابن 10 سنوات، ولم يكد يتم عامًا في ولايته الأولى، وتم تحديد إقامته في احد الأجنحة الداخلية بقلعة الجبل. أصبح حسام الدين لاجين نائب السلطان العادل كتبغا كما تلقََّب. لم تكد تمر أشهر قليلة من حكمهما، حتى قلت المحاصيل في مصر، لاختلال النظام، وتزامن ذلك مع ضعف الفيضان؛ مما سبب مجاعة وغلاءً شديديْن، هلك بسببها حوالي 20 ألفًا من سكان القاهرة وحدَها. سبَّب هذا تغير قلوب الكثيرين ضد كتبغا، وتشاؤمهم بعصره، وبعزله للناصر «المظلوم» في نظر غالبية الناس.

خرج كتبغا إلى الشام عامي 695ه ـ 696هـ للاطلاع على شئونها، وريثما تتحسن الأحوال بمصر. وفي طريق العودة إلى مصر، وثب عليه نائبه حسام الدين لاجين، وقتل بعض خلصائه؛ ففر منه كتبغا إلى دمشق، بينما تلقَّب لاجين بالمنصور، وتسلطن بالقاهرة، وأخذت البلاد تدخل تباعًا في طاعته، لدهائه، وضمانه لولاء الكثير من الأمراء، واستسلم كتبغا دون قتال، ورضي بولاية صغيرة في الشام.

كان من أوائل أعمال لاجين أن أرسل الجيوش المصرية لغزو آسيا الصغرى، ولعل ذلك كان بجانب حفظ حدود الدولة التي أهملت لسنين، من أجل شغل الأمراء عن الصراع معه على سلطانه؛ ثم أخذ هو ونائبه منكوتمر يوزعان الإقطاعيات والعطايا على الأمراء على حسب ولائهم لهما. وعام 697هـ انشغل لاجين ببعض التمردات في الشام، لكن مع مرور الوقت زادت سلطة النائب منكوتمر، حتى أصبح لا يُمر قرار سلطانيٌّ إلا من خلاله؛ مما زاد نقمة الكثير من الأمراء على كليهما، خصوصًا وقد اشترطوا عليهم لما وافقوا على تسلطنه، أن تكون الأمور شورى بينهم جميعًا، ولا ينفرد دونهم بها.

وهكذا تمالأ الأمراء، وقتلوا لاجين ومنكوتمر عام 698هـ، ثم أرسلوا إلى قلعة الكرك بالأردن يطلبون الناصر محمد بن قلاوون – حيث تم نفيه بعد حين من الإقامة الجبرية – ليعود إلى عرش القاهرة.

رُستم رضا.. قصة المملوكي الذي صار رفيقًا مقربًا لنابليون بونابرت

الولاية الثانية.. دموع وانتصار

عام 698هـ عاد الناصر صبيًّا إلى العرش الذي لم يختر التربع عليه أولًا، ولا الخلع منه. خرجت القاهرة عن بكرة أبيها تستقبل الناصر في سرور واستبشار، فرحًا بانتصافه أخيرًا بعد المظلمة، وأيضًا لمكانة أبيه المنصور قلاوون في النفوس لما حققه في سنين حكمه من انتصاراتٍ وعمران، لكن لم تكد الأمور تستقر بعودة الناصر شهورًا، حتى جاءت الأخبار بغزوة ضخمة من التتار – رغم إسلام ملكهم غازان – تستهدف الشام؛ فخرجت الجيوش المصرية عام 699هـ برفقة الناصر إلى دمشق.

تقابل الجيشان في وادي الخازندار قرب حمص في معركة حامية، ورغم التقدم الأولي للجيوش السلطانية، فإن الخلافات التي كانت تحت السطح ما بين الأمراء؛ ما لبثت أن طفت، وأذهبت التعاون الفعَّال بينهم؛ مما مكن التتار من قلب الهزيمة إلى انتصار ساحق، وفرَّ الناصر باكيًا في قلة من حرسه ومماليكه، وانتشرت الفوضى والاضطراب في دمشق وأرجاء الشام، وفر الكثير من سكانها إلى مصر.

أمعن عامة الناس في إهانة الأمراء المهزومين وتوبيخهم، وهم الذين كانوا يتعالون على الناس، وكان الناس يتحملونهم من أجل المدافعة ضد الأعداء. دخلت دمشق في حكم غازان، سوى قلعتها التي تحصن بها بعض المماليك، وعين غازان بعض المماليك التابعين له في مناصبها، فاشتدوا على أهلها في الضرائب، وأهانوهم. ثم ما لبث التتار أن انسحبوا بعد أشهر من دمشق لمعالجة بعض الاضطرابات الداخلية في بلادهم، فخرج أمير القلعة، واستولى عليها، وأعاد سلطان الناصر محمد عليها، ففرح أهل دمشق كثيرًا.

إحدى العملات التي تم سكها في عهد الناصر معروضة في المتحف البريطاني – المصدر ويكيبيديا

أخذ الناصر وأمراؤه يجهزون جيوش مصر لجولة ثانية مع التتار. وظهر من حزم الناصر وتدبيره على صغر سنه ما أرضى عامة الناس، وما أسخط بعض الأمراء الطامعين. وفي العام التالي (700هـ) جاءت الأخبار مجددًا بتدبير غازان لغزوة جديدة بالشام، فحاول الناصر حشد الجيوش لمواجهته، فتخاذل الأمراء، فأثخن غازان في شمال الشام، ثم هطلت الأمطار، وأفسدت الطرق، فلم يستطعْ استكمال غزوته، وعاد إلى بلاده، ثم تراسلت الرسل بين الجانبين بالصلح أواخر العام.

جاءت سنة 701هـ حبلى بالأحداث، ففي نصفها الأول أطلق الناصر يد المماليك في قمع البدو الذي طغوا في الصعيد، وقطعوا الطرقات، وفرضوا الإتاوات، حتى اشتدوا في ذلك، وأخذوا العاطل بالباطل، ثم أرسل الناصر حملة بحرية إلى جزيرة أرواد الواقعة قرب سواحل لبنان، وكان فلول من الصليبيين تحصنوا بها، واتخذوها قاعدة للقرصنة، فنجحت الحملة في تخريب الجزيرة، وقتل وأسر المئات من الصليبيين، وارتفعت شعبية الناصر كثيرًا لدى الناس.

ثم جاءت الأخبار بنقض غازان للصلح، وتجهيزه لغزو الشام مجددًا، فخرج الناصر في تعبئة كاملة من مصر إلى الشام، ونجحت طلائع المماليك في هزيمة طلائع التتار قرب حماة، لكن ما لبث الأمراء أن اختلفوا في مواجهة التتار، أو انتظار السلطان، فانسحبوا، فحدث اضطراب عظيم في دمشق، وفرَّ أكثر سكانها.

ما لبثت الجيوش السلطانية أن وصلت، وتقابل الجيشان في شقحب قرب دمشق، وكانت معركة ضارية، ثبت فيها الناصر وأمراء المماليك، رغم الخسائر الجسيمة، ومقتل الكثير من القادة  لضراوة هجمات التتار في بداية المعركة، والتي استمرت أيامًا، وانتهت المعركة بهزيمة ساحقة للتتار، وقتِلَ عشرات الآلاف من جنودهم وقادتهم، وعاد الناصر إلى القاهرة بعدها مزهوًّا، وانعقدت الاحتفالات لأيامٍ عديدة.

الصغير يكبر

يا ناصر يا منصور.. يا ناصر يا منصور.. يا ناصر يا منصور.. الله يخون من يخون ابن قلاوون* من هتافات المظاهرات العارمة التي عمَّت القاهرة تأييدًا للناصربن قلاوون

كان في صدارة أمراء الناصر، الأميران سلار، وبيبرس الجاشنكير، لكنهما استأثرا بالكثير من شئون الحكم دون الناصر، والذي قد أصبح شابًا ناضجًا، وأحاطت به هالات الرضا من الرعية، والهيبة لإنجازاته، ولمآثر أبيه المنصور قلاوون، لم يقف الأمر عند هذا الحد، وإنما ضيقا عليه في النفقات كثيرًا، حتى كان يلح في طلب بعض الحلوى، فيُضَنُّ بها عليه.

وصل الخلاف بين الناصر وبين أميريْه إلى الذروة عام 707 – 708هـ، فبدأ يكلم خصومهما من الأمراء خفية، ويؤلب عليهما، لكن ما لبث تخطيطه قد انكشف. واضطرب الأوضاع داخل قلعة الجبل، وذاع في القاهرة إشاعات أن الأمراء يتآمرون على السلطان، فخرج الآلاف من أهل القاهرة إلى أسفل القلعة مؤازرين للناصر، واحتدمت الأجواء بالقاهرة، وحاول المماليك الموالون لسلار وبيبرس تفريق تجمعات العامة دون جدوى.

أشاع سلار وبيبرس أن السلطان قد تصالح مع مماليكه، وأجبروه على الخروج رفقتهم في موكب عظيم في اليوم التالي، فسكنت نفوس الناس، وأظهر الناصر الخضوع لهما، بينما قويت نفسه في الأعماق بما رأى من تأييد الناس.

طلب الناصر من الأميريْن أن يسمحا له بالحج مع أهله وأولاده، وكان ذلك تدبيرًا منه؛ إذ ما لبث أن استقر في قلعة الكرك بالأردن، وأعلن أنه خلع نفسه من السلطنة ، وأرسل إلى القاهرة يطلب من الأمراء طاعة خصمه الأمير سلار نائب السلطنة، لكنهما – سلار وبيبرس – أغلظا الرد عليه، بينما أصرَّ هو على موقفه، فأعلنوا في البلاد أنه قد خلع نفسه، ونصَّبوا مكانه بيبرس الجاشنكير، وسلار نائبًا له.

جيبولنا الأعرج.. يجي الماء ويتدحرج * من مظاهرات أهل القاهرة مطالبين بعودة الناصر محمد إلى السلطنة، وكان به عرج خفيف.

لسوء حظ بيبرس وسلار، تزامنت تولية بيبرس مع نقص فيضان النيل؛ مما سبب مجاعة شديدة، وانتشرت الأوبئة، وغلت الأسعار، وتذكر الناس ما حدث قبل 15 عامًا زمن العادل كتبغا. تشاءم الناس من العهد الجديد، وزاد سخطهم على بيبرس ومن معه، وكثرت التجمعات الغاضبة لسكان القاهرة، تنقم على بيبرس، وتطالب بعودة الناصر محمد بن قلاوون إلى عرشه. خاف بيبرس من الناصر، وأرسل يطالبه بتسليم ما في الكرك من أموال وغلات، فغضب الناصر، ولما تسامع الناس بهذا الموقف، زادت نقمتهم على بيبرس، خاصة عندما علموا أن الناصر أرسل نصف ما معه لبيبرس مكرهًا. وكذلك شاعت الخلافات بين الأمراء، وبدأ الكثيرون يمالئون الناصر، ويدعونه للتحرك لاستعادة سلطانه.

قلعة الكرك -مصدر الصورة ويكيبيديا

أراد الناصر استغلال الفرصة السانحة، فأشاع أنه سيخرج من الكرك قاصدًا دمشق، فزادت الأمور احتدامًا في القاهرة، وفر بعض الأمراء لينضموا للناصر، فاستشاط بيبرس غضبًا، وأرسل للناصر يتوعده ويطالبه بإرجاع كل من معه من المماليك. هنا أعلن الناصر أنه يطلب السلطنة لنفسه، وحاول بيبرس جاهدًا منع خروج المزيد من المماليك من القاهرة للالتحاق بالناصر، ففشل، واستفحل أمر الناصر بعد أن انضم إليه جل أمراء الشام، وبدأت الأرض تزلزل تحت أقدام بيبرس ومن معه.

ما إن اقترب الناصر من دمشق، حتى خرج إليه الكثير من سكانها وجندها مؤيدين له، فدخلها دون مقاومة، واحتُفل به فيها أيامًا. واستمر توافد أمراء مصر على الناصر، وتفاقمت اضطرابات العامة في القاهرة، ولم يفلح القبض على بعض من أهانوا بيبرس منهم في إخضاعه. لم يجد بيبرس آخر المطاف مفرًا من النزول عن العرش، والهروب من القاهرة، بينما يشيعه العامة بالسباب والحجارة .

عاد الناصر إلى القاهرة منتصرًا أواخر عام 709 هـ، واحتفل به أهلها كثيرًا، وبعد أيام ألقي القبض على بيبرس، وحُمل إلى الناصر الذي عنَّفه، وذكَّره بكل ما سبق منه بحقه. ثم بعد أيام أمر بقتله صبرًا بين يديه.

وأما الأمير سلار، فقد داهنَهُ الناصر شهورًا بعد عزله من نيابة السلطنة، وولاه الشوبك بالأردن، ثم ما لبث أن طلبه بالحيلة إلى القاهرة، وأمر بالقبض عليه، واستصفاء أمواله، ثم انتقم الناصر من تقتير سلار عليه في النفقات أيام كان نائبًا له وهو صغير انتقامًا حارًا، بأن حبسه في برج القلعة، ومنع عنه الطعام لأسبوع حتى تضوَّر جوعًا، ثم أمر بإدخال سفرة عليها ثلاثة أطباق إلى محبسه، فلما رآها سلار حسبها طعامًا وفرح للغاية، لكنه ما لبث أن تلقى صدمَةَ عمره عندما كشف الأطباق، فكان بأحدها ذهب، وبالآخر فضة، وبالثالث بعض الجواهر، فعلم سلار أن الناصر لم ينسَ بخله عليه، ولبث أيامًا يصارع الجوع، حتى وجدوه ميتًا في محبسه وقد أكل قطعًا من نعله.

صخب العمران يتجاوز صليل الصوارم

الملكُ عاد إلى حِماه كما بدا * ومحمدُّ بالنصرِ سَرَّ محمدا

وإيابُهُ كالسيفِ عاد لغِمده * ومَعادُه كالوردِ عاوده النّدى

الحقّ مرتجعٌ إلى أربابه * من كفّ غاصبِه وإن طالَ المدى

* الشيخ شمس الدين الداعي معبرًا عن فرحتِه بعودة الناصر في ولايته الثالثة

كانت «الثالثة ثابتة» بالفعل كما يذكر المثل العامي الشهير. ستدوم الولاية الثالثة لناصر أكثر من ثلاثة عقود، كانت من أبرز فترات التاريخ المملوكي استقرارًا وازدهارا، وإن لم تخلُ من بعض الاضطرابات، خاصة في البداية، مع تتبع الناصر لمن شكَّ في ولائه من الأمراء، فألقي القبض على العشرات منهم، وفرَّ بعضهم إلى التتار.

عام 713 هـ، سيخرج الناصر إلى الشام في تعبئة عسكرية كاملة لمواجهة حشود التتار على الحدود، والتي ما لبثت أن تفرقت لما علمت بخروجه، فاتجه الناصر حينئذٍ للحجاز للحج. وفي مطلع ذلك العام أنشأ القصر الأبلق. وعام 715هـ تم عمل ما يسمى بـ«الروك الناصري»، وهو حصر للأراضي والجهات المصرية، لإعادة توزيع الإقطاعيات على الأمراء المماليك، وقد تخلله مراجعة للتقسيمات الإدارية في مصر، وغلَّاتها، وخراجها، وهو أساس التقسيم الإداري الحالي لمصر.

أيضًا أبطل الناصر الكثير من الضرائب والمكوس المتنوعة التي فرضت على عامة الناس في الأزمنة السابقة له، وكانت لا تعد ولا تحصى، ومنها مثلًا رسوم على الأفراح في عموم مصر، ورسومٌ على كل مركب تمر في النيل، ورسوم على بيوت الدعارة مقابل التستر على وجودها.. الخ. واستمر الناصر على ذلك،  رغم تململ الكثير من الأمراء المماليك الذين كانوا يجنون أموالًا طائلة من تلك الضرائب والمكوس. فمثلًا لما تم إلغاء ضريبة الملح، هبط سعره من 10 دراهم للأردب إلى ثلاثة دراهم فورًا.

كذلك حجَّ الناصر عام 717هـ، وأكرم أهل المدينتيْن، وأمر بإصلاح طرق الحجاج، وأظهر الكثير من التواضع في تلك الرحلة، مما قرَّبه من الناس أكثر. لكن كان يؤخذ على الناصر شدة تقلباته، خاصة على أمرائه المماليك، والذين كثيرُا ما ألقي بهم في السجون بعد أن يرتقي الواحد منهم إلى أعلى المناصب، ولعل هذا كان نتيجة سيطرة هواجس العزل والانقلاب على الناصر. كذلك كثيرًا ما لجأ لاستغلال عامة الناس بالسخرة للمساعدة في إتمام بعض الإنشاءات الضخمة، مما تسبَّب في وفاة بعضهم لقسوة ظروف العمل، نتيجة تعجل الناصر في إتمام مشاريعه.

ستستمر السنوات الباقية من حكم الناصر على نفس المنوال، من اشتغاله بالبناء والعمران خاصة في القاهرة، وكذلك الاهتمام بالإصلاح الإداري. وغلب على تلك السنوات الاستقرار، إلا من بعض محاولات التآمر من الأمراء المماليك على الناصر، والذي تمكَّن من إجهاضها. توفي الناصر في ذي الحجة من عام 741هـ بعد أن مرض مرضًا شديدًا.

فهو أطول الملوك زمانا وأعظمهم مهابة وأغزرهم عقلا وأحسنهم سياسة وأكثرهم دهاء وأجودهم تدبيرا وأقواهم بطشا وشجاعة وأحذقهم تنفيذا؛ مرّت به التجارب، وقاسى الخطوب، وباشر الحروب، وتقلّب مع الدهر ألوانا؛وهو أجلّ ملوك الترك وأعظمها بلا مدافعة، ومن ولى السلطنة من بعده بالنسبة إليه كآحاد أعيان أمرائه * ابن تغري بردي في «النجوم الزاهرة» في ترجمة الناصر محمد بن قلاوون

الصقالبة والمماليك والانكشارية.. «عبيد السلطان» الذين أقاموا دولًا وأسقطوها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد