توفي الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي العياط، أمس (الثلاثاء)، أثناء حضوره جلسة محاكمته في قضية التخابر مع «حماس»، عن عمر يُناهز 68 عامًا، وقد دُفن جثمانه بمدافن في العاصمة المصرية ليلًا دون أية مراسم، بعدما رفضت السلطات المصرية تسليمه لذويه من أجل دفنه بمقابر الأسرة في الشرقية.
بعد ست سنوات قضاها مرسي في السجن عانى خلالها من إهمال طبي، وظروف اعتقال غير إنسانية، انتهت مسيرة الرجل الذي لطالما تجاهلته وسائل الإعلام، ذلك الرجل القادم من ريف مصر، الذي كسر بصعوده المهني والسياسي؛ احتكار طبقة اجتماعية بعينها للوظائف المرموقة.
مع هذا الصعود، ظلت خلفيته الريفية، وصفاتها من التلقائية وسلوكه المحافظ حاضرة في كُل مواقفه أو محطاته، وعكست وجهًا آخر له على خلاف ما روجته وسائل الإعلام حوله في السنوات الماضية.

الرئيس الأسبق محمد مرسي.. 6 سنوات من «وقائع موت مُعلَن»!

محمد مرسي الذي حطم صورة «الريفي الكسول» بنجاحه المهني

في أغسطس (آب) 1951، ولد طفل لعائلة مصرية، تنتمي للطبقة الكادحة، التي تسكن داخل منطقة ريفية، وهي قرية العدوة في محافظة الشرقية، شمال شرق القاهرة. الأب يعمل فلاحًا، يستأجر أرضًا زراعية، ويتولي زراعتها، ثم يُسدد إيجارها نهاية كُل عام. والأم ربة منزل تُساند الوالد في عمله، إلى جانب مهامها المنزلية ورعاية أبنائها.

كبُر الشاب محمد مرسي، على قيم محافظة لازمته دومًا في مساراته، سواء كانت المهنية أو السياسية بعد ذلك، وهي سمات اتسم بها أغلب سُكان القرى الريفية بربوع مصر.

تفتحت عينا الطفل على مشاهد لأبوين غير متعلمين بفعل ظروف النشأة الجغرافية، والاحتياج المادي، وغياب العدالة الاجتماعية، ليتحول ذلك إلى دافع رئيسي لخلق مسار استثنائي يتجاوز من خلاله هذه الصعوبات والمعوقات، نحو مسار مهني أفضل.

من مدارس القرية التي تدرج فيها في مراحل الابتدائية والإعدادية والثانوية، ارتسمت انطباعات الشاب آنذاك حول الحياة، ومحدودية الموارد لمن هم في موقع اجتماعي وجغرافي مُشابه له، ونظرة تأملية عن دور «الحظ» الذي يُتيح لغيره التعُلم في أفضل المدارس، وكُبرى الجامعات، ويترقى بعد ذلك وظيفيًّا، ويتعامل مع محدودي الموارد بوصفهم «كسالى وغير ساعين لطلب العلم»، وذلك بحسب شهادات وثقها مُحرر «ساسة بوست» خلال زيارتين ميدانيتين للقرية، تواصل فيها مع أشقائه.

مرسي خلال إلقائه كلمة في أحد المحافل الدولية

هذا المسار المهني الذي كسر مرسي بعضًا من قيوده، بنقلة نوعية في حياته، لا بفضل الحظ -الذي لم يكن حليفًا له بالتأكيد- لكن بفضل حوافز داخلية تتعلق برغبته في تقديم صورة مُغايرة عمن يصفونهم «بالكسالى»، وكسر احتكار النجاح الوظيفي الذي يروجون له ليل نهار.

كان المشهد الأول لهذه الصورة هو انتقال مرسي إلى العاصمة المصرية لدراسة الهندسة بجامعة القاهرة، محاطًا بقيم الريف التي ظلت ملازمة له في تعاملاته اليومية، بدءًا من اختياراته لنوعية أصدقائه المُقربين، وانتهاءً بالحصول على مُبتغاه الأول؛ بتحطيم الصورة الرائجة عنه -ريفي فلاح- وعمن هم في طبقة اجتماعية شبيهة، بالحصول على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف، والعمل معيدًا في الجامعة، التي أهلته لنيل درجة الماجستير.

وهُنا نُشير إلى أنه مع حظر جماعة الإخوان سياسيًّا، أيام الرئيس المخلوع محمد حسني مُبارك، ومُحاكمة عدد من قادتها سياسيًّا، كان يُسمح لهم بالتعلم والسفر للخارج، والحصول على منح دراسية كغيرهم، والعودة للعمل في الجامعات المصرية، دون مضايقات أو رضوخ لأحكام القضاء، بعد لجوء بعضهم للمحاكم المصرية من أجل تأكيد أحقيتهم في التعيين، خاصة في الثمانينات.

وبفضل تلك السياسة، وبعدما حظي مرسي بمنحة حكومية لدراسة الماجستير في الطاقة الشمسية بالولايات المتحدة الامريكية في عهد السادات، وحصل عليه عام 1978؛ أكمل مسيرته هناك للحصول على الدكتوراه من جامعة جنوب كاليفورنيا عام 1982، في تخصص حماية محركات مركبات الفضاء.

«المحافظ والناصح».. كيف عاش مرسي في أمريكا؟

في سنواته الممتدة في أمريكا، ظلت هيئته الريفية وقيمه المحافظة ملازمة له، ليبدو في الجامع أشبه بـ«الناصح» لأصدقائه، و«المُحافظ» في تعاملاته مع أصدقاء الدراسة، كما ذكر تقرير نشرته صحيفة «صنداي تليجراف».

ويرسم هذا التقرير بعضًا من ملامحه، ويقول: «كانت رحلته إلى أمريكا بمثابة فترة إثبات جدارة واستمرار التفوق. إنه كان متدينًا وكرس حياته للعلم ولرعاية أسرته، وكان طالبًا نموذجيًّا، واشتهر بإسداء النصح لأصحابه».

انعكست هذه الصورة على زملائه من جنسيات أخرى؛ ليكتشفوا فيه وجهًا «طيبًا» ألفوه، كما يقول أستاذ الهندسة بجامعة كاليفورنيا محمد فرغلي، والذي قابل مرسي أول مرة عام 1978‏، في لوس أنجلوس. ويقول عنه: «يعد من الشباب الكادحين،‏‏ وكان لطيفًا وطالبًا نموذجيًا، ومحافظًا بكل تأكيد‏‏، إضافة إلي أنه كان اجتماعيًّا في الوقت نفسه، ولم يتبن أيًّا من السياسات المتطرفة»‏.‏

كانت الظروف تتجه نحو استقرار مرسي في أمريكا؛ بعدما أتيحت له فرصة العمل بجامعة كاليفورنيا، وتفضيل زوجته نجلاء محمود، البقاء في أمريكا، بعدما رزقت بطفلين خلال فترة إقامتها مع زوجها، غير أن رغبة الأخير في العودة إلى البلاد؛ بمنطق «الرجل المُحافظ» الذي أراد «تربية أطفاله في بلده الأم»، كما قالت زوجته، هي ما أعادته إلى مصر.

ظلت خلفيته «الريفية» وسمات هذه الشخصية، المعهود بها بين قطاعات المجتمع المصري من عفوية وتلقائية ملازمة له، وحاضرة دومًا في سيرة الرجل المهنية، حتى بعدما عاد إلى مصر، وعمل مدرسًا جامعيًّا في تخصصه الهندسي بجامعة الزقازيق، سواء في تعاملاته مع زملائه أو طلابه؛ «بيخاف ربنا، وعنده ضمير، ومابيديش دروس زي غيره»، كما قال طالب سبق لمرسي التدريس له لـ«ساسة بوست».

مرسي في خطابه الأول عقب تنصيبه رئيسًا في ميدان التحرير

ويُضيف أيضًا: «كان رجلًا طيبًا، وحضوره خفيف وتلقائي؛ لم يكن شخصًا عنيفًا في تعاملاته مع الطلاب. محافظ في التعامل مع الطالبات حين سؤاله، وحريص على أن يكون هناك فاصلا بين الذكور والإناث في محاضراته الجامعية».

امتد هذا الحضور على جميع المتواصلين معه حين صعد سياسيًّا لمنصب رئيس «حزب الحرية والعدالة»، بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وبعدها أصبح مُرشحًا للجماعة في الانتخابات الرئاسية، إذ يصفه صحافي يعمل بإحدى الوكالات الأجنبية، واعتاد التواصل معه دوريًّا، لـ«ساسة بوست»، قائلًا: «كان هاديًا ودودًا ومهذبًا ومحتفظًا بطباع أهل الريف. كرر في أول مكالمة بيني وبينه أهمية زيارته في الشرقية علشان يعزمنا على رقاق وبط».

امتدت هذه التلقائية حين جاءه خبر ترشحه لمنصب الرئيس، وانطباعاته المُباشرة تجاه هذا الاختيار، حين تفاعل مع ذلك قائلًا: «يارب استرها معايا.. إذا نجحت فى انتخابات الرئاسة هتكون المسؤولية صعبة عليّ قوي، ربنا المستعان.، وقادر إنه يعينني على إني أسعد شعبي الغلبان».

وقد استمرت تلقائية وعفوية «الريفيين» ملازمة لمرسي في تعاملاته مع من حوله حين صعد لموقع منصب الرئيس، متمتعًا بقدر كبير من «التلقائية» ظهرت في مواقف عديدة خلال فترته الرئاسية القصيرة.

فقد كان ظهوره الأول، في ميدان التحرير، بعد صعوده رسميًّا لمنصب الرئيس، يحمل في طياته انطباعات عن «تلقائية» هذا الرجل، الذي فتح سترة بزته مرتين في إشارة إلى أنه لا يرتدي صديرية واقية من الرصاص؛ قائلًا إنه يشعر بالأمان وسط الجماهير التي لن ينفصل عنها. ونهى ضباط الحرس الجمهوري مرة واحدة على الأقل عن الفصل التام بينه وبين الحشود.

وحتى في عتابه لصحافية اعتادت انتقاده دومًا، والتشهير بشخصه، ليرد عليها: «اعتبريني زي أبوكي» في مشهد يُحيي الصيغة الأبوية المترسخة في الريف المصري، وما يتوجب من تقدير واحترام لها.

جسدت هذه المواقف كافة صورة أشمل لرجل قدم من الريف المصري، بخليفة اتسمت بالتلقائية والوضوح بقدر كبير، والتي لطالما كانت سببًا في نشوء كثير من الأزمات السياسية التي تعرض لها لاحقًا، حتى أُطيح من السلطة، وزُج به في السجن، إلى أن تعرض للوفاة في ضوء انتهاكات جسيمة تعرض لها، تتعارض مع الحقوق الدولية المتعارف عليها للسجين السياسي.

حلم أقدم مما تتصور.. رحلة السيسي لقصر الحكم بدأت قبل 2011 وليس بعد مرسي

المصادر

s