1,598

بمجرد أن تسمع صوته يهدهد مشاعرك، وترى أمامك مصر بنيلها وتشم رائحة أرضها.

هكذا وصف موسيقار الأجيال المصري محمد عبد الوهاب المغني المصري محمد رشدي، المُصنَّف على أنه مطرب شعبي؛ نظرًا إلى نجاحه في الوصول لمعظم أطياف الشعب المصري والعربي، بمختلف طبقاته ومستوياته الاجتماعية.

فقد نال المطرب المصري الراحل مكانةً رفيعةً في تاريخ الموسيقى المصرية والعربية؛ وذلك بما قدَّمه من أعمالٍ غنائية ظلت خالدة حتى اليوم، تناول فيها معاني جديدة لاقت قبولًا جارفًا لدى المستمعين، فلا أحد من محبي الغناء المصري الأصيل ينسى أغانيه الشهيرة مثل «عرباوي» أو «كعب الغزال» أو «أرجوك حبيبي»، فجميعها أغان رسم من خلالها رشدي شخصيته الغنائية المتميزة التي سنتعرَّف إليها سويًا بشكلٍ مفصَّل.

من الموالد الدينية كانت البداية

ولد محمد رشدي محمد الراجحي الشهير بمحمد رشدي يوم 20 يوليو (تموز) عام 1928، في مدينة رشيد التابعة لمحافظة البحيرة، لكنه نشأ وترعرع في مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، ولم يزر مدينة رشيد إلا في شبابه. وكان رشدي ولدًا وحيدًا بين أختين، والتحق بالمرحلة الابتدائية إلا أنه لم يتمّها لتعلقه الشديد بالغناء، مما جعل والده الذي كان يمتلك مصنعًا للطوب يستعين به في العمل، فعمل ملاحظ أنفار لحصر عدد العمَّال، وتحديد الأيام التي يعملون فيها، وكان الشاب الصغير يستغلُّ ساعات عمله للغناء وإطراب من معه.

تعرض رشدي في صغره لحادث كاد أن يغير مجرى حياته، فأثناء لهوه سقط على الأرض وكادت أن تقطع أسنانه لسانه نصفين، وقد عاش فترة طويلة لا يستطيع النطق، مما أثر فيه بعد ذلك وأثر في نطقه لحرفي السين والثاء، إلا أنه تغلَّب على هذا العيب بدرجة كبيرة في أغانيه.

ساهمت الفنانة المصرية الراحلة ليلى مراد مساهمة كبيرة في النشأة الفنية لرشدي؛ فقد أحبها بشدة وتعلق بأفلامها وأغانيها، وكان يحرص على حضور جميع حفلات عروض أفلامها بدور السينما، ويؤكد ذلك قائلًا: «كنت بحضر الخمس حفلات في السينما، الناس تمشي وأنا قاعد»، وبينما ينصرف ويتجه إلى منزله كان يغني أغانيها طوال الطريق، حتى يصل إلى حارته ويعلن قدومه بصوته الشجي.

محمد رشدي في بدايات حياته- المصدر: موقع لحن

وقد ساعده على بناء خلفيته الغنائية حضور مولد سيدي إبراهيم الدسوقي الذي كان يُعقد كل عام في مدينة دسوق، ففيه استمع للمواويل المتنوعة والأغاني الشعبية الفريدة، وحرص رشدي على الاختلاط بالفنانين المشاركين في المولد، مدفوعًا برغبته أن يأتي اليوم الذي يشارك فيه بالغناء مع إحدى الفرق التي تنشد وتغني، وبالفعل نجح أن يكون مغنيًا أساسيًّا مع فرقة غنائية شعبية، إلا أن والده كان رافضًا بشدة اتجاه ابنه للعمل في مجال الفن.

لكن بعد مرور عدة سنوات، رأى والد رشدي أنَّ كبار الموظفين في البلدة يهتمُّون بابنه وأغانيه، مثل معاون المستشفى، ومأمور مركز الشرطة، وغيرهما من كبار الشخصيات، فغيَّر موقفه وأعلن موافقته على أن يسلك ابنه طريق الفن، فتبناه موظَّف في مدينة دسوق يُدعى محمد الدفراوي الذي كان يُتقن العزف على آلة العود ويهوى الغناء، فأخذه وعلَّمه أصول الطرب.

أم كلثوم قالت له: «روح يا ابني أنت هتبقى مطرب»

في حياة الموهوبين لحظاتٌ فارقة تشكِّلُ مسيرتهم، وجاءت هذه اللحظة في حياة المغني محمد رشدي عندما أُقيم احتفال في مدينة دسوق، بمناسبة نجاح فريد باشا زغلول نجل العمدة في انتخابات مجلس النواب، وطلب منه الحضور الغناء في وجود المغنيَّة الشهيرة كوكب الشرق أم كلثوم، التي أشادت به بعد سماعها صوته قائلة له: «روح يا ابني أنت هتبقى مطرب»، وأوصت فريد باشا بالاهتمام بموهبته، وكانت توصيتها هي المفتاح الذي فتح لـرشدي عالم الغناء على مصراعيه.

فقد توجَّه بعد ذلك إلى القاهرة ليلتحق بمعهد فؤاد للموسيقى، وتعلَّم هناك فن الموشحات على يد الشيخ درويش الحريري، والصولفيج على يد إبراهيم الحجاج، وعزف العود على يد منصور عوض، وبعد انتقاله إلى السنة الثانية أخذ يغنِّي في الأفراح والحفلات الخاصة.

من المحطات التي لا تُنسى خلال هذه المرحلة إقامته في حي باب الشعرية بالقاهرة، مع أحد أبناء قريته الذي كان يعمل فراشًا بمكتب الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، وكان «رشدي» يذهب إليه يوميًّا ليجلس في البوفيه ويستمع إلى «عبد الوهاب» وهو يغني ويلحِّن، وتصادف أنه كان يلحِّن في هذه الفترة أغنية «إنت إنت» فسمع رشدي الأغنية وحفظها ليغنيها في الأفراح والحفلات العامة؛ مما عرَّض عبد الوهاب لموقف محرج عندما قرر أن يقدمها للجمهور لأول مرة في حفل بدار سينما «راديو» في القاهرة، ففوجئ بهم يتهمونه بعد سماعها أنه سرقها من المطرب الشاب محمد رشدي.

أخذ عبد الوهاب منذ هذه اللحظة يبحث عن هذا المطرب الشاب الذي سرق منه أغنيته وشوَّه سمعته، حتى ضبطه في مكتبه ومنعه من الدخول، وقد استمر رشدي في الغناء بعد ذلك لكنَّه تجنب أغاني موسيقار الأجيال، وفي يوم من الأيام أقامت له إحدى الممثلات حفلة على نفقتها، وكان من بين الحاضرين الإذاعي المعروف علي فايق زغلول الذي سأله عن سبب عدم غنائه في الإذاعة، وطلب منه أن يقدم طلبًا للامتحان.

«رشدي» في إحدى حفلاته- المصدر: يوتيوب

وبالفعل وقف رشدي أمام لجنة أعضائها هم: أم كلثوم والموسيقار محمد القصبجي والموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي بمجرد أن رآه قال له: «مش أنت اللي سرقت أغنيتي»؛ مما أثار خوف المطرب الشاب من أن يتعمَّد عبد الوهاب ترسيبه في الامتحان، لكنَّ ما حدث كان عكس ذلك فقد تجاوز الاختبار بنجاح، ومنحته اللجنة ربع ساعة للغناء كل أسبوعين واعتمدوه مطربًا وملحنًا، وقدّم أولى أغانيه في الإذاعة وهي «قولوا لمأذون البلد» التي حظيت بشهرة كبيرة.

مر رشدي بموقف تغيَّر على إثره مساره الفني، فبينما كان يُسجل إحدى أغانيه في استوديو 10 بمبنى الإذاعة المصرية في شارع الشريفين، وجد الموسيقار محمد حسن الشجاعي المستشار الموسيقي بالإذاعة يقف إلى جوار مهندس الصوت، وبمجرد أن انتهى استدعاه وخيَّره قائلًا: «إما أن تتخلص من تقليدك لمحمد عبد المطلب، أو لا تدخل مبنى الإذاعة مرة ثانية»، ومن بعد ذلك اليوم حرص المطرب المصري على أن يصنع أسلوبه الفريد في الغناء.

85 موالًا و25 ألبومًا غنائيًّا

يبدو أن علاقة محمد رشدي بالحوادث لم تنته حتى بعدما كبر، فقد تعرَّض لحادث سيرٍ طالما كان يذكره حتى يدلل على أن لا شيء نجح في منعه من الغناء، فبعد مشاركته في إحدى الحفلات بمدينة السويس انقلبت الحافلة التي كانت تقلَّه في طريق عودته إلى القاهرة؛ مما أدى إلى كسر ساقه، لكنه سجل أشهر أغانيه في الاستوديو، وهي «تحت الشجر يا وهيبة» وساقه حبيسة الجبس.

تلقى رشدي في عام 1961 تكليفًا من الموسيقار محمد حسن الشجاعي، بتقديم 85 موالًا من أجل إضافتها لملحمة «أدهم الشرقاوي» التي قدمتها الإذاعة المصرية، فاشترى أسطوانات كبار من غنوا الموال، وخصص معظم وقته لدراسة أساليبهم الموسيقية، ونجح في النهاية أن يسجل المواويل المطلوبة، ولاقت استحسان الجمهور.

وإلى جانب ملحمة «أدهم الشرقاوي»، فقد غنى محمد رشدي العديد من الملاحم الأخرى الشهيرة مثل «الميثا» و«قصة فلاح» و«6 أكتوبر»، كما شارك في جميع الأعمال الغنائية الوطنية بعد انتصار أكتوبر (تشرين الأول) 1973، وصدر له 25 ألبومًا غنائيًّا، بالإضافة إلى مشاركته في 21 برنامجًا إذاعيًّا غنائيًّا من أشهرها مدينة «الملاهي وقطار الثورة»، و«العرب للعرب» و«زفة العروسة» و«ميلاد الجمهورية».

«رشدي» في فيلم من أفلامه- المصدر: موقع مصراوي

لم تنجح السينما أن تخطف رشدي مثلما خطفت مشاهير المغنيين أمثال عبد الحليم حافظ وفريد الأطرش، فقد اقتصر ظهوره فيها على ستة أفلام هي: «جدعان حارتنا» عام 1965، و«حارة السقايين» عام 1966، و«ست بنات وعريس» عام 1968، وأيضًا «عدوية» عام 1968، و«ورد وشوك» عام 1970، وأخيرًا «فرقة المرح» عام 1970.

الصراع مع عبد الحليم حافظ.. الغيرة الفنية تفعل الكثير

الأستاذ عبد الحليم كان معه صديقه الملحن محمد الموجي وزميله في المعهد كمال الطويل فسانداه، أما أنا فكنت وحيدًا غريبًا لا أعرف أحدًا، ويمكن كنت بخاف من الناس.

هكذا برر رشدي تأخر شهرته عن عبد الحليم رغم أنهما تقدما إلى الإذاعة في لجنة اختبار واحدة، وتزاملا في معهد الموسيقى، لكن يبدو أن غيرة العندليب الأسمر دفعته إلى عرقلة مسيرة رشدي. وكانت أبرز المحطات في هذه العلاقة المشتعلة عندما غنى رشدي ملحمة «أدهم الشرقاوي» التي انتشرت كالنار في الهشيم في محافظات مصر؛ مما جعل عبد الحليم ينزعج لسببين: الأول نجاح الأغنية، والثاني أنه من محافظة الشرقية، فكان يرى نفسه أولى بالغناء للبطل أدهم الشرقاوي، فطلب من الملحن محمد الموجي تلحين ملحمة أخرى لإنتاجها في فيلم «أدهم الشرقاوي» بصوته.

صورة نادرة لمحمد رشدي وعبد الحليم حافظ- المصدر: موقع جولولي

كما أن عبد الحليم حافظ هو من أفسد العلاقة بين محمد رشدي والمطرب الشهير محرم فؤاد، بعدما دفع كليهما لغناء مطلع أغنية فولكلورية تقول: «متى أشوفك.. أشوفك يا غايب عن عيني»، حتى لا يستطيعا تحقيق نجاح كامل، ولم يكن أحدهما يعلم بما فعله عبد الحليم فتبادلا الاتهامات؛ لأن كل منهما اعتبر أنه الأحق بغناء الأغنية من الآخر.

ومما أكده المطرب الراحل محمد رشدي أن عبد الحليم قرر بعدما نجح في أغنيتي «وهيبة» و«عدوية»، أن يستحوذ على القوة الفنية المؤثرة التي صنعت هذا النجاح الشعبي، المتمثلة في الشاعر عبد الرحمن الأبنودي والموسيقار بليغ حمدي، وسعى لشراء كل ما أعداه لرشدي حتى يغنيه مثل أغنية «أنا كل ما أقول التوبة»، وهو ما أثر في نجومية رشدي سلبًا لفترة طويلة.

الغناء حتى اللحظات الأخيرة

يمكن القول إن بوادر الأيام الأخيرة في حياة المطرب محمد رشدي بدأت عام 2004، عندما أصيب بالفشل الكلوي وكان يتوجَّب عليه أن يُجري عملية الغسيل الكلوي في الأسبوع ثلاث مرات، إلى جانب إصابته بهشاشة العظام، وسرطان البروستاتا، لكن رغم كل هذه الأمراض فكان يُردد دائمًا: «أنا مستسلم لأمر الله تعالى وإرادته».

لم يثن المرض رشدي عن مواصلة مسيرته الفنية، ففي عام 2005 صدر ألبومه الأخير «قطر الحياة»، والذي نجح نجاحًا كبيرًا، وعندما سألوه عن سر هذا النجاح أجاب قائلًا: «إنها القدرة على الغناء والخبرة التي أورثني إياها الزمن، فهناك تفاصيل فنية معينة قد يفعلها من لا خبرة له ولا تضيف إلى رصيده شيئًا، ويفعلها من له خبرة فتلعب معه دورًا مختلفًا ومهمًا»، أما عن تعايشه مع المرض فرأى أن ذلك من فضل الله عليه؛ لأنه يرى نفسه عندما يغني شابًا يبلغ من العمر 20 عامًا؛ فينسى آلامه وأحزانه.

غلاف ألبوم قطر الحياة- المصدر: يوتيوب

وبالفعل ظل المطرب المصري يغني حتى آخر أيام حياته، فقبل وفاته بأكثر من شهر، وتحديدًا يوم 22 مارس (آذار) 2005 ذهب لتصوير أغنيته «قطر الحياة»، وكان الطقس في ذلك اليوم شديد الحرارة؛ مما جعله يصور الفيديو كليب على أجزاء بينها فواصل يقضيها في السيارة المكيفة، لكنه في النهاية شعر بإعياءٍ شديد، وزادت حالته الصحية سوءًا بعد ذهابه إلى المنزل، وتوقعت أسرته أن يكون السبب معاناته من الفشل الكلوي، لكن الطبيب المشرف على علاجه أكد لهم معاناته من نزلة شعبية حادة؛ مما أدى لنقله إلى مستشفى السلام الدولي في القاهرة، والتي ظل بداخلها حتى توفي يوم الثلاثاء 3 مايو (أيار) 2005.