لم يعد لدي أي رصيد في العالم بوصفي وزيرًا للخارجية، لقد فقدت أهليتي للاستمرار في منصبي، وأتمنى أن تكون استقالتي بمثابة شرارة لإعادة وزارة الخارجية إلى موقعها الممنوح لها في العلاقات الخارجية.

بتلك الكلمات أعلن وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف استقالته على حسابه على موقع «إنستجرام»، في وقت متأخر من يوم الاثنين وبعد وصول الرئيس السوري بشار الأسد إلى طهران في زيارة مفاجئة، لم يعلن عنها من قبل.

واعتذر ظريف في استقالته للشعب الإيراني عن أوجه القصور منذ تنصيبه وزيرًا للخارجية في عام 2013، ووجه الشكر والامتنان إلى جميع الإيرانيين طوال الأشهر الماضية.

لكن ما هو سبب الاستقالة المفاجئة لواحد من أهم الدبلوماسيين الإيرانيين؟ وكيف تحول جواد ظريف من بطل قومي إلى متهم بالتقصير والخيانة؟

«القشة التي قصمت ظهر» جواد ظريف

قبل أن يعلن جواد ظريف استقالته، نشرت وسائل الإعلام المحلية فى إيران لقاء بشار الأسد مع المرشد الأعلى علي خامنئي، وقائد فيلق القدس في الحرس الثوري الجنرال قاسم سليماني، ومن ثم تم نشر صور لقاء الأسد بالرئيس الإيراني حسن روحاني.

وغاب عن هذا اللقاء وزير الخارجية على عكس المتعارف عليه، وانتشرت تكهنات أنه تم استبعاده عن قصد، وما أكد ذلك هو إعلان ظريف الاستقالة بعد هذا اللقاء. بالطبع كان استبعاد ظريف من هذا اللقاء سببًا هامًا في استقالته وهذا ما عبر عنه شخصيًّا في أول لقاء صحفي له بعد الاستقالة لموقع انتخاب الإصلاحي، قائلًا «لقد فقدت مصداقيتي وزيرًا للخارجية».

ويقول مصدر في وزارة الخارجية الإيرانية رفض الكشف عن هويته لـ«ساسة بوست»، ان جواد ظريف شعر بتعمد المؤسسة السياسية في إيران استبعاده من هذا اللقاء.

حتى الساعات الأولى من صباح يوم الثلاثاء لم تصدر أي تصريحات من قبل الحكومة بخصوص قبول أو رفض استقالة جواد ظريف، وتجنب روحاني الإشارة إلى مسألة الاستقالة في خطابه الذي بثه التلفزيون الرسمي من البنك المركزي الإيراني، واكتفى بالإشادة بجهود وزير الخارجية ومساعديه، ووصفهم بأنهم مقاتلون على الجبهة ضد الضغوط الأمريكية.

Embed from Getty Images

وأضاف روحاني قائلاً: «لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية سياسة خارجية واحدة، ووزير خارجية واحد»، بينما نفى محمود واعظي مدير مكتب الرئيس روحاني أي شائعات تفيد بقبول روحاني استقالة ظريف.

ويؤكد الصحفي الإيراني آراش منتظري لـ«ساسة بوست»، أن هناك مصادر من داخل مكتب المرشد الأعلى أفادت بأن خامنئي رفض استقالة ظريف رفضًا باتًا. والجدير بالذكر أن المرشد الأعلى هو من عين جواد ظريف في عام 2013 وزيرًا للخارجية، ويرى البعض داخل إيران أن الأخير على علاقة وثيقة بخامنئي، ولا يتحرك إلا وفق تعليماته وهو ما يفسر سبب الإبقاء عليه إلى الآن.

بعد سنوات من التفاوض مع الغرب، عاد جواد ظريف إلى إيران منتصرًا فى عام 2015 بالاتفاق النووي، وأصبح بطلاً قوميًا ورمزًا لأكبر انتصار للدبلوماسية الإيرانية فى تاريخ الجمهورية الإسلامية، وقد نجح ظريف في التفاوض مع الولايات المتحدة بعد انقطاع العلاقات بينها وبين إيران منذ 40 عامًا، وبعد فترة ولاية أحمدي نجاد التي عرفت بالعداء الحاد للغرب ورفض أي إمكانية للتواصل معه.

انتظر الإيرانيون نجاح خطة العمل المشتركة الشاملة والمكاسب من ورائها، كما وعدهم روحاني وظريف، ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن ويعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب بلاده من الصفقة النووية مع إيران في مايو (آيار) 2018.

ومن هنا بدأ الخناق على روحاني بشكل عام ووزير خارجيته على وجه الخصوص، وبدأت الأصوات المحافظة في إيران -والتي كانت ترفض من الأساس هذا الاتفاق- في اتهام جواد ظريف بالفشل.

على مدى الأشهر الماضية بدأ الاتهام بفشل ظريف يتحول إلى اتهامات بالخيانة، ومحاولة التواصل مع الغرب رغمًا عن إرادة المؤسسة السياسية في إيران، واتهم بعض المحافظين جواد ظريف بأنه يريد «تركيع الجمهورية الإسلامية أمام الغرب والولايات المتحدة».

طوال تلك الفترة كان ظريف ومساعدوه يحاولون بشتى الطرق إنقاذ الصفقة النووية مع الاتحاد الأوروبي الذي رفض قرار ترامب بالانسحاب، ولكن وقف المحافظون عقبة في طريقه برفضهم تمرير مشاريع قوانين الفرقة المعنية بالإجراءات المالية الدولية، والتي من شأنها مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب في إيران، لرفعها من على قوائم البلدان الممولة للإرهاب في المنطقة. تلك القوانين التي قاتلت إدارة روحاني من أجل الجهات المختصة بالموافقة عليها لتمكين إيران من استكمال المعاملات التجارية مع الدول الغربية، وإغلاق الباب أمام المزيد من الضغوط الأمريكية.

بطل قومي أم «سبب كل المشاكل»؟

فى يوم 10 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، أطلق ظريف في مقابلة مع موقع «خبر أونلاين» تصريحًا أدخله ساحة الحرب من جديد، فقد صرح قائلاً: «غسيل الأموال هو حقيقة واضحة في بلادنا، وهناك العديد من الكيانات والمؤسسات في إيران متورطة في هذا الأمر».

حينها اتهمه النائب البرلماني المحافظ كريمي قدوسي بأنه هو «سبب كل المشاكل الاقتصادية فى البلاد، بل وأنه يحاول التهرب من المسئولية باتهام مؤسسات الدولة».

وطلب مجتبى ذو النور عضو البرلمان المحافظ جواد ظريف بتقديم أدلة واضحة على اتهاماته لبعض الكيانات في إيران بالتورط في غسيل الأموال، واذا لم يحضر إلى البرلمان في جلسة استماع مستعرضًا تلك الأدلة فيجب على البرلمان عزله».

ويصف عضو البرلمان المحافظ رضا تاراغي جواد ظريف بأنه فاشل ولا فائدة منه، ويقول تاراغي لـ«ساسة بوست»: «كان يجب التخلص منه بعد أن أثبت الاتفاق النووي فشله، وبعد أن فشلت وزارة الخارجية بأكملها في تحقيق أي مكسب من مكاسب خطة العمل المشتركة الشاملة».

وبعد تصريحات ظريف بخصوص غسيل الأموال في إيران، وفي 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، كتب عدد من النواب رسالة إلى رئيس البرلمان يطالبون فيها بعزل وزير الخارجية لعدة أسباب منها فشله في الدبلوماسية الاقتصادية، وعدم التواصل مع أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، وعدم اتخاذ موقف واضح من المملكة العربية السعودية بعد حادثة التدافع فى موسم الحج عام 2015 والتي راح ضحيتها حوالي 464 حاجًا إيرانيًا، لكن لم تنجح محاولات المحافظين في البرلمان الإيراني من عزل وزير الخارجية.

لماذا تفشل العقوبات الأمريكية دائمًا في «تركيع» إيران؟

 

يثير استياء الشعب أيضًا

لم يتعرض ظريف مؤخرًا إلى انتقاد من التيار المحافظ في إيران فقط، بل ظهرت أصوات شعبية معارضة، ففي العام الماضي وفي أثناء حضور ظريف اجتماع حوار البحر المتوسط في روما صرح قائلًا إن إيران قد نجت منذ عام 1979. وأضاف: «لقد نجونا وتقدمنا بالرغم من كل المصاعب التي نواجهها».

وقد سخر عدد كبير من الإيرانيين من تصريحات وزير الخارجية، مبررين أن إيران لم تنجُ، والدليل هو الوضع الاقتصادي السيئ الذي تمر به البلاد من بداية العقوبات الأمريكية. ورأى البعض أن حديث ظريف عن نجاة الإيرانيين مجرد هراء، ومحاولات لتحسين فشله في العديد من القضايا.

وقد انتُقد ظريف مرة أخرى عندما تحدث عن حقوق الإنسان في إيران، قائلًا: «لا يوجد في إيران معتقلو رأي، ولا تواجه الطائفة البهائية في إيران أي اضطهاد» وهو ما يعد عكس الواقع تمامًا كما عبر الكثيرون.

وتقول مائدة عزيزي الناشطة في مجال حقوق الإنسان لـ«ساسة بوست»، أن «وزير الخارجية جواد ظريف ما هو إلا جزء من النظام الإيراني المتشدد ويحاول بشتى الطرق تحسين صورة المؤسسة السياسية الإيرانية في الخارج عن طريق الكذب».

وقد أطلق ظريف على نفسه لقب «أستاذ حقوق الإنسان»، قائلًا إنه قام بتدريس حقوق الإنسان لمدة 30 عامًا، ودافع عن سجل الحريات في إيران بقوله: «لقد اخترنا لأنفسنا العيش بطريقة مختلفة». وتتساءل مائدة: «أريد أن أعرف من السيد ظريف من اختار تلك الطريقة المختلفة، الشعب الإيراني أم السلطة الحاكمة؟».

بالعودة الى اصداء اعلان ظريف استقالته والتى انقسمت الآراء بشأنها، فقد عبر بعض الإيرانيون عن حزنهم من رحيل وزير الخارجية عبر «هاشتاج» باللغة الفارسية على موقع توتير بعنوان «ظريف بمان» أو «بقاء ظريف» والذى يحثون فيه وزير الخارجية على البقاء فى منصبه، مبررين رغبتهم ببقائه بأنه «خط الدفاع الدبلوماسي» الوحيد الذي يستطيع أن يعبر بإيران من تلك المرحلة الحرجة.

ولكن في المقابل تم إطلاق «هاشتاج» آخر مناهض لظريف بعنوان «فرار ظريف» أو «هروب ظريف»، وينتقد مستخدمو هذا «الهاشتاج» وزير الخارجية ويعتبرون استقالته بمثابة هروب من ما اقترفه من أخطاء.

النظام لظريف: «استقالتك مرفوضة»

وبعد ثلاثة أيام من الأخبار والشائعات التي لم يتم نفيها أو تأكيدها أعلن الرئيس الإيراني حسن روحاني في  صباح يوم الثلاثاء الماضي في رسالة رسمية تناولتها وسائل الإعلام الإيرانية رفضه استقالة ظريف.

وقال حسن روحاني أنه «يعلم جيدًا جيمع مخاوف جواد ظريف وسيعمل على حلها»، وأكد على أنهما في نفس القارب ويواجهان نفس الضغوط الداخلية قائلاً:  لـ«سنمر من هذه المرحلة الصعبة».

وبعد سويعات قليلة من رسالة روحاني انتشرت صورة تظهر الرئيس روحاني وجواد ظريف مبتسمًا كعادته تحت مظلة واحدة في انتظار وفد أرمني.

خرج جواد ظريف من تلك الأزمة منتصرًا بعد أن خاض حربًا طويلة في الأشهر الماضية من كل الجبهات، وأظهر العديد من المسئولين دعمهم له ولكن الدعم الأكبر  جاء من الجنرال قاسم سليماني الذي عبر عن دعمه الكبير لوزير الخارجية، مفسرًا عدم دعوة جواد ظريف إلى لقاء بشار الأسد بأنه «سوء تنسيق مع مكتب الرئاسة» ومؤكدًا أن الأمر لم يكن متعمدًا.

جواد ظريف.. لسان إيران الذي وقرته أمريكا!

 

 

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد