مُرشح حزب الله «الأخف ضررًا».. ما لم يُروَ عن «مرشح» الحكومة اللبنانية الجديد

تحولت دفة الحديث في لبنان من الاحتجاجات القائمة والمستمرة في ميادينها الرئيسة إلى التشاور حول محمد الصفدي، الرجل الذي طرحته جهات رسمية وحزبية ليكون بديلًا عن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري، و«مُنقذًا» للبلاد من حالة الفراغ السياسي الذي تعيشه، ومُسكِّنًا للغاضبين في الشوارع.

ويمكن القول: «إن الرجل الذي استفاض الجميع بالحديث عن خلفياته السياسية والتجارية بات على بعد أمتار معدودة من قصر بعبدا، بعدما أكد وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل أن محمد الصفدي وافق على تولي رئاسة الحكومة المقبلة».

ووسط هذا الجدل الذي يرافقه غضب واسع من جانب المحتجين على ترشح هذا الرجل، يحاول التقرير التالي تتبع كواليس الدفع بهذا الرجل المنتمي إلى عهود سابقة للواجهة من جديد، ومن يقف خلف ترشحه، وخلفياته وصلاته الدولية التي قد تكون سببًا في هذه العودة غير الاستثنائية.

عائلات تترأس السلطة وتتهرب من الضرائب.. من الذين انتفض ضدهم الشعب اللبناني؟

السيرة الرسمية لمحمد الصفدي.. ابن الطبقة الحاكمة التي ثار عليها الشعب

لا تروي السيرة الرسمية لمحمد الصفدي جديدًا عنه أو عن منظومة الحكم في بلاده؛ فهو أحد أبناء الطبقة السياسية الحاكمة التي صعدت للسلطة في لبنان بعد الحرب الأهلية اللبنانية، وجمعت مليارات الدولارات بطرق يعتبرها العديد من اللبنانيين «غير مشروعة»، ليصبح الفساد المالي عنوانها الرئيس، والعمولات المشبوهة للاستحواذ على المشروعات، أحد مظاهرها.

الصفدي المرشح لرئاسة الوزراء (رويترز)

فقد بدأ الرجل السبعيني، المنتمي لكبرى عائلات طرابلس وأكثرها ثراءً، رحلة الصعود السياسي عام 2000، بعد خوض غمار الانتخابات النيابية عن المقعد السني في طرابلس، والتي حصد خلالها المرتبة الأولى بحوالي 66 ألف صوت. لتجعل منه أحد أبرز النواب في المدينة، ويعاد انتخابه في الدورتين النيابيتين 2005 و2009.

بعد هذه المحطة الأولى، ترقى محمد الصفدي سريعًا داخل سُلم السلطة، وصار وزيرًا في حكومة الرئيس اللبناني فؤاد السنيورة في الفترة ما بين عامي 2005 و2008، لينتقل بعدها في منصب وزاري آخر؛ ويصبح وزيرًا للاقتصاد الوطني والتجارة في الحكومة ما بين 2008 و2009.

استمر محمد الصفدي في منصبه خلال عهد حكومة الرئيس سعد الدين الحريري ما بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2009 ويونيو (حزيران) 2011، قبل أن ينتقل لمنصب وزير المالية حتى عام 2014 في حكومة الرئيس نجيب الميقاتي. وقد كان لهذا البقاء الطويل في أروقة السلطة آثار في نسج صلات مع حُكام عرب، ونمو لثروته بالتزامن مع هذا الصعود السياسي اللافت.

يقول وسام جاد، وهو باحث اقتصادي وعضو بـ«الحزب الشيوعي اللبناني»، في اتصال هاتفي مع «ساسة بوست»: إن «الصفدي ابن للطبقة الحاكمة الجديدة التي تشكلت بعد الحرب الأهلية اللبنانية، والاتفاقيات التي رعتها قوى إقليمية، مؤكدًا أنه نموذج للطبقة الغنية التي استفادت من العمل السياسي؛ فمن يُشكلون اللوائح الانتخابية لانتخابات البرلمان يُطالبون المُرشحين بمبالغ طائلة لترشيحهم على اللوائح المحسوم فوزها، وبالمقابل يشكل هؤلاء النواب الحماية القانونية للتجاوزات والصفقات عبر البرلمان»، على حد تعبيره.

وتقول مُطيعة هلاك، الصحافية اللبنانية المُقيمة في طرابلس، لـ«ساسة بوست»: «إن عائلة الصفدي من العائلات القديمة والمعروفة في المدينة، وفي التسعينات برز نجمه باعتباره رجل أعمال معروف». وأنه بدأ يظهر على الساحة بعد الحرب الأهلية. متحدثة عن انطباعات سكان المدينة الساحلية حوله، قائلة: «لدى أبناء طرابلس نقمة تجاهه خاصة خلال الجولات الأمنية السابقة التي بدأت عام 2009، واستمرت بشكل متقطع لمدة حوالي عامين، إذ كان ينشر خلالها الرعب في نفوس أبنائها».

تضيف مطيعة: «أبناء طرابلس لا يريدونه؛ لأنه لم يقدم شيئًا لأبناء مدينته، ولا إلى مدينته، من مشاريع تنموية، أو افتتاح معامل، أو تأمين فرص عمل».

وقد شكلت «مجموعة الصفدي القابضة»، الذراع المالي للوزير السابق، وقد تنوعت أنشطته أو مشاريعها بين التطوير العمراني والطيران والسياحة والمعلوماتية، وقدرت أنشطتها بملايين الدولارات.

بين التدخلات الخارجية والطوائف الداخلية.. تعرف إلى خريطة الحكم في لبنان

السيرة غير الرسمية.. وسيط آل سعود ومرشح حزب الله «الأخف ضررًا»

في مقابل السيرة الرسمية لمحمد الصفدي والتي يحتفي بها الجميع، وتبرزها وسائل الإعلام الداعمة والمؤيدة له، سيرة أخرى تغيب عن الكثيرين وتكشف وجوهًا أخرى للوزير ورجل المال البارز ورئيس الوزراء المحتمل.

صورة يحملها عاملون لرئيس الوزراء اللبناني المُرشح (أ.ب)

أحد ملامح هذه السيرة هو أدوار الرجل الخفية التي قام بها، وأبرزها – وفقًا لما ترويه صحيفة الجارديان – كونه وسيطًا في صفقة الأسلحة السعودية  الشهيرة، «صفقة اليمامة» عام 2006. إذ كانت «شركة الصفدي للعقارات» هي الجهة التي قدمت رشاوى وعمولات ضخمة بالنيابة عن أمراء آل سعود لشركة الأسلحة البريطانية «BAE» – شركة متعددة الجنسيات ومختصة في الصناعات الجوية والدفاعية – بنحو 140 مليون يورو. ودفعت شركة الصفدي فواتير التنقلات وتحركات أفراد آل سعود في بريطانيا.

كان الدافع وراء اختيار آل سعود للصفدي من أجل القيام بهذه المهمة ثقتهم فيه، وتحديدًا ثقة ولي العهد السعودي ووزير الدفاع آنذاك سلطان بن عبد العزيز، الذي رآه الشخص المناسب، وذلك بعد معرفة طويلة به. وقد استخدم الصفدي لهذه المهمة حسابات سرية في بنوك سويسرية، في محاولة من جانبه لإخفاء أدواره، والتستر على الصفقة التي انكشفت تباعًا بعد ذلك.

تتطابق هذه المعلومات مع المذكور في وثيقة «ويكيليكس» المُسربة من السفارة الأمريكية عام 2009، والتي تصف الصفدي بـ«المقرب من العائلة الحاكمة السعودية»، ورجل أعمال «جمع ثروته في المملكة العربية السعودية».

لاحقًا وبعد سنوات انكشفت شركات الصفدي المُسجلة في الخارج، بعدما كشفت وثائق نشرها «المعهد الدولي للصحافيين الاقتصاديين» عام 2015 عن حساب مصرفي باسم الصفدي لدى الفرع السويسري لبنك «إتش إس بي سي» البريطاني، أنشأه للتهرب من دفع الضرائب، وقد وصل المبلغ المودع فيه إلى 75 مليون دولار (68 مليون يورو).

ملمح آخر لهذة السيرة غير الرسمية، قد يتعلق بالأسباب الحقيقية وراء الدفع به من جديد بتوافق حزبي في ظرف استثنائي تعيشه بلاده؛ ليظهر في صورة المنقذ للبنان من سوء الأوضاع الاقتصادية التي تكاد تنتهي بالبلاد للهاوية. وتُثير هذه النقطة تحديدًا تساؤلات عن الأسباب الرامية وراء قبول «حزب الله» به، بل ترشيحه في ضوء علاقاته الوطيدة مع السعودية التي تقف على النقيض من مواقف الحركة اللبنانية.

هذا التوافق ظهر في انعقاد اجتماع تم بين الحريري وكل من الوزير علي حسن خليل «حركة أمل» وحسين خليل «حزب الله» لتزكية الصفدي رئيسًا للوزراء. وامتد التوافق لتغطية الصحف ووسائل الإعلام اللبنانية المُقربة من تيار المستقبل و«حزب الله»؛ اللذين اكتفوا بالتغطية الخبرية دون نقل غضب المحتجين أو استدعاء مهام محمد الصفدي التي أثارت جدلًا حوله.

من جانبه يقول صحافي لبناني مُقرب من «حزب الله» لـ«ساسة بوست»: إن محمد الصفدي جزء من التركيبة السياسية، وسبق أن كان وزيرًا مرتين أو ثلاثة. موضحًا أن طرح اسمه جاء لجسّ نبض الشارع وطبعًا الشارع – أي المتظاهرون – يرفضونه بقوّة. فيما يذهب البعض إلى أن ما يحدث هو حرق للأسماء المرشحة لرئاسة الوزراء ليعودوا أخيرًا إلى الحريري بشروطه من أجل تشكيل حكومة بلا سياسيين، وهذا أيضًا أمر معقّد.

ويضيف الصحافي، الذي يتحفظ على كشف هويته، أن ممثلي «حزب الله» و«حركة أمل» هما من طرح اسمه بعد لقاء مع الحريري، كاشفًا أن موقف الحزب غريب؛ فمحمد الصفدي ليس حليفًا معروفًا له، بل ربما يعرف الحزب أن الصفدي مرفوض، لكن ربما يراه أخف المرشحين ضررًا عليه في مواجهة من يقترحهم الحريري.

ويختتم حديثه: «تيار المستقبل يريد الحريري طبعًا، ويقال إن الحريري وافق على الصفدي، لكن لم يصدر شيء رسمي بذلك، وغير محسوم أن تيار المستقبل قد وافق. وإذا وافق فربما لأنه يعرف أن الثورة سترفض الصفدي، فيُحسّن التيار شروطه أمام الآخرين».

بين التدخلات الخارجية والطوائف الداخلية.. تعرف إلى خريطة الحكم في لبنان

أزمة لبناناحتجاجات لبنانالمظاهرات اللبنانيةحزب اللهسعد الدين الحريريمحمد الصفدي

المصادر