صبيحة عيد الفطر الموافق يوم 29 أبريل (نيسان) 1827، بوصفه تقليدًا متعارفًا عليه؛ نزل القنصل الفرنسي في الجزائر دوفال إلى قصر الداي حسين بالمحروسة لتقديم التهاني، استغل الداي حسين المناسبة للاستفسار عن الديون المترتّبة على فرنسا، والتي كانت الحكومة الفرنسية تماطل في تسديدها؛ تهرّب القنصل دوفال من الإجابة بسؤال تهكمي: «أي ديون؟» فما كان من الداي حسين إلّا أن أشار بمروحته الى القنصل الفرنسي دوفال بالخروج من قصره. سمّي هذا المشهد بـ«حادثة المروحة»، وهي الحادثة التي جعلتها فرنسا السبب المباشر لاحتلال الجزائر.

غير أنّ ذلك المشهد الذي حفظه التاريخ، كان الأخير من فصولٍ أخرى سعت من خلالها فرنسا لاحتلال الجزائر، ومن بين هذه الفصول التي تلت هذا المشهد؛ كانت الخطة التي عرضها القنصل الفرنسي دورفيتي على حاكم مصر محمد علي باشا، والتي عرفت تاريخيًّا بمشروع «حملة محمد علي باشا على الجزائر» والتي أجهضت في آخر الأنفاس.

في هذا التقرير نعود بالزمن إلى نهاية العقد الثالث من القرن التاسع العشر، حين كانت الجزائر على حافة خطر الغزو المصري لها.

الاحتلال الفرنسي للجزائر.. الحلم الفرنسي الذي دام 6 قرون

قد يعتقد البعض أن فكرة الاحتلال الفرنسي للجزائر تعود إلى «حادثة المروحة» الشهيرة سنة 1827، أو إلى مسألة الديون العالقة بين البلدين، غير أن مشاريع الحملات العسكرية الفرنسية على الجزائر أقدم وأبعد من ذلك بكثير؛ إذ يشير شارل أندري ميشال في كتابه «تاريخ أفريقيا الشمالية» أن فكرة احتلال فرنسا للجزائر تعود إلى عهد الملك لويس التاسع (1226-1270) الذي وضع مشروعًا لاحتلال أهم المراكز الأساسية في كلٍّ من تونس وطرابلس والجزائر، ومنذ ذلك الوقت لم توقف فرنسا خططها لاحتلال الجزائر، وقد زاد اهتمام فرنسا بالجزائر عندما حصلت على امتيازات من الدولة العثمانية لصيد المرجان بالسواحل الجزائرية في القرن السادس عشر.

وفي سنة 1782، اقترح القنصل الفرنسي بالجزائر دوكيرسي على حكومته خطة الاحتلال الفرنسي للجزائر، قبل أن يجدد اقتراحه بعد 10 سنوات، من خلال المذكرة التي رفعها إلى الخارجية الفرنسية سنة 1791، وذكر فيها أن «الفكرة المنتشرة على أحسن مكان للنزول هو المكان المسمى سيدي فرج»، لكن التطورات التي مرّت بها فرنسا آنذاك لم تسمح بتنفيذ هذا المشروع.

وفي فترة حكم الداي أحمد الثاني سنة 1805، قد جرد فرنسا من مراكزها التجارية في الجزائر، الأمر الذي دفع وزير البحرية الفرنسي دوكري إلى التفكير جيدًا في حملة عسكرية ضد الجزائر؛ ليقوم بعدها بإرسال المهندس العسكري بوتان في مهمة تجسسية إلى الجزائر قصد إعداد خطّة لغزوها، فوضع بوتان تقريرًا وافيًا عن مدينة الجزائر، احتوى على ملاحظات دقيقة عن تحصيناتها، وطبيعة أرضها، وعدد قواتها، واقترح أن يكون عدد جيش الحملة ما بين 35 و40 ألف جندي، وهي الملاحظات التي أخذتها فرنسا على محمل الاهتمام في حملتها الأخيرة على الجزائر عام 1830.

مشروع الباشا لغزو الجزائر

كانت فرنسا تدرك أن أي حرب مع الجزائر سيترتّب عليها نفقات كبيرة لم يكن باستطاعة دولة خرجت من أتون حروبٍ عديدة ومن أزمة مجاعة قضت على نسبة كبيرةٍ من سكانها أن تتحملها؛ فكان من الضروري أن تبحث عن حلولٍ بديلة تجنبها نفقات حرب احتلال الجزائر؛ فجاء اقتراح القنصل دورفتي قنصل فرنسا في الإسكندرية -بوصفه خطّة بديلة- أن توكل الحكومة الفرنسية محمد علي باشا والي مصر للقيام بحملة على الجزائر بمساندة فرنسا لتأديب الداي حسين داي الجزائر والقضاء على حكومته، واحتلال الجزائر وضمها إلى أملاكه على أن يكون لحليفته فرنسا امتيازات واسعة.

كانت فكرة مشروع حملة محمد علي باشا لغزو الجزائر مجهولة في التاريخ حتى الذكرى المئوية الأولى لها؛ حين أماطت وزارة الخارجية الفرنسية اللثام عن وثائق وزارة الخارجية الفرنسية التي قدّمها القومندان جورج داون إلى الملك فؤاد سنة 1926، وهي الوثائق التي تكشف للمرّة الأولى عن حيثيات المشروع.

يذكر القومندان جورج داون في كتابه «مشروع حملة محمد علي باشا على الجزائر» تفاصيل المشروع؛ فيقول إنّه في الوقت الذي كان محمد علي عازمًا على غزو بلاد الشام؛ خرج القنصل دورفيتي صاحب الثقة العمياء لدى محمد علي ليثنيه عن هذه الخطة ويصرف أنظاره إلى غزو بلاد البربر؛ مقترحًا عليه المشروع الذي كان قد اتفق من خلاله مع الحكومة الفرنسية، على أساس أنّه يوطد علاقة محمد علي مع أوروبا مع تحاشي إثارة حفيظة الباب العالي في الوقت نفسه، على أن تحتفظ فرنسا بامتيازاتها الاقتصادية والعسكرية بالجزائر.

تردّد محمد علي باشا في البداية خشية فقدان ثقة العالم الإسلامي، وقال للقنصل الفرنسي: «أنتم مسيحيون أما نحن والجزائريون فمسلمون، وسماع أقوال كتلك ونحن ذوو دين، وأمة وشريعة ودولة واحدة، لا يتلائم مع ديننا ودولتنا».

تردد محمد علي باشا لم يدم طويلًا؛ فيذكر الدكتور مفيد الزيدي في كتابه «موسوعة التاريخ الإسلامي: العصر العثماني» أنّه سرعان ما عدل محمد علي باشا عن فكرة رفضه غزو الجزائر بسبب طموحاته الخاصة في حكم منطقة المغرب العربي؛ ليعلن للقنصل دورفيتي موافقته على الفكرة بشرط أن تدفع له فرنسا مبلغًا ماليًّا، ودعمًا بحريًّا يمكنه من إعادة بناء أسطوله الذي تحطم في نافارين البحرية الشهيرة عام 1827.

ولتسويق نجاحه في إقناع محمد علي باشا بفكرته؛ أرسل القنصل دورفيتي في 10 أغسطس (آب) 1829، تقريرًا إلى الأمير الفرنسي بولينياك يعدّد له المزايا التي ستتحقق فرنسا من قيام والي مصر بالحملة على الجزائر بدل الاحتلال الفرنسي للجزائر بشكل مباشر، في وقتٍ تقتصر فيه مهمة فرنسا على مساعدته ماليًّا بتوفير 100 ألف فرنك فرنسي لتغطية نفقات الحملة، ونتيجة لذلك تكون فرنسا قد تحصلت على امتيازات اقتصادية، وعاقبت الجزائر دون أن تعلن حربًا مباشرة عليها، وقد رحب بوليناك بهذه الحملة التي جاءت متسقةٍ مع مشروع حملة محمد علي على الجزائر التي أعدّها سنة 1814، التي تستهدف ربط الجزائر بالمسألة المصرية.

وحين وصل الأمير بولينياك إلى الحكم أرسل الضابط هودير إلى مصر للتفاوض مع محمد علي باشا، كما وجه رسالة إلى سفيره لدى الباب العالي، جيمينو، جاء فيها: «إن داي الجزائر أهان الملك فاعتزم الملك أن يثأر لشرفه، وليس في نية جلالته أن يطلع الباب العالي على الوسائل التي سيلجأ إليها، بل يكتفي بأن يقول إن واجبه يقضي بأن يصون رعاياه من الأخطار التي تهددهم في هذا الجزء من الإمبراطورية ويضمن لهم الأمن، لكن رغبة في المحافظة على الصداقة القائمة بين فرنسا والدولة العثمانية، يود لو أن السلطان بنفسه وبوسائله الخاصة قام بتأديب الداي حسين».

هل صدقت أن الجزائر قد استُعمرت بسبب ضربة مروحة؟

هل أرادت مصر الثأر من الجزائر لدعمها حملة نابليون؟

ينظر المؤرخون على أن الحملة الفرنسية على مصر هي مرحلة من مراحل التسابق على الفتح والاستعمار بين إنجلترا وفرنسا منذ القرن السابع عشر، إذ أخذ التسابق بين الدولتين منحى متصاعدًا إثر قيام الثورة الفرنسية. حين استطاعت جيوش فرنسا بقيادة نابليون بونابرت أن تخضع أوروبا، في حين ظلت إنجلترا بحكم موقعها الجغرافي وسيادتها البحرية بمأمن من غزواته.

ومن هنا اشتدت الرغبة في القضاء على إنجلترا وقهرها في مختلف الميادين، وبرزت فكرة احتلال مصر خطوة أولى لضرب إنجلترا؛ ليشرع نابليون -انطلاقًا من ميناء طولون الفرنسي في 05 مارس (آذار) عام 1798- في حملة عسكرية قوامها 31 ألف جندي و15 سفينة باتجاه الإسكندرية في مصر، كان حسن باشا حينها داي الجزائر، وكان هذا الأخير صديقًا مقربًا من نابليون؛ ولم يتوان حينها حسن باشا عن تقديم يد المساعدة لنابليون في حملته على مصر.

محمد علي باشا

ويذكر مفيد الزيدي‎ مؤلف كتاب «موسوعة التاريخ الإسلامي» أنّ حسن باشا دعم فرنسا باللحوم والحبوب والجلود إبان الحملة الفرنسية على مصر، قبل أن يتراجع بناءً على طلب من الباب العالي ويقطع علاقته مع فرنسا، بل ويعلن الحرب عليها للتراجع عن حملتها.

وبعد مرور 30 سنة من تلك الحادثة، أرادت باريس الاستعانة بمصر في سبيل خطة الاحتلال الفرنسي للجزائر؛ وذلك بوضعها خطةً لمشروع عسكري تقوم به مصر ضدّ الجزائر بمساندةٍ فرنسية، على أن يضمن لفرنسا مصالحها العسكرية والاقتصادية في الجزائر.

لماذا لم تجد خطة فرنسا طريقها إلى النور؟

يذكر شارل أندري جوليان في كتابه «تاريخ أفريقيا الشمالية» أنّه في الوقت الذي كانت فيه الحملة تقترب من التحقق؛ قام الأمير بولينياك بصفته رئيسًا للوزراء الفرنسي، بعرض المشروع على مجلس الوزراء، وهناك لقي المشروع معارضة كبيرة خاصة من الجنرال دي بورمون وزير الحربية آنذاك، ووزير البحرية دي هوسي، اللذين هددا بتقديم استقالتهما إذا قدمت فرنسا السفن الأربع والمساعدات لمحمد علي باشا كون هذا الأخير -حسبهما- لا يختلف عن داي حسين، أما السيناتور جون سار فعزا رفض مجلس الوزراء مشروع الحملة إلى أسباب عاطفية، وهي أنه لا ينبغي أن ترتفع فوق السفن الفرنسية غير الأعلام الفرنسية.

وبما أنّ من بين شروط محمد علي باشا كان أن يتلقى فرمانًا من السلطات العثمانية يجعل من غزوه الجزائر حملةً شرعية؛ وبينما كانت فرنسا تفاوض باشا مصر وتجري تعديلات على مسودة مشروع الحملة بشكل يرضي الطرفين معًا، أمر السلطان محمود الثاني بأن يبحث هذه المسألة وزير البحرية خسرو باشا ورئيس الكتاب خليل أفندي، لإجهاض هذا المشروع، كما أمر بإرسال مبعوثٍ خاصٍ به إلى الجزائر، وهو خليل أفندي من أجل الوساطة بين فرنسا والجزائر.

خابت حينها مساعي السلطات الفرنسية في إقناع الباب العالي وتحقيق شرطٍ مهمٍ من شروط محمد علي باشا، بعد أن رفض السلطان العثماني السماح لحاكم مصر باحتلال الجزائر وتونس وليبيا، وحاول إقناع السفير الفرنسي بأن تأييد هذه الخطة يخالف الدين الإسلامي، وأن محمد علي باشا لن يقدر على تنفيذها.

ولم تكن هذه هي المعيقات الوحيدة التي أفشلت مشروع حملة محمد علي باشا على الجزائر، فقد لعب الرفض الأوروبي للحملة دورًا في إجهاضها، إذ قوبل المشروع بارتياب عامٍ في أوروبا، ولم تكن الاعتراضات في برلين وفيينا على فكرة إدخال الجزائر تحت سلطة محمد علي باشا أقل حدّة، كما لعب الرفض البريطاني لهذا المشروع دورًا مهمًا في إبطاله؛ وهو ما تجلى في رسالة اللورد أبردين إلى الدوق الفرنسي لافال، والتي أعرب له فيها عن أمل بريطانيا في فكّ تحالفها مع مصر مع تحذير بريطاني باستعمال القوة حال إصرار فرنسا على تغيير الوضع في الجزائر دون مراعاة مصلحة لندن في ذلك.

وأمام هذا الصراع حاولت فرنسا إنقاذ فكرتها بتعديل مشروع دعمها لمحمد علي من ثماني سفن إلى مبلغ 10 ملايين فرنك، وهو ما تمّ رفضه من طرفه؛ لتتحمّل فرنسا في الأخير على عاتقها حملة عسكرية لاحتلال الجزائر في يونيو (حزيران) من سنة 1830؛ وتتمكن من دخول العاصمة الجزائر في الخامس من يوليو (تموز)، واستطاعت المكوث في البلد طيلة 132 سنة مرتكبةً خلالها مجازر مرعبة مسفرةً عن مقتل أكثر من 8 ملايين جزائري.

من بينهم الأمير عبد القادر.. أبرز الثوريين الذين تعرضوا للتشويه في الجزائر

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد