تزامنت التغييرات الجديدة في المملكة السعودية بتأسيس جهاز أمن وطني، ستخول له صلاحيات واسعة، بتقليص الصلاحيات والمهام التاريخية التي كانت موكلة لولي العهد «محمد بن نايف» بشأن الأمن الداخلي، واضطلاعه بمهام مكافحة الإرهاب، خصوصًا مع التغييرات داخل جهاز الاستخبارات السعودي، الذي شهد تصعيد بعض القيادات الأمنية المحسوبة علي ولي ولي العهد «محمد بن سلمان».

تزامن ذلك بتعيين الأمير الشاب «خالد بن سلمان» سفيرًا للمملكة لدى الولايات المتحدة الأمريكية، في إشارةٍ رمزية لمحو حقبة نفوذ محمد بن نايف التاريخي داخل واشنطن، الذي كان الوجه السعودي المعروف لدى دوائر صنع القرار في أمريكا، بعد الأمير «بندر بن سلطان».

الصلاحيات الأمنية.. تقليص سلطات «بن نايف» وتوسيعها لنخبة «بن سلمان»

عزَّزت التغييرات العسكرية والأمنية التي أمرت بها القرارات الملكية، من صلاحيات أذرع ولي ولي العهد محمد بن سلمان في ملفي الاستخبارات والأمن الداخلي، فيما قلصت هذه القرارات من النفوذ التاريخي لمحمد بن نايف، الذي يشرف على جميع المسائل الأمنية الداخلية، فضلًا عن توليه ملف مُكافحة الإرهاب وتنظيم القاعدة. 

على مدار السنوات العشر الأخيرة، تحقق لمحمد بن نايف نفوذٌ تاريخيّ في ملف الأمن الداخلي للمملكة، ومحاربة الإرهاب، نال إعجاب الولايات المتحدة الأمريكية، والذي نسبت له الفضل خلال عمله نائبًا لوزير الداخلية السعودي، في إحباط مؤامرة لتنظيم القاعدة لمهاجمة قنصلية الولايات المتحدة في جدة، خلال زيارة لنائب الرئيس الأمريكي في لقاءٍ هناك مع ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله، وذلك عام 1998.

اكتسب بن نايف هذا النفوذ من خلال تمثيله لواجهة الحرب السعودية على تنظيم القاعدة، فيظهر تارةً على شاشات التلفزيون وفي الصحف لشرح التهديد الذي كانت المملكة تواجهه، ويلتقي تارة أخرى المسئولين الغربيين الذين يثنون علي جهودهِ في حصار العناصر التابعة لتنظيم القاعدة في المملكة، والانخراط بشكلٍ فعليّ في حصار كافة العناصر خارج المملكة أيضًا.

التغييرات الأخيرة التي طالت ملفي الاستخبارات والأمن المركزي، قلَّصت من هذه الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها ولي العهد السعودي، باستحداث مركز أمني باسم «الأمن الوطني»، يرتبط مباشرةً بالديوان الملكيّ، وعُيّن عليه «محمد الغفيلي» مستشارًا للأمن الوطني بالمرتبة الممتازة، في خطوةٍ اعتبرها المحللون أولى الخطوات الفعلية لتقليص صلاحيات بن نايف ونفوذه في المملكة، وتهميش «مجلس الشؤون السياسية والأمنية» الذي لم يمض وقت طويل على إنشائه، ويخضع لإشرافه.

امتدت تلك التغييرات بتنصيب رجالات محسوب ولاؤها لمحمد بن سلمان في مناصب هامة بجهاز الاستخبارات، كترقية «أحمد العسيري»، وهو الناطق باسم التحالف العسكري ضد الحوثيين في اليمن، والمُقرب من ولي ولي العهد، ليشغل منصب نائب رئيس الاستخبارات وذلك مكان الفريق «يوسف الإدريسي»، وتعيين ابن أخيه، حفيد الملك سلمان، المستشار السابق في سفارة السعودية بلندن، «أحمد بن فهد بن سلمان»، نائبًا لأمير المنطقة الشرقية، سعود بن نايف بن عبد العزيز، الشقيق الأكبر لمحمد بن نايف.

يتفق في ذلك الأمر، المغرّد السعودي الشهير «مجتهد»، الذي كتب عبر حسابه الشخصي على موقع «تويتر»: «مركز الأمن الوطني الجديد الخاضع للديوان الملكي سيكون وسيلة قص أجنحة الداخلية كمقدمة لطرد م ب ن (محمد بن نايف)، سوف يلحق به كل فروع وزارة الداخلية الحساسة».

فى دراسته الصادرة تحت عنوان «أمير مكافحة الإرهاب»، يصف الخبير بمعهد بروكينجز بروس ريدل، والذى عمل عقودًا في وكالة الاستخبارات ومجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، يصفه: «كان محمد بن نايف ملمًا بأحدث التكتيكات المبتكرة في مجال مكافحة الإرهاب، وخاصة في ما يتعلق بالجهود الرامية إلى إعادة تأهيل الإرهابيين، وهو على الأرجح ضابط المخابرات الأكثر نجاحًا في العالم العربي اليوم».

نفوذ «بن نايف» داخل البيت الأبيض.. يحاصره الأخ الأصغر لـ«بن سلمان»

تحقَّق لمحمد بن نايف نفوذ تاريخي لدى مسئولي الإدارة الأمريكية على مدار السنوات العشر الأخيرة، فهو السعودي الذي درس فى إحدى جامعات ولاية أوريجون، وتدرَّب كذلك في مكتب التحقيقات الفيدرالية FBI.

أتاح منصب محمد بن نايف وزيرًا للداخلية السعودية الاقتراب من الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الأمريكية نتيجة إشرافه على ملفات شديدة الحساسية كمواجهة تنظيم القاعدة داخل السعودية، وتبنِّيه لبرامج إعادة تأهيل وإصلاح للإرهابيين، فضلًا عن توليه ملف التنسيق الأمني والاستخباراتي مع نظرائه الأمريكيين، والذي حقق خلاله تقدمًا كبيرًا سواء في الداخل السعودي أو الخارج.

حظي بن نايف بثقة مسئولين كبار داخل الإدارة الأمريكية، وتمتَّع بنفوذٍ جعله المُرشَّح المُفضَّل من جانب الإدارة الأمريكية. يظهر ذلك في حديث جورج تينيت، المدير الأسبق لسي آي إيه للقول إنه «الأهم من بين الأشخاص الذين تحدثت إليهم. فهو شاب نسبيًا، وقد وضعنا فيه قدرًا كبيرًا من الثقة وأوليناه احترامًا عظيمًا». ومدحه كذلك ليون بانيتا، المدير السابق للمخابرات الأمريكية، وأشاد بقدراته قائلًا عنه «إنه الأذكى والأكثر خبرة في أبناء جيله».

وكان دور بن نايف في إعداد شبكة من المخبرين، أحبطت أكثر من مؤامرة ضد الولايات المتحدة الأمريكية، مسألة جعلته الرجل الأول لدى الإدارة الأمريكية في السنوات الأخيرة، وهي ترتأيه أفضل من يُنسق معها، والأكثر فهمًا للداخل الأمريكي، فهو الذي عاش فيها فترات شبابه وصباه خلال سنواته التعليمية الأولى والجامعية كذلك.

وكان بن نايف له الدور الأكبر في إحباط وضع تنظيم القاعدة قنابل على متن طائرات تابعة لشركتيْ UPS وFedEx والتي كانت متجهة من اليمن إلى شيكاغو، عقب انتخابات الكونغرس الأمريكي في العام 2010، حيث اتصل محمد بن نايف بالبيت الأبيض وقدم إلى جون برينان، مستشار الرئيس أوباما لشؤون الإرهاب، أرقام الحاويات القاتلة لمتابعتها، وجرى توقيف هذه الطائرات بعد ذلك في كلٍ من دبي وشرق ميدلاند بالمملكة المتحدة، وأزيلت القنابل.

القرار الأخير بتعيين نجل الملك سلمان، عديم الخبرة الدبلوماسية، سفيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية، هي محاولة فسرها الكثيرون لقطع الطريق على رهان البيت الأبيض على بن نايف، وتحويل الأنظار إلى محمد بن سلمان، ولي ولي العهد محله، وتسويقه داخل أروقة العاصمة الأمريكية، لخلافة والده على كرسي الحُكم.

يُفسر تلك المسألة المُغرد السعودي مجتهد: «اختيار خالد بن سلمان (شقيق محمد) سفيرًا في واشنطن هو جزء من ترتيبات م ب س لضمان علاقة مغلقة مع ترامب دون وسيط آخر من الأسرة لشق الطريق للملك».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد