«بالروح، بالدم، نفديك يا دحلان» لن تبرح هذه الجملة ذاكرة مواطن فلسطيني أجبر على ترديدها وهو معصوب الأعين ووجهه لحائط متسخ في منزل خصص للسجن في شمال قطاع غزة. فالرجل الذي اعتقل  في يناير (كانون الثاني) عام 2007 على يد عناصر تابعين للقيادي المفصول من حركة التحرير الفلسطيني «فتح» محمد دحلان، تعذب كثيرًا قبل أن يطلق على ركبته خمس رصاصات، وذلك لمجرد انتمائه لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، التي أوكلت مهمة تقييد عملها وغيرها إلى رجل التنسيق الأمني مع إسرائيل، محمد دحلان.

يدرك الفلسطينيون في قطاع غزة حجم نفوذ مؤسس «فرق الموت» الذي حول حياتهم إلى رعب، إذ تعاظم نفوذه مع كل منصب من المناصب المهمة التي كان يتولاها؛ سواء في حركة «فتح» أوفي مؤسسات السلطة الفلسطينية، فوزير الأمن الداخلي في الحكومة الفلسطينية الأولى التي شكلها محمود عباس في 2005 ومدير الأمن الوقائي في غزة منذ 1994 حتى 2003، يمضى حتى الآن مصرًا على أن يصل بنفوذه حتى يصبح «الرئيس الفلسطيني» مدعومًا الآن بجهد إماراتي كبير له مآرب عدة.

في طريقه نحو الرئاسة.. هكذا غدر دحلان بقادة السُلطة و«فتح»

أيقن قادة حركة «فتح» مبكرًا حقيقة إصرار دحلان على أن يكون الأعلى في هرم الرئاسة الفلسطينية، هذا الحلم الذي ولد لديه في عهد الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، الذي أوكل إليه مهمة إنشاء «جهاز الأمن الوقائي»، تلك المؤسسة التي خلقت لتشديد القبضة الأمنية بعد وصول السلطة للأراضي الفلسطينية في عام 1994، وبالتأكيد كان من بين هؤلاء القادة لحركة «فتح» عرفات نفسه، فقد لمس أبو عمار الرغبة القوية لدى دحلان بأن يرثه سياسيًا، حين كان لا يكف عن نقد سياسات عرفات بالقول: «غير محكمة، التي منحت حركة حماس مساحة واسعة للانتشار في الداخل الفلسطيني».

أنصار دحلان يرفعون صورته في غزة

كان دحلان ينتقد عرفات ويشيع استبداده بالحكم، وهو ماض في جمع ملايين الدولارات تحت بند المساعدات لجهاز الأمن الوقائي الذي دُعم من عدة أطراف إسرائيلية ودولية، للقضاء على حركات المقاومة الفلسطينية، كما كان الجهاز مضخة للأموال الطائلة التي جناها دحلان من فرض الضرائب على الشاحنات التي تدخل للقطاع، بمباركة إسرائيلية ناجمة عن علاقات دحلان مع أجهزة الاستخبارات، وخاصة جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل «الشين بيت».

ولم يصمت دحلان عن نقد عرفات إلا بعد وفاة الأخير، وتوليه وزارة الدولة للشؤون المدنية عام 2005، تحت رئاسة محمود عباس الذي اختير خلفًا لعرفات، فإذا ما حلت انتخابات «المجلس التشريعي الفلسطيني» لعام 2006، وئد حلم دحلان بأن تستمر حركة «فتح» في قيادة السلطة بسبب اكتساح حركة «حماس»، لتلك الانتخابات بـ 76 مقعدًا مقابل 43 لحركة «فتح».

وبرغم «المصاب الجلل» الذي منيت به حركة «فتح» نتيجة سيطرة حركة «حماس» على قطاع غزة عام 2007؛ إلا أن دحلان سرعان ما وضع نصب عينيه معركة جديدة مع خصمه في قيادة حركة «فتح»، محمود عباس، فواصل صعوده في سلم القيادة الفلسطينية، ليتمّ انتخابه عام 2009 عضوًا في اللجنة المركزية لحركة «فتح»، وهي العضوية التي يجب الحصول عليها لكل من يصبو للرئاسة.

في عام 2010، كان دحلان قد تمكن من تعزيز نفوذه بالأجهزة الأمنية والوزارات في الضفة الغربية، ومضى يتدخل في كل شيء، مثل ملف تشكيل الحكومة الجديدة بقيادة سلام فياض، وكذلك اجتهد في تحريض قيادات بعينها في حركة «فتح» على أنها الأحق من عباس في رئاسة السلطة الفلسطينية، وتحديدًا ابن شقيق الرئيس الراحل ياسر عرفات، ناصر القدوة، وكذلك فياض نفسه، لكن عباس الذي أيقن أهداف دحلان الساخر دومًا من الحرس القديم في منظمة التحرير الفلسطينية؛ كان قد تنبه لتمهيد دحلان للانقلاب عليه، فاتخذ خطوات فعلية لتقويضه، أهمها قرار فصله من حركة «فتح»، وإحالة القضايا التي تخصه، سواء كانت جنائية أو مالية إلى القضاء في يونيو (حزيران) 2011، وانتهج عباس سياسة محاربة كل المحسوبين والمؤيدين لدحلان، وعمد أيضًا إلى فصل عدد من القيادات من الحركة بتهمة «التجنح»، وقطع رواتب العشرات من مؤيديه.

دحلان والعمادي.. حرب باردة بين قطر والإمارات في أزقة غزّة الفقيرة

«صديق حميم ووسيط مالي».. التطلع للحكم يجمع بين دحلان ومحمد بن زايد

في عام 1993، وخلال إحدى زيارات الراحل عرفات إلى الإمارات والتي اصطحب فيها مستشاره للأمن القومي محمد دحلان، التقى دحلان لأول مرة بالحاكم الفعلي للإمارات محمد بن زايد، والذي كان حينها طيّارًا مقاتلًا.

في هذا اللقاء ظهرت بوادر توافق كبير بين طموحات الرجلين، فابن زايد يحلم بأن يصبح وريثًا لأخيه غير الشقيق خليفة بن زايد الذي ورث الحكم عن والده الشيخ زايد، ودحلان يحلم بأن يكون الرئيس الفلسطيني، ثم تكررت بعد ذلك اللقاءات بين المتعطشين للسلطة؛ حتى وصفت علاقتهما بالصداقة الوطيدة، وهي الصداقة التي جعلت الإمارات وجهة دحلان بعد طرده من الأردن عام 2011.

في الإمارات احتضن ابن زايد، الصديق الحميم دحلان، الذي أصبح مستشارًا مقربًا له، إذ رأي فيه كنزًا لا يمكن الاستغناء عنه، باعتباره سياسيًا ذا حنكة أمنية واستخباراتية كبيرة، فأصبح دحلان الوسيط المالي في توسيع استثمارات دولة الإمارات التجارية والعسكرية، داخل الدول الأوروبية الواقعة بمنطقة أوروبا الشرقية وغيرها.

دحلان مع مسؤولين إسرائيليين

وبفضل الدعم السياسي والمالي الذي مُنح من الإمارات لدحلان؛ أضحى أبو فادي (كما يلقبه أنصاره) لاعبًا في حلبة الكبار، يعامل كشيخ من الأسرة الحاكمة، بل يتلقى «معاملة تفوق تلك التي تخصص للوزراء، ففي باريس مثلًا، تفتح له السفارة الإماراتية قاعة الشرف في المطار ويستقبل بسيارات الليموزين»، حسب صحيفة «لوموند» الفرنسية.

المهمة الأهم التي أوكلت لدحلان كانت بعد عام 2011، عام ثورات الربيع العربي، حين وظفت الإمارات دحلان لوأد الثورات ودعم الثورات المضادة في مصر وليبيا وتونس واليمن، حتى أن اسمه بات يذكر في كل أزمة من أزمات المنطقة التي تخلق لتحقيق مصالح الإمارات والسعودية، وكان آخر ذلك قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، إذ سرعان ما كشفت تركيا عن وجود  فريق مرتبط بدحلان وصل إلى تركيا قادمًا من لبنان قبل يوم واحد من جريمة قتل خاشقجي في الثاني من أكتوبر (تشرين الأول) 2018،  فيما حملت الأيام القليلة الماضية مفاجأة اكتشاف وجود فلسطينيين، اعترفا بالتجسس لصالح الإمارات على تركيا، ولهما علاقة بدحلان.

واستحقاقًا وأكثر لجهد دحلان مع الفاعلين الرئيسيين مصر والإمارات والسعودية؛ انصبت جهود هذه الجهات نحو العمل على استعادة قطاع غزة المنهك بالحصار والعدوان الإسرائيلي المتكرر على حركة «حماس»، ودعمت أبوظبي دحلان بشكل مطلق ماديًا وسياسيًا ولوجستيًا من أجل تهيئته لقيادة الفلسطينيين عبر استقطاب المنشقين عن حركة «فتح»، وإغداق الأموال على قطاع غزة تحت مسمى المساعدات الإنسانية، كما استغلت الخلاف الداخلي بين حركة «فتح» بقيادة عباس وحركة «حماس».

وكشف النقاب في مارس (آذار) 2018، عن حصول دحلان على موافقة رسمية من الإمارات، على تشكيل حزب سياسي رسمي يمثله داخل الأراضي الفلسطينية وخارجها، يدخل فيه منافسة الانتخابات القادمة، في حال توصلت حركتا «فتح» و«حماس» لاتفاق بشأنها، وبرغم أن دحلان الذي يحاول منذ عام 2014 إخراج حزبه للنور، إلا أن هذا لا يمنع أن يُحسب الآن على حركة «فتح» تياران، أحدهما تيار دحلان والآخر تيار عباس.

وتواصل الإمارات عملها لتقوية نفوذ دحلان في حركة «فتح» للاستحواذ على الحركة ورئاسة السلطة، وكذلك دفعت السعودية ومصر نحو تصديره على الساحة الفلسطينية بديلًا عن عباس، وهو التحرك الذي يشعر عباس دومًا بالخطر، إذ قال في اجتماع اللجنة المركزية الذي عقد في يناير (كانون الثاني) 2018 أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، يحاول الضغط للقبول بدحلان وعودته لقيادة حركة «فتح» مقابل زيادة الدعم السعودي والإماراتي للسلطة، كما تسعى الإمارات والسعودية الآن للضغط على عباس، من أجل  القبول بعودة دحلان، ويدرك عباس احتمالية استبداله في ظل رفضه لما يسمى «صفقة القرن» التي تدعمها السعودية.

ابن مدلل للنظام الأردني.. هكذا «تغول» دحلان في الأردن

تميزت علاقات دحلان بالأردن قبل أزمته مع عباس بأنها جيدة، حتى وصفه البعض بأنه «الابن المدلل للنظام السياسي الأردني»، لكن بعد اندلاع الأزمة السياسية بين عباس ودحلان تدهورت هذه العلاقة. وتعود التفاصيل إلى يوم اختار دحلان الأردن محطة هروب من أمن عباس، فوصل إليها بعد ساعات من مداهمة منزله بالضفة الغربية، واعتقال عدد من حراسه والشخصيات المقربة منه. واتخذ دحلان منزله في عمان مقرًا لإدارة أزمته مع عباس، ومع تدهور الأمور أكثر؛ اضطرت الحكومة الأردنية لطلب المغادرة من دحلان، فغادر الأردن في أغسطس (أب) 2011، ثم استجابت الأردن في عام 2012 لضغوطات عباس،  فقرر رئيس دائرة ادعاء عام عمّان، الحجز التحفظي على الأموال المنقولة وغير المنقولة لدحلان، عقب اتهام السلطة الفلسطينية لدحلان بالفساد والكسب غير المشروع  في قطاع غزة.

لكن الأمور لم تبق على ما هي عليه، ففي إطار تحسن العلاقات بين دحلان والحكومة الأردنية جاءت زيارة الرجل إلى الأردن بعد خمس سنوات من القطيعة في عام 2016، ورغم أن الزيارة ظهرت كما فضلت الحكومة الأردنية زيارة اجتماعية، لحضور حفل زفاف ابنة شقيقة دحلان، إلا أن الكثير من المعلومات تؤكد اهتمام أعلى المستويات بالأردن بهذه الزيارة، إذ كانت بتنسيق مع جهاز المخابرات الأردني الذي يرتبط بعلاقات وثيقة مع جهاز الأمن الإماراتي.

وتذهب مصادر إلى القول بأن دحلان عاد للأردن للعمل على جمع صفوف حركة «فتح» ضد عباس، بعد استجابة دوائر صنع القرار الرسمية في الأردن للإمارات، التي تغدق الأموال على المملكة، إعادة إنتاج نفوذ دحلان تمهيدًا لدور سياسي جديد على الساحة الفلسطينية للمرحلة المقبلة، واستكمالاً لترتيبات «صفقة القرن» بإدماجه في الساحة السياسية الفلسطينية، ففي تلك الزيارة التقى دحلان صحفيين أردنيين وبرلماني أردني، هو حمادة فراعنة الذي يعرف تطبيعه مع إسرائيل.

محمد دحلان

وبالرغم من محاولة عمان اتخاذ موقف حيادي من الأزمة السياسية بين عباس ودحلان؛ إلا أن الأردن بدأ يظهر أكثر ميلًا لدحلان بسبب القرب الأردني الرسمي من محور الإمارات ومصر، اللتين تريدان دحلان، ولذلك اصطفت الحكومة الأردنية مع الإمارات ومصر والسعودية لتتشكل الرباعية العربية، التي تسعى  لإعادة دحلان إلى صفوف «فتح»، بعد توتر علاقته مع عباس، الذي أدرك موقف الأردن الداعم لدحلان معتبرًا ذلك تدخلات أردنية في الوضع الفلسطيني.

لكن هذا الموقف الأردني كان له انعكاسات، تمثلت في زيادة النفوذ الإماراتي في الأردن عن طريق دحلان، الذي عمل على السيطرة  على وسائل إعلام أردنية. تلك الوسائل التي خلق فيها صحفيون أردنيون يوصفون بأذرع إعلامية تروج لوجهة النظر الإماراتية ولدحلان، باعتباره رجل المرحلة السياسية في فلسطين، كما يتحرك الرجل تحت غطاء العمل الإنساني في المخيمات الفلسطينية بالأردن بعد أن استطاع كسر هذا الحظر عبر الإمارات التي تعد حليفًا للأردن.

ولفتت عدة حوادث الانتباه إلى نفوذ دحلان في الأردن مؤخرًا، منها ما حدث في العاشر من نوفمبر (تشرين الأول) 2018، حين أعلن الأمين العام لمؤسسة «مؤمنون بلا حدود»، يونس قنديل، أنه اختطف واقتيد إلى غابة، قبل أن يكشف أنه فبرك الحادثة بالتعاون مع ابن شقيقته لتشويه صورة الإسلاميين في الأردن. وكُشف أيضًا وقوف دحلان وراء الرجل الذي تلقى أموالًا كثيرة لمؤسسته من الإمارات، وكذلك حادثة مقتل الناشط السياسي والمدير التنفيذي لهيئة «شباب كلنا الأردن» سامي المعايطة الذي وجد مقتولًا بطلق ناري في أحد شوارع مدينة الزرقاء شمال شرقي العاصمة عمّان، يوم الثاني والعشرين من أكتوبر 2018، إذ تحدث المجتمع الأردني على مواقع التواصل الاجتماعي، وفي الأحاديث الجانبية أن «وفاة المعايطة لم تكن طبيعية»، وأن جهات خارجية متورطة في قتل الرجل على خلفية سياسية، جاءت تحديدًا على خلفية تهديد المعايطة بنشر أسماء ومناصب ورواتب موظفين تابعين لدحلان، في الأردن.

8 أسئلة تشرح لك ما هي «صفقة القرن»؟

 

المصادر

تحميل المزيد