في يونيو(حزيران) عام 2011، فُصل القيادي الفلسطيني «محمد دحلان» من منصبه باللجنة المركزية لحركة التحرير الفلسطينية (فتح(؛ لتبدأ معركة الرجل مع الرئيس الفلسطيني «محمود عباس»، لكن بالتزامن مع دور جديد له على المستوي العربي.

فسرعان ما تولى منصب مستشار ولي عهد «أبو ظبي»، وأخذ يعمل على تغيير مسار الحياة السياسية في الإمارات. وُصفت قبضته بالحديدية على مقاليد الحكم في الإمارات؛ داخليًا عمل علي قمع الناشطين السياسيين الإمارتيين، وعرضهم لعمليات تعذيب، و خارجيًا، تصدر المشهد السياسي نيابة عن الإماراتيين؛ ليصبح الرجل الأقوى في الدولة الإماراتية.

المحطة الحالية، كانت معركة دحلان مع تركيا؛ فبغض النظر عن تورطه في انقلابها الأخير من عدمه، لم يترك الرجل مجالًا، إلا تهجم فيه على تركيا، حتى أمام البرلمان الأوروبي، وهو بذلك ينفذ رغبة الإمارات في إقصاء تركيا عن الساحة العربية، خاصة في تونس وليبيا ومصر، لكن فشل الانقلاب، والحديث عن دور محتمل لدحلان في هذه المحاولة الانقلابية، قلب الطاولة على رأس «الإمارات ودحلان» معًا، فهل سيدفع الأمر الإمارات للتخلي عن دحلان؟

دور دحلان في انقلاب تركيا الفاشل

لم يتحدث الأتراك عن علاقة دحلان ببلادهم في الانقلاب الأخير فقط، ففي 19 يناير (كانون الثاني) نشرت مجلة «جارتشك حياة» التركية، تقريرًا يفيد بوجود مخطّط انقلابي متعدّد الجنسيات ضد الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، وذكرت المجلة أن الإمارات، بدعم من روسيا وإيران، وبإشراف دحلان، هي من يقود هذا الانقلاب.

 

لكن في الانقلاب الأخير، وقبل أن تنفي تركيا وجود أية أدلة على تورط دحلان فيه، أعلن القيادي في «حزب العدالة والتنمية» «أحمد فارول»، أن بلاده لم تتردد في القبض على دحلان؛ إذا ثبت تورطه بالانقلاب، ولن تتردد تركيا في معاقبة ومحاسبة من يتورط في العبث بها، كما أشار الكاتب والمحلل التركي «إسماعيل ياشا»، إلى أنّ «ولي عهد أبو ظبي، وحاكم الإمارات الفعلي، محمد بن زايد، يطلب وساطة قطر؛ خوفًا من غضب أنقرة؛ بعد فشل محاولة الانقلاب».

يقول المحلل السياسي «ساري عرابي» «حتى الآن لا نملك معلومات دقيقة بخصوص علاقة الإمارات بالمحاولة الانقلابية في تركيا، وأثر هذه المحاولة على علاقة الإمارات بحلفائها من دول وشخصيات، وأظن أكثر ما ينشر بهذا الخصوص شائعات تفتقر للدقة».

و يري عرابي أنه من الممكن للإمارات، ولأي دولة، أن تفك علاقتها مع أي حليف، أو مقدم خدمات مهما بلغت العلاقة مستوى من المتانة، فتغيُر المصالح قد يقتضي تغير العلاقات، وتابع القول لـ«ساسة بوست»: «في هذا الإطار لا توجد علاقات مقدسة في هذا النوع من الدولة وممارساتها السياسية».

دحلان حقق أهداف الإمارات ثم ورطها

 

منحت صفة المستشار الأمني لولي عهد الإمارات الشيخ «محمد بن زايد آل نهيان»، نفوذًا كبيرًا لمحمد دحلان، ناهيك عن أن حمله لشعار محاربة «الإخوان المسلمين»، أضاف له المزيد من هذا النفوذ، عند الدول التي تخشى نفوذ الإسلاميين.

 

يتحدث لنا  رئيس المعهد الأوروبي للقانون الدولي، والعلاقات الدولية «د.محمود رفعت»، عن سياسة اعتماد الحكومة الإماراتية على توجهات كل من محمد دحلان، ورئيس وزراء بريطانيا السابق، «توني بلير»، ويقول: ما يميز دحلان أنه لم يكن موجهًا، كـ«بلير»، بل كان متصرفًا في الأمور، في ظل غياب الرئيس «خليفة بن زايد»، ويتابع رفعت «محمد دحلان تصرف في بعض المراحل أكثر بكثير من مسؤولين آخرين في الإمارات، ومنهم ولي عهد الإمارات محمد بن زايد، الذي فوض دحلان بالكثير من صلاحياته، وكأن الإماراتيين لم يكن لهم أدمغة خلال الخمس سنوات الأخيرة، فنصبوا دحلان باعتباره العقل الذي يتصرف بدلًا عنهم».

ويعتقد رفعت أن «الطامة الكبرى» التي قضت على النجاحات، التي كان قد حققها دحلان، عندما استطاع على الصعيد المصري أن يشتري الإعلام المصري، وقسمًا كبيرًا من قادة الجيش المصري، و«حفتر» في ليبيا بمال الإمارات، بحسب تعبير رفعت، التي كانت مع تركيا، وعقب بالقول «الإماراتيون يغرقون حاليًا؛ بسبب فتح أبواب عديدة؛ إذ اكتشفوا أن الفاتورة ستكون باهظة جدًا؛ حيث تنذر إجراءات أردوغان الأولية، أنه سينتهي قريبًا من ترتيب أوضاع بيته في الداخل، ثم يبدأ باستخدام أدواته القوية في الخارج».

ويشير رفعت إلى أن الإمارات أصحبت في حالة غرق على أكثر من صعيد، على الصعيد الليبي والمصري واليمني،  ويضيف «هناك أيضًا توابع ستحدث من داخل ليبيا أو مصر أو اليمن، التي اكتوت واحترقت بنار الإمارات، ومتوقع أن ينشأ منها ردة فعل بالمستقبل القريب ضد الحكومة الإماراتية، كما أن الحكومة نفسها في حالة غضب من الموقف الدولي الذي وضعوا أنفسهم فيه، وحالة غضب من محمد دحلان، وهذا ما جعلها الآن في حالة اختلاف مع دحلان، لكن لن تصل الأمور الآن لحد طرده». وما يجعل رفعت مستبعدًا لاستغناء الإمارات عن محمد دحلان الآن هو أن «محمد دحلان أكثر تشابكًا في المجتمع الإماراتي، وعالم بالسلطات والخيوط، ويصعب اقتلاعه، حتى لو أراد محمد بن زيد  اقتلاعه؛ لأنه ربط الكل خارجيًا، خاصة أبو ظبي، سواء مع إسرائيل أو مع الأمريكان».

 

لماذا من الصعب الإطاحة بدحلان واستبعاده من الإمارات؟

 

يقول الكاتب والمحلل السياسي، «أسامة الهتيمي» «إنه بالرغم من أن دحلان والسياسة الإماراتية فشلتا إلى حد كبير في تحقيق الرؤية الإماراتية، فيما يخص العديد من القضايا، إلا أن دحلان نجح في تحقيق بعض الأهداف الإماراتية: كدعم الثورات المضادة، والحد من تحركات ربيع الثورات العربية، وساعد على إيجاد قنوات للحوار والاتصال بين الإمارات وإسرائيل؛ وهو ما يعد في حد ذاته انتصارًا كبيرًا للرؤية الإماراتية، الرافضة والمناهضة والمتخوفة من هذا الربيع العربي».

 

ويرتب الهتيمي على ما سبق اعتقادًا بأنه من الصعب الإطاحة بدحلان، واستبعاده من الإمارات، وقال: إن الأمر «خيار غير مطروح في الوقت الحالي؛ إذ بيد الرجل الكثير من أسرار وكواليس العديد من الملفات الخطيرة والهامة، ومن ثم فإن التعرض له بما لا يسره، يعني مجازفة إماراتية، ربما تعمل على الكشف عن الكثير من هذه الملفات».

ويوضح الهتيمي لـ«ساسة بوست»، أن الإمارات تدرك كون حجم علاقات دحلان وتعاملاته يجعل من عملية التخلص التقليدي منه أمرًا ليس سهلًا، وبالتالي فمن المرجح أن تُفضل الإمارات إبقاء الرجل على أراضيها، مستدركًا القول «إلا إذا وصلت الأمور إلى حد يدفع الإمارات إلى إجراء تفاهمات؛ تحفظ للرجل حق القيام بأدوار أخرى في أماكن أخرى».

أما فيما يتعلق بالتخوف الإماراتي من الانتقام التركي؛ نتيجة احتمال تورط دحلان في الانقلاب،  فيري الهتيمي أن المسألة ليست بهذه البساطة؛ إذ يحتاج إثبات ذلك إلى وقت؛ للحصول على أدلة تثبت تورط دحلان، كما هو الحال الآن مع المتهم الأول، وفق تأكيدات القيادات التركية، «فتح الله كولن»، وتابع القول «كما أن دحلان ليس في الأساس تركيًا، ما يسمح بتسليمه لتركيا، بل هو، وبحسب الكثير من التقارير يحمل جنسيات عدة دول، كما أنه يحمل جواز سفر إماراتي»، ويصف الهتيمي «دحلان» بصاحب الخبرة الكبيرة في تدبير المؤامرات، وقال «هو لا يترك للرياح أن تسيره كيف تشاء»، ويضرب الهتيمي مثلًا بتوجيه أصابع الاتهام له في الأراضي الفلسطينية، بشأن تسميم الرئيس الفلسطيني الراحل «ياسر عرفات»، وبتمكنه من الهرب من «رام الله» إلى قطاع «غزة»، ثم إلى «أبو ظبي»، دون أن يتعرض للمساءلة أو المحاكمة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد