بعدما كان ظهوره يُحصر بين أبو ظبي والقاهرة بصفته مستشارا لولي عهد دولة الإمارات، أخذ ظهوره يتوسع على الساحة الدولية بدون صفة معلنة، فتارة يظهر في أثيوبيا يتوسط الأخوة الأفارقة المعنيين بقضية سد النهضة، وتارة في بروكسل يقدم نصائحه لحلف شمال الأطلنطي (ناتو)، وأخري في الكرملين وسط بوتين ورجاله.

إنه رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة، والقيادي المفصول من حركة “فتح” محمد دحلان،  الذي تروج له الإمارات أنه “محارب إقليمي للإرهاب، وتسوق نجاحاته بمساعدتها في الإجهاز على ثورات الربيع العربي”، لذلك يحاول دحلان أينما ظهر في المحافل الدولية أن يؤدي بمهارة مهمة التحريض ضد ما يسميه  “حركات الإسلام السياسي”، والتحريض ضد بعض الدول والحركات والشخصيات، وعلى رأسها تركيا التي يبدو أنها تحتل مركزا هاما في أجندة دحلان خلال الفترة السابقة.

تقرير “ساسة بوست” التالي يستعرض دور ومهام محمد دحلان  في الفترة الأخيرة على المستوي العالمي

(1) التحريض ضد تركيا

 

“أردوغان بياع كلام، بيفكر نفسه عمر بن الخطاب، بينما غيره من العرب كالسيسي والإمارات والأردن قدموا لغزة ما لم يقدمه أحد”، هكذا وبلهجة الفلاح الفلسطيني تحدث المستشار الأمني لولي عهد أبوظبي “محمد بن زايد”، الفلسطيني محمد دحلان، عن الرئيس التركي رجب طيب أوردغان، كان ذلك يونيو الماضي عندما حاورته وكالة عمون الأردنية.

لم يكن هذا هو التصريح الأول لدحلان، ويبدو أنه لن يكون الأخير، فقد هاجم دحلان تركيا في كلمته أمام منتدى حلف شمال الأطلنطي (ناتو)، ولم يتردد في مواصلة تحريضه ضد الدولة ورئيسها أثناء مداخلته بمؤتمر “الأمن التعاوني والتهديدات المترابطة” في بروكسل.

في هذا المؤتمر قال دحلان مخاطبًا الغرب: “أنتم في الطريق الخاطئ، تستخدمون النفاق السياسي بأبشع صوره، فالإرهاب وصل أوروبا، من أين وصل لا أحد يتحدث، هناك تجارة نفط عالمية مع تركيا وساكتين (صاميتن)”، وتابع دحلان محرضا على تركيا: “هل موقفكم المتفرج على تركيا وهي تغذي الإرهاب في سوريا موقف مسئول؟ لا أقول هذا الكلام من منطلق عداء لتركيا، ولكني ضد سياسة أردوغان في تدمير الدول العربية، معتقدًا أنه سيعيد إمبراطوريته العثمانية على حساب الدم العربي”.

لم يتوقف أمر دحلان عن التحريض على تركيا وتصويرها أمام الغرب بالممر الآمن للإرهاب بدافع المصلحة الاقتصادية، بل وصل الأمر لحد تحركات فعلية اتخذها مع المعارضة التركية، فقد أكدت معلومات تركية أن دحلان دخل تركيا بجواز سفر مزيف، وفيها التقى بعدد من المعارضين الأتراك والأكراد، كما كشف مصدر تركي لـصحيفة “عربي 21” وجود أدلة ووثائق  تثبت تورط دولة الإمارات في تقديم الدعم سرا لحزب العمال الكردستاني (PKK)، كما  بينت الوثائق والأدلة وجود ما أسمته “يد لأبوظبي في الاضطرابات التي شهدتها تركيا في الآونة الأخيرة”، إذ ذكر المصدر أن هناك” أدلة ووثائق حول الدور الإماراتي في دعم حزب العمال الكردستاني أصبحت بحوزة السلطات التركية، ومن المحتمل أن تعلن عنها في الوقت المناسب”.

ويري المحللون أن دحلان يتحرك كممثل دولة الإمارات، على أكثر من مستوى دولي للتحريض ضد تركيا التي تراها الإمارات الداعم الأول لحركات الإسلام السياسي التي تعاديها، إذ عقب المحللون على زيارة دحلان السرية لتركيا بأنها: “مرتبطة بنية دول خليجية تأليب المعارضة التركية ضد الحكومة ذات التوجه الإسلامي التي يرأسها رجب طيب اردوغان، وذلك عقاباً لها على موقفها من الانقلاب العسكري في مصر”.

(2) وفي الكريملين أيضا

 

قبل أيام، ظهر محمد دحلان يتوسط اجتماعا داخل مقر الكرملين في موسكو مع الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” وعدد من المسئولين الروس، ونقلت المصادر أن دحلان كان يمثل الإمارات في منتدى الثقافة العالمي الذي افتتحه بوتين في موسكو.

الإمارات تلك التي امتدحها دحلان خلال مداخلته بأنها نموذج ناجح كدولة تمكنت من فصل الدين عن السياسية، وتحقيق الأمان على أراضيها، إذ قال: “مثلا دولة الإمارات بها 120 جنسية و200 لغة، ونموذج بدوي صحراوي، وكانت أرض طاردة لسكانها، ثم أصبحت جاذبة؛ لأن فيها تسامح ديني، ففيها الكنيسة والمسجد والشواطئ، وبها تنمية واهتمام بشعوبها”، وسبق مديحه للإمارات تحريض على تركيا وتصوريها أنها ممر للإرهاب.
مؤخرًا اعترف دحلان أنه لا يمر شهر دون أن يري أو يتصل بوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، لذلك ذهب معلقون إلى:”أن زيارة دحلان لموسكو ربما كانت مكافأة له على هجومه على تركيا، خاصة أن العلاقات بين روسيا وتركيا متوترة بشدة منذ أسقطت الأخيرة طائرة روسية انتهكت مجالها الجوي عند الحدود مع سوريا”.

يقول  المحلل السياسي المصري أسامة الهتيمي:إن “دحلان يلعب دورا خطيرا في المنطقة العربية بالعمل مع الأنظمة والقوى التي تحاول إجهاض ثورات الربيع العربي، خاصة في ليبيا، وهو ما ينسجم مع التوجه الروسي تجاه المنطقة”، ويضيف: “إن بوتين ربما يريد اللعب بورقة دحلان، والاستفادة من الرجل ذي العلاقات المتشابكة بالمنطقة العربية، خصوصا أن له رجالا في سوريا يمكنه تحريك الأحداث من خلالهم بشكل ما”، واعتبر المحلل أن “استقبال دحلان في موسكو ليس بعيدا عن تطور جيد في العلاقات بين روسيا والإمارات، ربما يذهب إلى حد تغيير الأخيرة موقفها من الثورة السورية بشكل يقترب من موقف روسيا الداعمة بقوة لنظام بشار الأسد“.

(3) بين الإمارات وإسرائيل

 

رغم التكتم الشديد الذي تتخذه  الإمارات في علاقتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، إلا أن هذه العلاقات بدأت في الآونة الأخيرة تتسرب إلى العلن، وكانت المصادر الإسرائيلية أبرز من يسرب معلومات حول تحركات وتفاهمات مشتركة بين حكومة أبو ظبي وحكومة الاحتلال، وهي تحركات مسهلة بفضل جهد محمد دحلان، الفلسطيني الذي كان دائما قريبًا من قادة الاحتلال الإسرائيلي.

قبل فترة، أشارت مصادر إلى أن الإمارات قد وافقت على افتتاح ممثلية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، تحت مظلة الوكالة الدولية للطاقة المتجددة. ووصفت هذه الممثلية أنها ترقى لقنصلية في أبوظبي، وحسب المصادر الإسرائيلية أن “دوري جولد، أمين عام وزارة الخارجية الإسرائيلية، زار أبوظبي والتقى كبار المسئولين بها، لبحث هذه الخطوة، حيث وافق قادة البلاد على تطبيع العلاقات بين الجانبين، بخلاف دول الخليج الأخرى التي ترفض ذلك.”
هذه الخطوة تمت كغيرها من خطوات لتؤكد وجود علاقات سرية بين أبوظبي وتل أبيب بمساعدة دحلان، وسبق أن أكدت معلومات إعلامية أن عمليات بيع معدات الأمنية الإسرائيلية لأبو ظبي تمت بمساعدة محمد دحلان.

ويعقب موقع إسرائيلي على علاقة الإمارات بدحلان بالقول: “هذه العلاقة جعلت من رئيس جهاز الأمن الوقائي السابق في قطاع غزة، أحد أقوى الشخصيات في الإمارات مع كل ما يعنيه الأمر من نفوذ سياسي، تسهله الاستثمارات والأموال الإماراتية التي تستثمر في مناطق السلطة الفلسطينية وفي الشتات الفلسطيني، وكذلك أيضا في أماكن عديدة في العالم.”

وتابع موقع “المصدر” القول: “هذه الاستثمارات تهدف إلى تعزيز نفوذ الإمارات، لكنها تساعد على تعزيز مكانة محمد دحلان. العلاقات الإستراتيجية بين الإمارات والرئيس عبد الفتاح السيسي هي خير مثال على ذلك. فالإمارات تمنح دعما يكاد يكون غير محدود للرئيس السيسي لمواجهة الإخوان المسلمين، والتنظيمات الجهادية، ولدعم الجيش والاقتصاد المصري، لكن هذا الدعم هو الذي يسهل عمل دحلان ومقربيه في القاهرة”.

(4) وفي سيناء

 

منذ عام 2007، وعقب هروب عناصر أمنية فلسطينية كانت محسوبة على دحلان بسبب الانقسام الفلسطيني، ومصادر عدة تتحدث عن  وجود ضباط فلسطينيين تابعين لدحلان في سيناء، بل اعترف دحلان أن لديه “رجالا بسيناء”، وقال : “إن رجاله منتشرون بالفعل في سيناء؛ هربا مما أسماه طاغوت السلطة في فلسطين”.

هؤلاء يعيشون حياة ميسرة؛ بسبب الراتب الذي يُصرف لهم كل شهر من قبل دحلان، وهم آمنون بشكل كبير كما يقول مواطنون من سيناء، هذا الوجود طرح الكثير من الأسئلة، كسبب تمركز هؤلاء في سيناء دون غيرها؟ وتساؤل آخر حول الدور الذي يضطلع به دحلان في سيناء؟ ولماذا حذرتهم الجماعات المسلحة في سيناء من التورط بأية معلومات أو الدخول في الأزمة؟

يقول الخبير السياسي محمد عز: إن “علاقة دحلان بمصر، حتى منذ فترة الرئيس المخلوع حسني مبارك، كانت مع المخابرات العامة، وهي علاقة قوية جداً، ولدى دحلان رجال يعملون في القاهرة تحت حماية المخابرات”، ويضيف خبير أمني آخر: إن”دحلان يمكن أن يسهم في مواجهة الجماعات المسلحة في سيناء، من خلال رجاله في مصر، وتحديداً في سيناء، فالجانب المصري ربما يطلب من دحلان تنشيط رجاله في سيناء بمعرفة رجال الأجهزة الأمنية والجيش، في محاولة لوقف عمليات التنظيم المسلح من قبل ولاية سيناء”.

اتهامات عدة لحقت بعناصر دحلان في سيناء، ليس آخرها إمكانية ضلوع هذه العناصر بخطف أربع فلسطينيين من حافلة سفر خرجت من معبر رفح البري، يوم العشرين من أغسطس الماضي، وسبق وأكد القيادي في حركة المقاومة الإسلامية حماس محمود الزهار: أن “دحلان مسئول عن أعمال إرهابية في سيناء”، وقال الزهار عبر صفحته على “الفيسبوك”: “إن دحلان وجماعته المتفرقة منذ 2007، في العريش ورام الله ومصر وبعض الشخصيات المصرية المسيحية، هم من يخطط لتدمير سيناء وجر الجيش المصري إلى عمليات عسكرية وصدامات مع قطاع غزّة”، وأضاف الزهار:” الأدلة والوثائق على تورط دحلان، في تفجيرات سيناء، هو ومن يساعده ممن حاولوا الانقلاب علينا في 2007 بعد اتفاق مكة، والذين تفرقوا يومها ما بين رام الله والعريش ومصر”.

كما أشيعت معلومات حول تمكن دحلان من اخترق بعض تنظيمات السلفية الجهادية في سيناء كانت على اتصال بالسلفية الجهادية في قطاع غزة التي سبق وأن اخترقها “دحلان”، ويقول المحللون: إن “هذا الاختراق دفع  مستشاري “البغدادي” للمطالبة بمخالفة قواعد التنظيم في أن يكون أمير التنظيم من أهل البلد الموجود به، أو ما يعرف بالأنصار، وليس مجاهدين من بلاد أخرى”.

واتهم دحلان بوقوفه وراء عمليات عسكرية ضد الجيش المصري بالاتفاق مع جهات مصرية، وبهدف توريط حماس وقطاع غزة بالمسئولية عن هذه العمليات، يقول إبراهيم عبد الحميد، وهو محام من سيناء: إن “دحلان وضباط فتح المقيمين في المنطقة وراء مجزرة الجنود المصريين في رمضان قبل الماضي. ويرى أن القضاء المصري كان سيعلن أسماء الضالعين في المجزرة لو أنهم ينتمون إلى حركة حماس أو جماعة الإخوان المسلمين، وتساءل: لماذا لا يتم الإعلان عن مرتكبي مجزرة جنود رفح في العام قبل الماضي”.

 

(5) وأثيوبيا أيضا

 

في السابع عشر من يناير الماضي، قام دحلان بزيارة أثيوبيا برفقة القائم بأعمال رئيس المخابرات المصرية  خالد فوزي وابن الرئيس المصري محمود عبد الفتاح السيسي، وقدم نفسه كمستشار خاص لولي عهد أبو ظبي، الشيخ محمد بن زايد، وبعد انتهاء الزيارة غادر دحلان أثيوبيا مع الوفد المصري بطائرة إماراتية خاصة إلى القاهرة.

وفي الثامن العشرين من إبريل الماضي، نشرت مجلة “نيوزويك” الأميركية تقريرا كشفت فيه أن دحلان يعتبر نفسه صاحب الفضل في التوقيع على اتفاق سدّ النهضة، لكن سرعان ما نفت أثيوبيا ما روج له دحلان واعتبرت ذلك “دعاية” لدوره لا يمت إلى الحقيقة بصلة، وقالت مصادر أثيوبية عن دحلان: إن “حضوره إلى أديس أبابا في 27 يناير/كانون الثاني الماضي، كان أشبه بـ”مرافق” لرئيس جهاز الاستخبارات المصرية، خالد فوزي، ونجل الرئيس المصري، محمود عبد الفتاح السيسي، وليس مثلما يروّج دحلان”.

لم تكن أثيوبيا وحدها التي انزعجت من انكشاف مشاركة دحلان في محادثات سد النهضة بأثيوبيا، فالحكومة المصرية انزعجت من انكشاف دور وساطة دحلان، وأعربت عن شكها في أن يكون هو نفسه وراء انكشاف الخبر “بغرض دعم صورته كسياسي يتمتع بحضور إقليمي، ودعم إماراتي وثقة من أطراف الأزمة وخاصة مصر وأثيوبيا” كما قال مصدر مصري. وعلى الساحة الفلسطينية انتهز خصوم دحلان هذا الدور، وأخذوا يرجون إلى دور دحلان المضر بمصلحة مصر، وبدورها في اتفاقية سد النهضة الضعيف.

ويري المحللون أن علاقة دحلان بالإمارات التي تملك الكثير من الاستثمارات في أثيوبيا وعلاقته بالسيسي تقف خلف قضية سد النهضة، فقد حاول أن يؤدي دورا في تقريب وجهات النظر بين مصر وإثيوبيا ليظهر دحلان مرة أخرى كلاعب في ملعب الكبار، ويعزز علاقاته الدولية ومكانته الإقليمية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد