3,016

داخل مستشفى القصر العيني ترقد جثة رجلٍ هام في جماعة الإخوان المُسلمين؛ الشرطة تتوّق المكان بالخارج بعدما طارَ الخبرُ إلى أتباعه، والسلطات تسمحُ لأهله على مضض برؤية فقيدهم، لكنّها تشترط عليهم أنّ تكون الجنازة في ساعةٍ متأخرة من الليل، وأن يواري النعش الثرى دون حضور أحد إلى المقابر، وبلا إقامة أية مراسم للدفن، فقط سيكتبون على قبره قبل أن يرحلوا: «هنا يرقد المغفور له حسن البنا».

وبعد ما يقربُ من سبعين عامًا تتكرر القصة ذاتها في المكان نفسه مع محمد مهدي عاكف، المرشد السابع للإخوان المسلمين، الذي لفظ أنفاسه الأخيرة في مستشفى القصر العيني دون أن يتمكن أحد من حضور وداعه الأخير سوى زوجته وأبنائه، لكنّ «عاكف» ربما يكونُ وحده مسرورًا بتلك النهاية المتشابهة مع أستاذه.

في عام 1928، أطلق حسن البنا دعوته إلى العلن، وهو نفس العام الذي وُلد فيه مهدي عاكف؛ طفلٌ محبٌ للرياضة ذو جسمٍ قوي لافت للنظر، يدفعه شغفه بالأنشطة الرياضية إلى الانضمام للجماعة وهو في عُمر الثانية عشرة، لكنّ استعداده للفكرة سرعان ما كان سببًا في التحاقه بعد خمس سنوات فقط بالتنظيم السري المُسلح للإخوان بترشيح مباشر من «البنا»، والقصة يحكيها مهدي عاكف قائلًا «دخلت التنظيم العسكري لأن انتمائي للإخوان ليس فيه شك، واستعدادي للتضحية لا حدود له»، وكانت تلك الشخصية تستحق في نظر البنا أن تتحوّل تدريجيًا من مجرد ذراعٍ إلى عقلٍ مدبر، لذلك بدأ الاستعداد الخاص للمرحلة القادمة.

اقرأ أيضًا: مرشدو الإخوان والسلطة: الصراع الدائم الذي لن ينتهي!

الابن المخلص لمدرسة الحرس القديم

على يد الشيخ الدمشقي محب الدين الخطيب، واحد من مؤسسي الجماعة الأوائل، ورئيس تحرير مجلة الأزهر فيما بعد، تتلمذ عاكف في مجموعة الشيخ الذي ذاع صيته في البلدان العربية، بسبب محاربته للاستعمار، ودفاعه المُستميت عن الإسلام، وبدأ التحوّل التدريجي من الشغف بالرياضة إلى الإيمان الكامل بالفكرة، وكان ذلك هو الاختبار الصعب الذي طالما أنشده البنا في أشهر رسائله: «إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوافر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووُجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها». لذلك كان يجب على مهدي عاكف أن يقدم تضحية كبيرة تُرضي أستاذه بغض النظر عن كونه ضحى بحياته بقبوله الانضمام للتنظيم المُسلح، وتلك قصة أخرى مثيرة.

وفقًا لموقع «إخوان ويكليكس»، فبعدما أنهى عاكف دراسته الثانوية من مدرسة فؤاد الأول، التحق بكلية الهندسة، لكنّ «البنا» – قبل اغتياله بعدة أعوام- وجهه بأسلوب غير مباشر إلى الانتقال للمعهد العالي للتربية الرياضية؛ ويُفسر عاكف تلك الرغبة «كانت الجامعة وقتها عام 1947، يسيطر عليها الشيوعيون والوفديون، والبنا رأى أن الفكرة لا تواجه إلا بالفكرة».

وبعدما أنهى دراسته عام 1950، انتقل بعدها بعامٍ إلى كلية الحقوق، وهو العام الذي اشتعلت فيه تاريخيًا ثورة الطلاب ضد المُستعمر، وبالبحث عن قادة الحراك الطلابي في ذلك الوقت، نجد أن عاكفًا هو من كان رئيس قسم الطلبة –أهم حقيبة كان البنا يتولاها بنفسه- حيث سيؤهله تاريخه في التنظيم السري إلى تدريب الطلبة على المهام العسكرية التي توجهت لاحقًا للقيام بعمليات نوعية ضد الاستعمار في قناة السويس، ولم يكد عاكف وقتها قد تجاوز الـ27 من عُمره.

«كنت أختار من بين كل 400 طالب 50 فقط مؤهلين للعمل العسكري»، بينما يحكي عاكف تلك القصة، يتذكر قصة أخرى تبدأ من مكتب رئيس الوزراء المصري علي ماهر الذي أحضر عاكف بصفته قائد معسكرات الجامعة ليطلب منه وقف العمل الفدائي ضد الإنجليز، لكن يأتيه الرد بالرفض، لكنّه بعد ثورة 1952 بعامين يدخل قفص الاتهام بتهمة تهريب اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف -أحد قادة الجيش- المحسوب على الجماعة، وينال حُكمًا بالإعدام يفلت منه الشاب وهو داخل حجرة تنفيذ الأحكام، بعدما حصد الحبل رقاب الستة الذين سبقوه، لكن بديلًا عن الموت اختارت له السلطة موتًا آخر بالسجن بالأشغال الشاقة المؤبدة، لكن الرئيس جمال عبد الناصر الذي سجنه مات قبله.

20 عامًا داخل السجن فقد الشاب كل شيء فيها، وأبرزها عضلاته القوية، لكن الشيخ ظل محتفظًا برأيه الذي كرره مرارًا؛ فالسجن لم يهزمه على طول بقائه فيه؛ وفي عام 1974 خرج بعفوٍ رئاسيّ من الرئيس السادات ثم تولى منصبًا حكوميًا في وزارة التربية والتعليم، قبل أن يقرر السفر خارج مصر، وفي الوقت الذي ظنه البعض هروبًا من السلطات، كان الشيخُ يقوم بالتنقل إلى البلدان العربية تحت مظلة الندوة العالمية للشباب، وبعد ست سنوات من التنقل أدرك الجميع وقتها أن عاكفًا قام برحلته حول العالم من أجل إحياء التنظيم الدولي للإخوان المُسلمين، ويبدو أن الفكرة لم تَمُتْ، بالرغم من أنّه دفع في سبيلها أكثر من نصف عُمره.

الطريق إلى مكتب الإرشاد يبدأ من هزيمة مبارك

ليس لدينا مانع من ترشح مبارك، لكنه يجب أن يأتي إلينا مثل الجميع ليعرض برنامجه. *مهدي عاكف

«ما تعرضنا له من السجن، وما حدث لنا في داخله كان في مصلحتنا» يقولها باقتضابٍ دون تفسير، لكنّ عاكفًا يعود أخيرًا إلى مصر في عام 1986، لتبدأ مرحلة أخرى خاضتها الجماعة ضد مبارك؛ فمرة أخرى يصبح عاكف رئيس قسم الطلبة، ثم يُنتخب لعضوية مكتب الإرشاد، ثم يكون على رأس المفاجأة التي صدمت نظام مبارك، فالإخوان المسلمون نجحوا عام 1987 في الحصول على 37 مقعدًا في مجلس النواب كان عاكف على رأسهم، وبعدها بست سنوات أُحيل الشيخ إلى محاكمة عسكرية بدعوى قلب نظام الحُكم، وخرج عام 1999، ثم تولى منصب المرشد عام 2004 إلى عام 2010، وهنا يبدأ تاريخ جديد للجماعة.

روح الشباب التي لازمته وهو في سنّ السبعين، كما يصفه تلاميذه، كانت سببًا مباشرًا في قراراته الجريئة التي أغضبت مبارك؛ فالمرشد صاحب نزعة المبادرة منذ كان في التنظيم المُسلح يرفض أن ينحصر الإخوان داخل سجن ضيق، أو في تنظيم سري، ومن هنا تأتي الدعوة العلنية للنزول إلى الشوارع والاصطدام بالأمن، وبذلك انتهت فترة التسامح مع النظام التي كانت سِمة المرشد الأسبق عُمر التلمساني، كان أول قرار اتخذه هو الإعلان عن نفسه في وسائل الإعلام.

في عهد المرشد القوي، بدأ الإخوان في المعارضة بقوة، فالجماعة أرادت أن تظهر للنظام أنها قادرة على التصعيد دون أن يكون الطرف الآخر قادر على إيقافها، وكانت هذه رغبة عاكف الذي دعا الشباب إلى عدم الانغلاق والمشاركة في الحراك السياسي، فقامت الجماعة في 2004 بتنظيم مبادرة الإصلاح الداخلي في مصر، إذ قام بزيارات لمقار الأحزاب نفسها ومحاولة الوصول إلى تحالفات لم تكتمل معظمها بعد ذلك لكنها ظلت مؤشرًا على قدرة الجماعة على الحشد والتأثير، وفي عام 2005، خاض الإخوان الانتخابات التشريعية وحصدوا 88 مقعدًا في تحدٍ صريح لمبارك.

وبينما كانت الساحة السياسية مُشتعلة، كانت الشوارع لها نصيب من الصوت العالي، فالحركة الطلابية التي تشكل 80% من قوة الجماعة كانت مؤيدة دائمًا لكل القرارات الجرئية للمرشد، أبرزها المطالبة بإلغاء قانون الطوارئ. ففي عام 2009، قررت الجماعة حشد كل أنصارها من شباب الجامعات من كل المحافظات لإقامة فاعلية يوم الطالب العالمي في جامعة القاهرة، وبالرغم من علم السلطات، وقيام المئات من الشرطة بتطويق الجامعة، إلا أنهم فشلوا أمام الحشود التي جاءت تلبية لرغبة المرشد؛ وفي عام 2010، عندما انتهت ولايته اختار محمد مهدي عاكف أن يكون أول مرشد سابق للجماعة تاركًا – بعد انتخابات – منصبه لمحمد بديع في سابقة هي الأولى من نوعها في تاريخ الجماعة.

2011.. الرجل الصارم الذي نصح الإخوان بالابتعاد

أدعو الله ألا يفوز إسلامي بالرئاسة. *مهدي عاكف قبل الانتخابات الرئاسية عام 2012

على الرغم من تصريحاته الإعلامية التي أثارت ضجة، إلا أنه في المقابل لم يتوقف عن تكرارها، فحين سأله أحد الصحفيين عام 2006، سؤالًا «توريطيًا» عن رأيه في رؤيته للدولة الإسلامية الواحدة، وهل يقبل حينها بأن يحكم الدولة الإسلامية ماليزي، وتقع مصر ساعتها تحت حكم هذا الماليزي الغريب، أجاب سريعًا «طز في مصر.. فإذا كنا نتحدث عن عقيدة ودين، فطز في كل الجغرافيا والحدود والأعراق».

وفي عام 2012، عاد بتصريحه الأكثر غرابة، فقد كان أحد الرافضين لنزول التيار الإسلامي السباق الرئاسي، لكنه وافق على مضض أخيرًا بعد أغلبية الجماعة، وبعد حركة الجيش في 3 يوليو (تموز) عام 2013 كان ضمن الاعتقالات التي شملت الآلاف من الإخوان المسلمين، ووجهت له النيابة تهمة قتل المتظاهرين في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«مكتب الإرشاد»، وكانت محكمة الجنايات قد أصدرت حكمها بالإعدام ضده قبل أن تقوم محكمة النقض بإلغاء الحكم؛ لكنّ ابنة عاكف قد أنهت مسار القضية تمامًا بعدما نعت والدها مساء أمس قائلة «أبي في ذمة الله، إنا لله وإنا إليه راجعون».

وعقب الإعلان عن وفاته توعدت الجماعة في بيان لها على لسان المتحدث الرسمي بالقصاص من الحكومة لحبسه والتنكيل به رغم مرضه وتقدم عمره، ورفضها إعطاءه إفراجًا صحيًا، لكنّ بعض الآراء تتجه إلى أن الأمر لن يخرج عن مجرد تصريحات، خاصة بعدما مات رجلها الصارم في وقت تنقسم فيه إلى جبهتين (جبهة كمال وجبهة محمود عزت).