بعد أربعة أشهر من التظاهرات المستمرة في العراق، وبعد استقالة رئيس الوزراء عادل المهدي، والدخول في فراغ دستوري منذ 45 يومًا، اتفقت الكتل السياسية الأكبر في البرلمان العراقي (سائرون والفتح) على ترشيح وزير الاتصالات الأسبق محمد توفيق علاوي ليكون رئيسًا للوزراء، لكن ترشيحه منذ البداية لقى رفضًا من قبل المتظاهرين في العاصمة بغداد وبقية مدن الجنوب التي تشهد احتجاجات كبيرة.

رئيس الوزراء الجديد.. يريده الصدر ويرفضه المتظاهرون

قبيل تكليفه رسميًا بساعات قليلة ظهر رئيس الوزراء العراقي الجديد محمد توفيق علاوي بفيديو مصور من هاتف محمول، ونشره على حسابه الشخصي في «تويتر» معلنًا على «الشعب العراقي» أنَّ رئيس الجمهورية برهم صالح كلفه رسميًا بتولي منصب رئيس الوزراء. في حادثة تعتبر الأولى من نوعها، وجاءت خلافًا لبروتوكولات تنصيب رئيس الوزراء المعتادة في العراق، وتعهد علاوي – الذي كان خطابه باللهجة العراقية – أن يحارب الفساد الذي خرج من أجله المتظاهرون، ويقدم من قتلهم للمحاكمة، ويعيد هيبة الدولة.

لكن قبل إعلامه شخصيًا بالتكليف بات واضحًا للعراقيين أن محمد توفيق علاوي حصل على تزكية زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وظهر ذلك من خلال دعوة الصدر لأتباعه بالعودة إلى ساحات التظاهر والاعتصام، تمهيدًا للدفاع عن المرشح الذي سيحظى بقبول الصدر، وهذا ما حدث بالفعل.

فقد أعاد الصدريون خيامهم التي رفعوها قبل أسبوع من الساحات، ومنعوا المتظاهرين من إطلاق الهتافات المنددة بانحياز مقتدى الصدر إلى جانب الأحزاب الحاكمة (الموالية لإيران)، واقتحموا بناية المطعم التركي «جبل أحد» بالعصي والهراوات والسكاكين، وطردوا المتظاهرين منه، وأزالوا اللافتات المنددة بإيران والأحزاب الحاكمة من على جدرانه، وأزالوا اللافتات التي تعبر عن رفض مرشحي الأحزاب لرئاسة الوزراء، ومن ضمنهم كان محمد توفيق علاوي.

مقتدى الصدر الذي يقيم في إيران منذ عدة أشهر، نشر تغريدةً على حسابه الرسمي في «تويتر» بعد تكليف علاوي، بارك فيها اختياره رئيسًا للوزراء، آملًا منه ألا يستسلم للضغوط الداخلية والخارجية، وأن يسرع بإجراء انتخابات مبكرة، ويحافظ على سيادة العراق واستقلاله.

من هو محمد توفيق علاوي؟

رئيس الوزراء العراقي الجديد، من مواليد بغداد عام 1954، حاصل على البكالوريوس في هندسة العمارة من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1980، دخل البرلمان العراقي نائبًا في دورته الأولى عام 2006، ثمَّ عُين في العام نفسه وزيرًا للاتصالات في حكومة إبراهيم الجعفري، ليقدم استقالته منها عام 2007.

عاد نائبًا إلى البرمان العراقي عام 2008 ودخل حينها بديلًا عن النائبة عايدة عسيران التي توفيت حينذاك، ثم فاز في الدورة الثانية لانتخابات مجلس النواب (2010) ودخل عضوًا عن القائمة العراقية بقيادة ابن عمه رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي.

Embed from Getty Images

رئيس الوزراء العراقي المكلف محمد توفيق علاوي

في عام 2010 أيضًا، عُيِّن محمد توفيق علاوي وزيرًا للاتصالات مرة أخرى، وبعد سنتين (2012) قدم استقالته من الوزارة بسبب خلافات مع رئيس الحكومة آنذاك نوري المالكي، وقد أصدر القضاء العراقي بحقه مذكرة إلقاء قبض بتهم تتعلق بملفات فساد عقود وزارة الاتصالات، لكن التهم أُسقطت عنه عام 2014 لعدم كفاية الأدلة.

كان توجهه إسلاميًا في بداياته خاصة عندما كان طالبًا في كلية الهندسة بجامعة بغداد (قبل مغادرته إلى لبنان)، وكان من مقلدي السيد محمد باقر الصدر (والد مقتدى الصدر)، ثمَّ انتمى لـ«حزب الدعوة الإسلامية» ليغادره فيما بعد بسبب خلافات الحزب مع السيد محمد باقر الصدر، ثم عمل بعد ذلك مع ابن عمه إياد علاوي منذ عام 2005، وكان يدخل القوائم الانتخابية بصفة سياسي مستقل.

«ذيل.. لوگي.. انعل ابو توفيق لابو الرشحه»

تزكية مقتدى الصدر لمحمد توفيق علاوي قوبلت برفض قاطع من قبل المتظاهرين في ساحة التحرير ببغداد، وساحات النجف وكربلاء والناصرية والبصرة وواسط، وعد المتظاهرون موافقة الصدر انقلابًا على مطالبهم التي يصرون بها على اختيار شخصية غير جدلية لرئاسة الوزراء، وتحظى بقبول شعبي، وألا يكون مختارًا من قبل الأحزاب الحاكمة أو مسؤولًا حكوميًا سابقًا.

Embed from Getty Images

رئيس الجمهورية العراقي برهم صالح خلال تكليفه محمد توفيق علاوي برئاسة الوزراء

«ذيل، لوگي.. انعل ابو توفيق لابو الرشحه»، بهذا الهتاف استقبل متظاهرو ساحة التحرير نبأ تكليف محمد توفيق علاوي، ونظموا مسيرات داخل الساحة رافعين فيها الأعلام العراقية للتنديد بما قالوا إنها خيانة المتظاهرين ودماء الشهداء الذين سقطوا من أجل التغيير، في إشارة إلى تخلي مقتدى الصدر عنهم واتفاقه مع الأحزاب الحاكمة لإجهاض «ثورة أكتوبر».

سيف المياحي، ناشط في تظاهرات ساحة التحرير، يرى في حديث مع «ساسة بوست» أنَّ مقتدى الصدر «لم يكن يومًا في الجانب الذي يقف به المتظاهرون، وحتى نزول أتباعه في أكتوبر (تشرين الأول) 2019 لم يكن بهدف التغيير بقدر ما هو لغايات سياسية وتصفيات حسابات مع الكتل السياسية الأخرى، وعندما حقق مصلحته وأغرته إيران بالمزيد كشف عن نواياه ووجهه الحقيقي».

ويضيف سيف: «القبعات الزرق اقتحمت يوم أمس جبل أحد (المطعم التركي) واعتدوا علينا بالتواثي (العصي الكبيرة) والهراوات والسكاكين، وكانوا يحملون مسدسات، وطردوا الشباب الذين لم يغادروه منذ أربعة أشهر، وسيطروا عليه بالقوة، هذا هو الإرهاب بعينه، جاهل من يعتقد أنَّ القبعات الزرق كانت في يوم من الأيام تحمي التظاهرات، نحن نعرف أنَّ مليشيا جيش المهدي التي قتلت السنة في الحرب الطائفية وهجرتهم، واستولت على بيوت المسيحيين في بغداد هي من ارتدت القبعات الزرق ونزلت إلى الساحة، وإلا ماذا يفعل أبو درع في التحرير؟ (أبو درع أحد أبرز قيادات جيش المهدي المتهم بارتكاب جرائم بحق السُنة في بغداد إبان الحرب الطائفية عام 2006)».

ويضيف: «كُشفت الأوراق ومقتدى وأتباعه هم أخطر من أحزاب السلطة، على أقل تقدير تلك الأحزاب ومليشياتها واضحين في فسادهم وسرقاتهم وجرامهم، بينما صاحبنا يمارس أفعالهم تحت عباءة الوطنية والسيادة».

بيان ساحة التحرير الرافض لترشيح محمد توفيق علاوي لرئاسة الوزراء

عن الخطوة القادمة للمتظاهرين، يقول سيف المياحي، إنها «بدأت اليوم من خلال المد الطلابي الذي جاء إلى ساحة التحرير لمساندة المتظاهرين العراقيين الخالصين غير المنتمين لحزب، أو كتلة، أو تيار، لقد قالوا كلمتهم، وبالنسبة لثوار ساحة التحرير، فإن رفض محمد توفيق علاوي الذي جاء بمباركة الصدر هو رسالة للأخير مفادها: إنك مرفوض أيضًا لأنك أحد أركان هذا النظام القاتل والفاسد والموالي لإيران».

شاهد: طلاب المدارس والجامعات ينضمون إلى تظاهرات ساحة التحرير رفضًا لتكليف محمد توفيف علاوي برئاسة الحكومة

الباحث بالشأن العراقي والصحافي أزهر الربيعي، يقول في حديث لـ«ساسة بوست»: «إن تنصيب علاوي بهذا التوقيت، والذي يأتي مع مرور أربعة أشهر على التظاهرات العراقية، أمر خطير جدًا، وينذر بقادم أكثر تشابكًا وصراعًا بين الكتل السياسية، لا سيما وأن علاوي لا يحظى بموافقة كل الكتل السياسية، حتى وإن سمح الدستور للرئيس برهم صالح بتعيين المرشح الذي يراه مناسبًا».

وأكمل قائلًا: «رئيس الجمهورية برهم صالح كان يعتقد بأن تكليفه لرئيس وزراء جديد سيخفف حدة الغضب بين المتظاهرين في الساحات، ولكن الواقع جاء بعكس ذلك تمامًا عندما خرج المتظاهرون في أغلب مدن العراق رفضًا لترشيح محمد توفيق علاوي، الذي جاء بمباركة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، وكل ما قاله في الفيديو الذي نشره على حساباته الشخصية في وسائل التواصل الاجتماعي ما هو إلا جرعة تخدير لامتصاص غضب الناس وكسب تعاطفهم معه».

الربيعي أضاف: «للخروج من الأزمة الحالية، على الحكومة العراقية إعادة النظر في اختيار الشخص الذي يلاقي مقبولية الشارع العراقي قبل الكتل السياسية، وهذا أمر غير سهل في ظل دولة تعاني من التدخلات الخارجية، كالتدخل الإيراني الذي يتحكم بالقرار السياسي العراقي».

إيران تبارك رئيس الوزراء الجديد

إيران لم تتأخر عن إعلان موقفها من اختيار رئيس الوزراء العراقي الجديد، فبحسب ما نشرت «وكالة الجمهورية الإسلامية للأنباء (إرنا)»، إذ قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، سيد عباس موسوي: «إن إيران في إطار مواصلة دعمها الاستقلال، والسيادة الوطنية، ووحدة الأراضي، وتعزيز أسس الديمقراطية في العراق، ترحب بانتخاب محمد توفيق علاوي رئيسًا للوزراء في هذا البلد».

مضيفًا: «إيران تتمنى النجاح لمحمد توفيق علاوي في تشكيل حكومته وتلبية لمطالب الشعب والمرجعية الدينية في العراق».

وأضاف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية: «إن إيران وفي ظل الظروف التي تواجهها الحكومة والشعب العراقي الصديق والشقيق فإنها على أتم الاستعداد لتقديم أي دعم لتذليل المشكلات التي يعاني منها العراق وصولًا إلى أهدافه السامية».

عربي

منذ 7 شهور
العراق.. بين تظاهرات «ولد الخايبة» ومليونية الطرف الثالث

عرض التعليقات
تحميل المزيد