يعتبر شريان الحياة للحضارة الحديثة هو الحصول على طاقة متدفقة وبأسعار معقولة. هذا يعطينا القدرة على تدفئة منازلنا، وحفظ الطعام في ثلاجاتنا، وشرب المياه النقية، وتصنيع المنتجات، وأداء عمليات زرع الأعضاء، وقيادة السيارات، والذهاب إلى العمل، أو حتى المماطلة في العمل من خلال قراءة قصة حول مستقبل الطاقة.

اليوم، تخفف الإمدادات الرخيصة والوفيرة للطاقة من حولنا، من رؤية أزمة الطاقة التي تلوح في الأفق للبشرية. هذه الأزمة لن يشاهدها فقط أحفادنا، لكننا غالبًا سنتعرض لها خلال فترة حياتنا.

أزمة طاقة

سينمو إجمالي عدد السكان على سطح الكرة الأرضية من 7.36 مليار نسمة حاليًا إلى حوالي تسعة مليارات نسمة في عام 2040، أي بزيادة قدرها 22%، وبالطبع فإن توزيع هذه الزيادة على دول العالم غير متساوٍ، ويختلف من شعب لآخر. الدول ذات النمو الاقتصادي المتسارع ستستهلك الطاقة بمعدل أكبر من ضعف معدل النمو السكاني نتيجة طفرتها الاقتصادية وحاجتها الكبيرة للطاقة من أجل البناء والتطوير.

ويمكن للوقود الأحفوري أن يطفئ عطش كوكب الأرض العميق للحصول على الطاقة، لكنه سيكون –في أفضل الأحوال- حلًا مؤقتًا، ويعود السبب وراء ذلك إلى أن الاحتياطات المعروفة لهذا الوقود سيجف غالبًا في غضون قرن أو اثنين، كما أن هذا المصدر للطاقة يحمل الكثير من المشاكل والآثار الجانبية السيئة لكوكب الأرض، فحرق ذلك الوقود الكربوني من شأنه أن يعجل عملية تغير المناخ، والتي هي بالفعل في طريقها لتعطيل وتعريض الحياة على الأرض لمخاطر لا تحصى.

وفي الوقت نفسه، فإن مصادر الطاقة المتجددة مثل الرياح والطاقة الشمسية، على الرغم من أنها هي الأجزاء الرئيسية للحل، فهي ليست الرصاصة الذهبية للقضاء على أزمة الطاقة، وخاصة إذا ما كان العالم ينوي الوفاء بمهلة عام 2050 التي وضعتها اتفاقية باريس.

من ناحية أخرى، فإن الطاقة الناجمة عن عمليات انصهار البلازما واعدة، ولكن لم يثبت بعد أنها تصلح لإنهاء أزمتنا القادمة، خصوصًا وأن هناك مشاكل تتعلق باستعمالها على نطاق تجاري وتنافسي، والمفاعلات النووية، من ناحية أخرى، تناسب كثيرًا الحل الذي نرغب في الوصول إليه: تمنحنا طاقة كثيفة، ويمكن الاعتماد عليها، ولا تنبعث منها أي مواد كربونية ضارة، وهي من بين المصادر الأكثر أمانًا لمصادر الطاقة على الأرض، على عكس مشاعر الناس السلبية تجاهها.

في وقتنا الحالي، تزود المفاعلات النووية الولايات المتحدة الأمريكية بأكثر من 20% من احتياجاتها من الطاقة، على الرغم من أن هذه النسبة يمكن أن تنخفض بحلول أربعينيات القرن الحادي والعشرين إلى حوالي 10%، نتيجة قيام الشركات بإغلاق المفاعلات النووية القديمة التي تبلغ من العمر عدة عقود، وذلك وفقًا لتقرير يوليو (تموز) 2016 الصادرة عن المختبر الوطني لولاية إيداهو (INL).

إذن فما الحل للأزمة القادمة؟ الخبر السار هو أن الحل المثبت والمؤكد في متناول اليد، إذا ما كنا نريده بشدة وبما فيه الكفاية.

مفاعلات الملح المنصهر

الحل يسمى مفاعل الملح المنصهر، وقد صممت هذه التكنولوجيا خلال الحرب الباردة، وتستغني عن الوقود النووي الصلب في مقابل الاستعانة بوقود نووي سائل، والذي يمكن حرقه بدرجة كفاءة أكبر بكثير من أي تكنولوجيا للطاقة متوافرة حاليًا. كما أنها تولد جزءًا صغيرًا من النفايات المشعة مقارنة بالمفاعلات التجارية الحالية المعتمدة على الوقود الصلب، ومن الناحية النظرية، فإن مفاعلات الملح المنصهر لا يمكن أبدًا أن تنصهر، مما يجعلها عالية الأمان.

وقال كيرك سورنسن، رئيس قسم التكنولوجيا لشركة «Flibe» للطاقة، إن هذه الطريقة موثوق بها، وهي وسيلة نظيفة لإنتاج الطاقة، كما أنها يمكن أن تقوم بكل شيء يقوم به الوقود الأحفوري من حيث تلبية احتياجاتنا المختلفة، وأضاف: «هذا المفاعل يفعل مجموعة من الأشياء التي لا نفعلها اليوم، مثل إنتاج الطاقة دون انبعاثات الكربون».

ما هو أكثر من ذلك، فإنه يمكننا تغذية مفاعل الملح المنصهر بالنفايات المشعة الناجمة من التعدين، وهي في الأساس عنصر يسمى الثوريوم (والذي هو 3-4 مرات أكثر وفرة من اليورانيوم)، والذي يمكن أن ينتج عنه طاقة كبيرة بقدر تغذيتنا كونه يتكاثر داخل المفاعل بفعالية.

وقد ذكر ألفين واينبرغ، العالم في مشروع مانهاتن عام 1959 (وهو المشروع الذي أدى إلى إنتاج أول قنبلة نووية للولايات المتحدة الأمريكية)، أننا إذا استطعنا حصد جميع الثوريوم الموجود -بطريقة أو بأخرى- في قشرة الأرض واستخدامها في هذه الطريقة، فنحن يمكن أن نحصل على الطاقة اللازمة للحضارة لعشرات المليارات من السنين.

https://www.youtube.com/watch?v=xIDytUCRtTA

وقال هانز جوجار، المهندس النووي في المختبر الوطني لولاية إيداهو (INL) إن هذه التكنولوجيا قابلة للحياة، وقد أثبتها العلم بالفعل. موضحًا أن الحكومة الأمريكية بنت بالفعل نموذجين أوليين تكميليين لهذا لمفاعل خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

لكن هذه التكنولوجيا لم تكن جيدة لصنع الأسلحة النووية، لذلك من بين أسباب أخرى، سحب السياسيون البيروقراطيون تمويل تكنولوجيا الطاقة الثورية هذه، وجرى وقف آخر مفاعل ملح منصهر في عام 1969.

اليوم، رجال الأعمال مثل سورنسن، يعملون بلا كلل من أجل إحياء وتحديث هذه التكنولوجيا، وهكذا تفعل حكومات أخرى عدا الولايات المتحدة مثل الهند والصين. الصين تنفق الآن أكثر من الولايات المتحدة بمليون دولار سنويًا لتطوير هذه التكنولوجيا.

قصة كيف وصلنا إلى هذا الحد ليست قصيرة ولا بسيطة، ولكن هذا ما يفسر لماذا سورنسن وغيره يراهنون بشكل كبير على عصر الثوريوم القادم للإنسانية، ولماذا الحكومات تتعثر عند البدء في استعادة هذه التكنولوجيا المذهلة.

دول تسعى لامتلاك التكنولوجيا

مفاعل الملح المنصهر هو فئة من فئات الجيل الرابع لمفاعل الانشطار النووي الذي يكون فيه المبرد الرئيسي أو حتى الوقود نفسه عبارة عن خليط الملح المنصهر. هذه المفاعلات يمكن تشغيلها في درجات حرارة أعلى من مفاعلات الماء البارد من أجل كفاءة حرارية عالية، وفي نفس الوقت نكون عند ضغط بخاري منخفض.

حاليًا هناك عدة دول تعمل بجدية نحو إعادة إحياء هذه التكنولوجيا وتطويرها. شركة «Terrestrial Energy Inc» الكندية وضعت تصميمًا لمفاعل ملح منصهر يسمى «مفاعل الملح المنصهر المتكامل» أو (IMSR)، وجرى تصميم هذا المفاعل يمكن نشره وبناؤه في صورة مفاعل نموذجي صغير، كما يمكن إنشاؤه في ثلاثة تشكيلات تتراوح ما بين 80 إلى 600 ميجاوات.

ومع درجات حرارة التشغيل المرتفعة، فإن هذا المفاعل سيكون له تطبيقات في أسواق الصناعات المعتمدة على الحرارة وكذلك أسواق الطاقة التقليدية، وتشمل ميزات التصميم الرئيسية الاعتدال في إنتاج النيوترونات وامتصاصها داخل الجرافيت، وسيجري تغذيته بوقود يتمثل في اليورانيوم منخفض التخصيب وقلب للمفاعل قابل للاستبدال، وتسمح الميزة الأخيرة بسهولة تشييده في أي موقع.

وبدأت الصين مشروعًا بحثيًّا خاصًا بمفاعل الملح المنصهر، وأعلن عنه رسميًا في الأكاديمية الصينية للعلوم (CAS) خلال المؤتمر السنوي للأكاديمية في يناير (كانون الثاني) عام 2011، ومن المتوقع أن تنتهي الصين من تشييد نموذج لأحد المفاعلات التجريبية بسعة 100 ميغاواط بحلول عام 2024.

«سيبورج تكنولوجيز»، وهي شركة مقرها في الدنمارك، تعمل على تطوير نواة مفاعل ملح منصهر يعمل بالنفايات النووية يسمى «Molten Salt Waste-burner»، والذي يتميز بأنه مفاعل عالي الحرارة ومصمم للعمل عبر مزيج من الثوريوم والنفايات النووية التقليدية الناجمة عن مفاعلات الانشطار العادية، وسيصمم قلب المفاعل بحيث يمكن استبداله كل ست إلى عشر سنوات. ومع ذلك، لن يجري استبدال الوقود، بل سوف يحرق طوال كامل عمر المفاعل.

ومن المقرر أن النسخة الأولى من جوهر سيبورج هذه ستقوم بإنتاج 50 ميغاوات من الطاقة، ويمكن أن تستهلك ما يقرب من طن كامل (دون التفكير في عمليات اضمحلال الطبيعية) من نفايات اليورانيوم على مدى عمر المفاعل المقدر بحوالي 60 عامًا، وبعد مرور هذه الأعوام الطويلة، فإن تركيز اليورانيوم (233U) في الوقود الملحي سيكون مرتفعًا بما يكفي لبدء دورة وقود ثوريوم مغلقة في محطة توليد الكهرباء في الجيل القادم.

وفي الولايات المتحدة، يعمل المختبر الوطني إيداهو على تصميم مفاعل مبرد ومُغذ من خلال الملح المنصهر بإجمالي طاقة تقدر بحوالي 1000 ميغاواط.

كيرك سورنسن، عالم ناسا السابق والمدير التقني النووي في شركة تيليدين براون الهندسية، هو المروج لدورة وقود الثوريوم مطلقًا عليها اسم مفاعل الثوريوم فلورايد السائل. في عام 2011، أسس شركة «Flibe» للطاقة، وهي شركة تهدف إلى تطوير مفاعل من هذا النوع بإجمالي طاقة 20 – 50 ميغاواط بغرض تقديم الطاقة اللازمة لتشغيل القواعد العسكرية، إذ أنه من الأسهل الموافقة على التصاميم العسكرية الجديدة بدلًا من الموافقة على تصاميم تتعلق بمحطة كهرباء مدنية من قبل مركز البيئة التنظيمية النووية الأمريكية هذه الأيام.

وجرى إنشاء شركة «Transatomic Power» من قبل طلاب الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بما في ذلك الرئيس التنفيذي ليزلي ديوان ومارك مسي وروس ويلكوكس.هؤلاء يتابعون ما يسمونه بـ«مفاعلات الملح المنصهر لمهلكة للنفايات» أو (WAMSR)، والتي تصمم بغرض استهلاك بقايا الوقود النووي المستنفدة الحالية، وتلقى هذه الشركة تمويلًا برأس المال الاستثماري في أوائل عام 2015.

في يناير (كانون الثاني) عام 2016، أعلنت وزارة الطاقة في الولايات المتحدة جائزة تقدر بـ80 مليون دولار لتطوير الجيل الرابع من تصاميم هذه المفاعلات، وسيكون أحد المستفيدين من الجائزة شركة «Southern Company» الجنوب التي ستستخدم التمويل لتطوير مفاعل الكلوريد المنصهر السريع (MCFR)، وهو نوع من مفاعلات الملح المنصهر الذي وضع تصاميمه علماء بريطانيون.

عرض التعليقات
تحميل المزيد