لم يفق الفلسطينيون بعد من ضربة الخصومات على رواتب موظفي السلطة في قطاع غزة، حتى جاءت التحركات الأخطر التي تمس قوت الأسرى والجرحى وذويهم وذوي الشهداء، إذ يهدد الآن أكثر من مليون فلسطيني  هم عوائل الأسرى والشهداء والجرحى بقطع رواتبهم الشهرية.

وذلك لأن المطالب والجهود الإسرائيلية والامريكية تنصب لتحقيق ذلك تحت ذريعة «تقويض الإرهاب»، وهو ما يعني أن التحركات الأمريكية المدفوعة برغبة إسرائيلية تأتي ضمن خطة أوسع لمحاربة المقاومة الفلسطينية، وبينما تُشكل حماية اجتماعية لأسر الشهداء والأسرى والجرحى، يجد الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه أمام ضغوط تنفيذ ما تطلبه الإدارة الأمريكية وما يقابل ذلك من رفض شعبي فلسطيني شديد لعدم المسّ بهؤلاء، لذلك يحاول التقرير التالي لـ«ساسة
بوست» الوقوف على البدائل التي قد يتخذها عباس للخروج من ذلك.

خطوات إسرائيلية أمريكية نحو وقف مخصصات الأسرى

«أثار الرئيس ترامب مخاوفه بشأن المدفوعات إلى السجناء الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية والذين ارتكبوا أعمالًا إرهابية وكذلك إلى أسرهم، وشدد على ضرورة حل هذه المسألة»، هذا ما جاء به بيان البيت الأبيض ليؤكد على أن الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» بالفعل طالب الرئيس الفلسطيني محمود عباس خلال لقائه به الخميس الماضي بوقف دفع مخصصات الأسرى والشهداء والجرحى، وقد أشيعت هذه المطالب قبل هذا اللقاء، وخاصة ما يتعلق بطلب المبعوث الأمريكي الخاص إلى المنطقة «جيسون غرينلات»، بضرورة وقف هذه التقديمات كشرط لاستئناف المفاوضات مع إسرائيل.

الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» ورئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو»

وقد أدت إسرائيل دورًا رئيسًا في خروج هذه المطالب من قبل ترامب، قادت حملة إسرائيلية مكثفة تهدف لإجبار السلطة الفلسطينية على وقف المخصصات تحت ذريعة أن هذه الرواتب هي شكل من أشكال دعم «الإرهاب»، وركَّزت الحملة الإسرائيلية الموجهة نحو الولايات المتحدة والدول الغربية على أن السلطة تدفع سنويًا نحو 300 مليون دولار، أي ما نسبته 6 إلى 7 % من موازنتها لمن يسميهم الاحتلال «مخربين» على شكل رواتب شهرية، وتصر دولة الاحتلال على وقف هذه المخصصات بحجة أنها « تغذية للإرهاب»، وهي تريد من العالم أن يعتبر المقاومين الفلسطينيين «إرهابيين وقتلة».

وكانت الخطوة الإسرائيلية الأكثر عملية هي إدراج «الصندوق القومي الفلسطيني» التابع لمنظمة التحرير، على قائمة «المنظمات الإرهابية» بقرارٍ من وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي، أفيغدور ليبرمان، فقد اتهم ليبرمان هذا الصندوق بتقديم الدعم لجهات «مسؤولة عن نشاطات تتعلق بالمقاومة ضد إسرائيل، ويستخدم كقناة لنقل الأموال للأسرى وعائلاتهم» حسب زعمه.

يذكر أن «الصندوق القومي الفلسطيني» الذي تأسس عام 1964 هو الجهة الوحيدة في منظمة التحرير الفلسطينية المسؤولة عن جميع الشؤون المالية المتعلقة بالمنظمة، ويُشرف الصندوق على نفقات كافة دوائر وأجهزة ومكاتب منظمة التحرير، وإسرائيل ملزمة بحكم الاتفاقيات السياسية بقبولها نشاط هذا الصندوق.

«نتنياهو» في الكنيست الإسرائيلي

كما تحدثت تقارير إعلامية عبرية، عن مساعي لتشريع قانون من قبل الكنيست الإسرائيلي والكونغرس الأمريكي يجرِّم تقديم الأموال للأسرى والجرحى ويعتبرها «دعمًا للإرهاب»، وحسب موقع «والا» العبري، فإنه في نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي بدأ مجلس الشيوخ الأمريكي بحث مشروع قانون باسم «تايلور فورس»، المواطن الأمريكي الذي قتل في مدينة يافا قبل عام، ويشترط القانون تقديم المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية مقابل قيامها بخطواتٍ «ترمي إلى إنهاء العنف والإرهاب بشكلٍ علنيّ»، ومن ضمن ذلك وقف دفع رواتب شهرية «للمخربين وعوائلهم»، وأشار الموقع الإسرائيلي إلى أنّ «الصيغة الإسرائيلية من هذا القانون، مماثلة تقريبًا للصيغة الأمريكية، إذ تقتضي تحديد آليات إجرائية لاقتطاع المبالغ التي تدفعها السلطة للأسرى وعوائل الشهداء من التحويلات المالية الضريبية التي تجبيها إسرائيل نيابة عن السلطة وتحوّلها لها شهريًا».

وبمعزلٍ عن الموقف الفعلي لإدارة ترامب من تنفيذ هذا المقترح أو تأجيله لذات الأسباب التي دفعت الرئيس الأمريكي السابق «باراك اوباما» والمتمثلة في التخوف من «زيادة التطرف في المجتمع الفلسطيني»، فإن ترامب بإمكانه أن «يتخذه كعصا أو كـ«جزرة» لإقناع السلطة بتقديم تنازلات سياسية وتغيير سلوكها»، حسب تقرير موقع «والا».

لماذا أثيرت قضية وقف مخصصات الأسرى الآن؟

«على الفلسطينيين أن يثبتوا أنهم يريدون السلام وأن يتوقفوا عن دفع رواتب لمنفذي العمليات»، جزء مما قاله رئيس الوزراء الإسرائيلي «بنيامين نتنياهو» خلال مقابلة مع شبكة فوكس الأمريكية.

فلسطيني يشرب الماء والملح تضامنًا مع الأسرى المضربين

يرى محللون فلسطينيون أن نتنياهو يريد إضافة مواضيع جديدة إلى مفاوضات الوضع النهائي التي بدأت تظهر على السطح، لذلك قام بالتحريض على رواتب الأسرى، ومن ضمن أهدافه مقايضة مخصصات الأسرى بالاستيطان، وذلك بوضع «عباس» أمام خيار وقف رواتب الأسرى والجرحى والشهداء مقابل وقف الاستيطان، يقول الصحفي في وكالة ( (AP محمد دراغمة: «أن نتنياهو قد يتوجه في حال الضغط عليه من قبل ترامب، إلى إتباع سياسة المقايضة التي يعلم مسبقًا أن الرئيس عباس لا يمكنه اللجوء لتنفيذها، ألا وهو مقايضة وقف رواتب الأسرى مقابل وقف الاستيطان».

تحدثنا إلى الأسير السابق والباحث المختص بشؤون الأسرى «عبد الناصر فروانة»، فقال: إن هذه المطالبات قديمة جديدة، لكنها تصاعدت في الآونة الأخيرة واندرجت في سياق الاستهداف الإسرائيلي المتصاعد لمشروعية النضال الوطني الفلسطيني واعتباره «إرهابًا»، والسعي إلى تجريم نضال الشعب الفلسطيني ومقاومته المشروعة ضد الاحتلال من أجل الدفاع عن حقوقه المسلوبة وتحقيق حريته واستقلاله، مضيفًا لـ«ساسة بوست»: «إنّ ما قام به الشهداء والأسرى من عمليات ضد الاحتلال، وما قدموه من تضحياتٍ جِسام من أجل حرية شعبهم، إنما هو جزءٌ من تاريخ عريق لكفاح الشعب الفلسطيني ومقاومته الباسلة للاحتلال، تلك المقاومة بأشكالها المختلفة قد أجازها القانون الدولي».

ويعتبر فروانة إصرار نتنياهو على وقف مخصصات الأسرى، وتقديم مشروع قانون للكنيست قبل بضعة أسابيع لاستقطاع مقدار ما تدفعه السلطة لهذه الشريحة المناضلة من أموال الضرائب المستحقة للسلطة، «إنما هو تعدٍ صارخ في الشأن الفلسطيني وقرصنة أموال شعبنا وتدخل مرفوض، وكل ذلك يهدف إلى تعزيز الرواية الإسرائيلية بأن هؤلاء هم (قتلة)». حسب فروانة الذي أضاف «يجب العمل على إنصاف الشهداء وعائلاتهم، والعمل من أجل مساعدة الأسرى في سجون الاحتلال في توفير احتياجاتهم الأساسية، فجزء كبير من تلك الأموال التي تصرف للأسرى تنفق عليهم في السجون لشراء احتياجاتهم الأساسية من مقاصف السجون، وعلى المجتمع الدولي التحرك الجاد لإنهاء الاحتلال، إذا ما أراد المجتمع الدولي للمنطقة الأمن والسلام».

عبّاس والبدائل المرضية

بسبب الموقف الشعبي الفلسطيني المتشدد تجاه رفض الاقتراب من حقوق الأسرى والجرحى والشهداء، تتجه الأنظار إلى اضطرار الرئيس الفلسطيني محمود عباس عن البحث عن طرق بديلة لتحويل الأموال إلى العوائل الفلسطينية المستفيدة بحيث يلتف على آليات الرقابة الأمريكية.

الرئيسان الأمريكي والفلسطيني

فعباس الذي قام في عام 2014 بإغلاق وزارة شؤون الأسرى ونقل الأجهزة المختصة فيها بمتابعة التقديمات المالية لهم إلى لجنة شؤون الأسرى في منظمة التحرير الفلسطينية، أمام عدة خيارات في هذا المجال تهدف لإخراج المسئولية من كنف منظمة التحرير الفلسطينية، يؤكد مختص في الشأن الإقليمي والقضية الفلسطينية، «فهمي شراب» على أنّ السلطة الفلسطينية الآن تتأرجح بين الرضوخ للمطالب الأمريكية الإسرائيلية وبين الضغوطات الشعبية التي ترى هذه الفئة الأكثر نضالًا وتضحية، ويقول: «سوف تكون تبعات هذه السياسة إذا ما أقدمت عليها السلطة خطيرة جدًا وارتداداتها تطال القيادة نفسها، لذلك لا أعتقد أن عباس يستطيع أو يجرؤ على اتخاذ إجراءات تقليص أو وقف المخصصات تحت بند نبذ العنف ومواجهة الإرهاب»، ويعتقد شراب خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه قد تلجأ السلطة إلى إتباع ما قامت به سابقًا من استبدال باسم وزارة الأسرى هيئة شئون الأسرى أو تخفيض مستواها وتهميشها، وربما إلحاقها بوزارة أخرى لتكون ملفًا مهمشًا ضمن إحدى إدارات أية وزارة.

من جانبه، يقول مدير مركز أحرار لدراسات الأسرى، فؤاد الخفش لـ«ساسة بوست»: «لا يمكن وقف المخصصات، فبعد أن حولت السلطة وزارة الأسرى إلي هيئة تتبع منظمة التحرير تجاوزت الضغط الأوروبي الممول، لذلك لا يمكن أن يتم وقف مخصصات الأسرى وقد يتم تخريجها بطرق أخرى، كتحويل الوزارة إلي هيئة تتبع منظمة التحرير».

ومن هذه الخيارات أيضًا تحويل مؤسسة «رعاية الشهداء والجرحى» و«هيئة شؤون الأسرى والمحررين» إلى جمعيّتيْن أهليّتيْن تخضعان لإشراف وزارة الداخلية الفلسطينية، وهو ما يعني أن أي تأزم مالي تُواجهه الجمعية الأهلية يفتح الباب لقطع مخصصات الشهداء والجرحى، ومعهم الأسرى.

يذكر أن «مؤسسة رعاية أسر الشهداء والجرحى» التي تأسست في العام 1965م، جرى إلحاقها بمنظمة التحرير عام 1971، ثم بعد توقيع أوسلو أُلحقت بوزارة الشؤون الاجتماعية كإدارة عامّة، إلى أن تمّ فصلها عن الوزارة عام 2005، كونها تتبع إداريًا منظمة التحرير، وقد تأسست وزارة الأسرى والمحررين عام 1995، حيث تحدد مهامها بدعم وحماية الأسرى في سجون الاحتلال، ورعاية عائلاتهم، وتأهيل ودمج الأسرى المحررين في المجتمع الفلسطيني.

المصادر

تحميل المزيد