هل سبق لك أن سمعت عن مصطلح  «المعروض النقدي»؟  هو مصطلح اقتصادي مشهور بين الاقتصاديين، لكنه يحتاج لكثير من التفسير لغير المتخصصين؛ لأنه يفسر كثيرًا من العلاقات الاقتصادية التي تتلامس مع تعاملات الأفراد، وليس قاصرًا على السياسة النقدية للدولة.

سنحاول الإجابة بنوع من التبسيط،  من خلال مناقشة الحالة المصرية التي تشهد  تحولات ملحوظة في المعروض النقدي منذ تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، فبعد أن كان المعروض النقدي في بداية 2016 نحو  1.912 تريليون جنيه و 1.628 تريليون جنيه في بداية 2015، وصل إلى 3.63 تريليون جنيه مصري في نهاية ديسمبر (كانون الثاني) 2018، في تضاعف واضح لقيمة حجم المعروض النقدي؛ مما جعل النقد الدولي يطالب بخفضه.

ما هو المعروض النقدي وممّ يتكون؟

قبل الخوض في تفاصيل حركة المعروض النقدي في مصر لنتعرف أولًا على المعروض النقدي ومكوناته، فهو يعرف بالمقدار الإجمالي للأصول النقدية المتاحة في الاقتصاد في فترة زمنية معينة، ويقاس بالعملة المستعملة في التداول والودائع تحت الطلب أي الودائع التي يسهل الوصول إليها، مثل شهادات الإيداع الصغيرة والصناديق المشتركة لسوق المال.

وبحسب ممدوح الولي، الكاتب الصحافي المتخصص بالشأن الاقتصادي، فإن المعروض النقدي يتكون من النقود المتداولة بين أيدي المواطنين والشركات خارج خزائن البنك المركزي، والودائع الجارية بالبنوك بالعملة المحلية، والتي يسهل سحبها في أي وقت واستخدامها بالمعاملات اليومية، لاسيما بعد انتشار آلات السحب الإلكتروني للأموال في كل مكان.

Embed from Getty Images

وفي مصر يقوم البنك المركزي بتسجيل بيانات المعروض النقدي ونشرها بشكل دوري وذلك على موقعه الرسمي، وهذه البيانات في غاية الأهمية، وتحظى باهتمام كبير من محللي وخبراء الاقتصاد، بالإضافة إلى العاملين بالقطاعين العام والخاص؛ وذلك لأن التغيرات في المعروض النقدي لها تأثير مباشر على مستوى الأسعار والتضخم وسعر الصرف وسعر الفائدة والدورة الاقتصادية عمومًا.

وهناك معادلة اقتصادية مشهورة قد توضح الرؤية أكثر، فهي تعد حجر الزاوية بنظرية كمية النقود وهي المعادلة التي صاغها الاقتصادي الأمريكي، إرفينغ فيشر، وهو الرجل المشهور بنظريته المعروفة في الأوساط الأكاديمية بـ«النظرية الكمية للنقود»، كما تعرف كذلك بـ«معادلة فيشر»، ونصها هو mv = pt، أي أن كمية النقود المتداولة (m) مضروبة في سرعة دورانها (v) -وسرعة تعني متوسط عدد المرات التي يتم استعمال وحدة نقدية فيها خلال فترة محددة-، تساوي الحجم الكلي للمبادلات (t) مضروبًا في متوسط الأسعار (p).

وبدون الخوض في تفسير المعادلة فإن خلاصة ما توصل إليه فيشر هو أن تغير كمية النقود (المعروض النقدي) يؤدي إلى تغير المستوى العام للأسعار بنفس النسبة وفي نفس الاتجاه، بمعنى أن نمو المعروض النقدي يعني نمو الأسعار، أي زيادة التضخم، لكن يعاب على هذه المعادلة تجاهل آثار أسعار الفائدة، وكذلك عدم الحديث عن أسباب زيادة النقود؛ لأن هناك نظريات أخرى كنظرية كمية الدخل ومعادلة كمبردج، تتحدث عن أن النقود لا تؤثر في الأسعار، إلا عن طريق الدخول، في إشارة إلى أن العبرة في الفرد هي كيف يتصرف في دخله.

هل سيخترق الدولار حاجز الـ20 جنيهًا مصريًا قريبًا؟

فما هي قصة (ن2)؟

وبعيدًا عن النظرة العامة التي ذكرناها للمعروض النقدي، ربما تلاحظ رمز (ن2) أو (m2) بجوار مصطلح المعروض النقدي عند الاطلاع على أي خبر يخص هذا الشأن، وهذا الرمز ليس اختصارًا، لكن له دلالة محددة، كما أن هناك عدة رموز يشار بها إلى عدة أنواع من المعروض النقدي، وأبرزها: M0، وهو رمز يشير إلى الأساس النقدي، أو الأموال المحدودة، وMB، وهو يعبر عن الأساس النقدي أو العملة الإجمالية، مثل ودائع الحساب الجاري، وهو معيار أكثر سيولة من المعروض النقدي.

Embed from Getty Images

بينما هناك M1، وهو أصغر عددًا من مقاييس المخزون النقدي في الاقتصاد، ويتكون أساسًا من العملة التي يحتفظ بها الجمهور والودائع تحت الطلب، كما تتضمن أيضًا العديد من العناصر السائلة الأخرى، مثل  الشيكات السياحية والحسابات الأخرى التي يمكن كتابة الشيكات عليها، أما فيما يخص M2، وهو المعيار الأوسع لمقياس المعروض المالي في الدولة، كما أنه مؤشر اقتصادي رئيس يستخدم للتنبؤ بالتضخم، فهو يشمل كل ما يوجد في M1، بالإضافة إلى ودائع الادخار وغيرها من الأصول السائلة نسبيًا، مثل شهادات الإيداع الصغيرة والصناديق المشتركة لسوق المال.

قفزة كبيرة.. حركة المعروض النقدي في مصر منذ التعويم

عمومًا يبدو الأمر أوسع كثيرًا من مجرد حصر لكمية النقود الموجودة بالدولة في فترة معينة، لكن هناك سياسيات تبنى على هذا النمو، سواء كان سريعًا، أو بطيئًا أو مستقرًا، وهنا نعود للحديث عن مصر التي تشهد وضعًا مختلفًا بعض الشيء، وكما ذكرنًا فإن المعروض النقدي تضاعف منذ تعويم الجنيه، وبحسب ما أظهرت بيانات البنك المركزي فإن نمو المعروض النقدي (ن2) في مصر تباطأ في ديسمبر إلى معدل سنوي بلغ 13.3% من 14.04% في نوفمبر 2018؛ إذ بلغ 3.63 تريليون جنيه في نهاية ديسمبر.

Embed from Getty Images

لكن هذه النسب ربما تكون قليلة مقارنة بالنسبة المسجلة في ديسمبر 2017؛ إذ نما المعروض النقدي (ن2) 20.9%، كما أنه قفز 39.5% في نهاية ديسمبر 2016 على أساس سنوي، وذلك في ثاني شهر بعد تعويم الجنيه، وربما خلال قراءتك لهذه الأرقام قد تتساءل: هل الاقتصاد المصري يستفيد من كل هذه الأموال الموجودة فعلًا؟ والإجابة بحسب ممدوح الولي، خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أنه رغم من أن جانبًا من البنوك لا تعطي فوائد على الودائع الجارية لديها، إلا أن طبيعتها الجارية وإمكان سحبها في أي وقت تحول دون توظيف الجانب الأكبر منها داخل البنوك؛ وهو ما يقلل من استفادة المجتمع الاقتصادي بها.

Embed from Getty Images

ويوضح الولي، أن طبع النقود كان أحد أسباب زيادة المعروض كذلك، قائلًا: «كلما تم التوسع في الطبع كلما أدى إلى التضخم وتراجع قيمة العملة المحلية، نتيجة زيادة النقود في أيدي المواطنين بشكل أكبر من الزيادة من المعروض من السلع والخدمات بالأسواق؛ مما يؤدى لاستعدادهم  لدفع قيمة أعلى للحصول على تلك السلع؛ مما يرفع الأسعار».

يشار إلى أن مصر توسعت بإصدار النقود في السنوات الأخيرة، إذ زادت قيمة النقد المصدر من 264 مليار جنيه بنهاية يونيو  (حزيران) 2013 إلى 481.2 مليار جنيه في نوفمبر الماضي، بزيادة 217 مليار جنيه خلال حوالي خمس سنوات ونصف بنسبة نمو 82%؛ ليصل المتوسط الشهري للزيادة لإصدار النقود بتلك الفترة 3 مليار و355 مليون جنيه.

على الجانب الأخر فهناك علاقة مباشرة بين المعروض النقدي والتضخم، وبحسب محمد عبد الحكيم، رئيس قسم البحوث بـ«شركة فيصل لتداول الأوراق المالية»، فإنه طبقًا لنظرية كمية النقود، فإن هناك علاقةً طرديةً بين حجم المعروض النقدي ومستويات التضخم، ولكن قد يكون لمعدلات النمو أثر في تلك المعادلة، حيث يتم نسبة كمية النقود إلى الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم يتم تتبعها لمعرفة أثرها على التضخم.

ويضيف عبد الحكيم خلال حديثة لـ«ساسة بوست» أن المخاطر تطفو على السطح في حالات الركود؛ إذ تعمل الزيادة في المعروض النقدي على مضاعفة الأثر السيئ بزيادة التضخم في وجود الركود، وهو المعروف اقتصاديًا بالركود التضخمي.

لكي لا تخدعك الأرقام.. لماذا ينخفض التضخم وترتفع الأسعار في نفس الوقت؟

هل تعمد «البنك المركزي المصري» زيادة المعروض النقدي؟

من ناحية أخرى يعتبر المعروض النقدي أحد وسائل السياسة النقدية للسيطرة على التضخم، لكن هل يعني ذلك أن البنك المركزي هو المتحكم في المعروض النقدي أو تعمد زيادته ما بعد التعويم؟ يرى بعض الاقتصاديين أن سيطرة البنك المركزي على المعروض النقدي تكون ضعيفة عادة، بينما يرى آخرون أنه في مصر سعى البنك المركزي عبر زيادة المعروض النقدي إلى تبني سياسة توسعية هدفها زيادة النمو الاقتصادي، متبعًا في الوقت ذاته سياسة رفع الفائدة لمواجهة ارتفاع معدل التضخم في أعقاب التعويم.

من مصر إلى الجزائر.. لماذا يظن العرب أن كل مشاكل الاقتصاد تحل بالسياسة النقدية؟

وكما أوضحنًا فإن ارتفاع المعروض النقدي يرفع معدل التضخم، لكنه يؤدي في الوقت ذاته لزيادة النمو الاقتصادي، وهو الأمر الذي حدث في مصر بالفعل، ففي الوقت الذي ارتفع فيه التضخم إلى مستويات غير مسبوقة تجاوزت 30%، حقق معدل النمو انتعاش واضح؛ إذ حقق معدل النمو السنوي للاقتصاد المصري في العام المالي 2018/2017 المنتهي آخر يونيو 2018، أعلى وتيرة في 10 سنوات مسجلًا 5.3 %، وهو ما يجعلنا نظن أن زيادة المعروض كانت سياسة حكومية لدعم النمو الاقتصادي.

لماذا يهتم صندوق النقد الدولي بالمعروض النقدي في مصر؟

لكن آمال الحكومة بزيادة النمو عن طريق المعروض النقدي تصطدم بقرض صندوق النقد الدولي، فبموجب اتفاق بقيمة 12 مليار دولار جرى التوصل إليه مع صندوق النقد الدولي في عام 2016، يطالب الصندوق  مصر بالسيطرة على معروضها النقدي للمساعدة في خفض التضخم، كما يطالب الصندوق النقد الحكومة بالإقلال من طبع النقود لتحقيق الهدف نفسه.

خداع الأرقام.. كيف ينمو اقتصاد مصر دون أن يشعر المصريون

ويرى الصندوق أن خفض معدل التضخم في مصر ضروري لإبقاء برنامج الإصلاح الاقتصادي بالبلاد على المسار الصحيح، وتقليص عجز الموازنة؛ وذلك لأن عدم معالجة التضخم سيكون له أثر اجتماعي كبير في البلاد، وهو ما سيحد من قدرة الحكومة ضبط الموازنة وخفض العجز، وبالتالي سيؤثر سلبًا على قدرة الحكومة على المضي قدمًا في برنامج الإصلاح، وهو الذي يهدف في الأساس لمعالجة الخلل بالموازنة المصرية.

المصادر

تحميل المزيد