2,384

استطاع مخدر «غبار القرد» تغيير مفهوم العقاقير المخدرة، من مواد قد يتناولها البعض للهروب من المشكلات والانفصال عن الواقع لعدة ساعات، إلى وباء يتنشر في كل دولة يدخلها، إذ يتسبب هذا المخدر في إحداث اضطرابات عقلية شديدة وسلوكيات عنيفة في الشوارع، ويحول متعاطيه إلى «زومبي آكل لحم البشر»، وفقًا لما صرحت به الشرطة في شمال بريطانيا.

ويدفع هذا المخدر من يتعاطاه للشعور بالقوة المفرطة، والتصرف بشكل خطير لا يصدق، إذ وصفت صحيفة «بيزنس إنسايدر» شعور من يتعاطى غبار القرد وكأنه الرجل الأخضر، أو د.بروس بانر، الشخصية الخيالية التي ظهرت في مجلات مارفل المصورة، وتتمتع بقوة خارقة؛ إذ يمنح هذا العقار لمتعاطيه شعورًا بالقوة غير العادية، مما يدفعه إلى تسلق المباني والقفز من ارتفاعات عالية، مما يضع حياة من يتناول هذا العقار تحت التهديد، في كل مرة يتعاطى فيها هذا المخدر.

ما الذي أحدثه غبار القرد في شوارع أمريكا؟

في وضح النهار، وعلى طريق سريع مزدحم، قام رودي يوجين، وهو أمريكي يبلغ من العمر 31 عامًا، ويرتدي ملابس ممزقة، بقضم أجزاء من وجه مسن بلا مأوى في الـ65 من عمره، ببشاعة، ثم بصق ما قضمه بعيدًا. ورغم ظهور ضابط شرطة في موقع الحادث بعد لحظات، إلا أن رودي لم يتوقف عما يفعله، ولم يأبه لمناشدات ضابط الشرطة بالتوقف، مما اضطر الأخير إلى إطلاق أربع رصاصات أودت بحياة رودي. بعدما لم يتبق في وجه ضحيته سوى القليل، قدرته الشرطة بنسبة 25%، متركزة في اللحية، مما جعل ملامحه غير واضحة لتمييزه.

ظهرت على رودي خلال الحادث سلوكيات تشبه تمامًا أعراض تناول مخدر غبار القرد، وقال رئيس شرطة أخوية ميامي (president of the Miami Fraternal Order of police) أن الحادث يطابق حالات متعاطي المخدر التي انتشرت مؤخرًا، وتكرر فيها حوادث أكل المتعاطي لوجه شخص آخر، أو خلع الملابس، أو شعور البعض بطاقة وقوة بالغة، مما يجعلهم قوة حارقة عنيفة تسير على الأرض، ولا يتوقفون إلا بإطلاق الشرطة الرصاص عليهم، وذلك بعد تصرفهم  بشكل غير عقلاني، واستحالة السيطرة عليهم.

عقاقير مخدرة

وأفادت الشرطة في ميامي، بأن حادثًا آخر وقع في مهرجان شعبي، عندما شاهد المارة رجلًا يسير عاريًا، حتى صدمته سيارة أجرة، ليقفز على السيارة ويعتلي سقفها ويبدأ في ضرب الركاب بداخلها، الأمر الذي استلزم حضور 15 ضابطًا استمروا في دفعه عن الركاب، حتى استطاعوا إخضاعه، فتوسل لهم بأن يطلقوا الرصاص عليه ويقتلوه، لكنهم نقلوه إلى المستشفى، وكان تفسير طبيب الطوارئ في مركز جاكسون رياديك للصدمات النفسية في ميامي، والمعالج لحالات آكلي لحوم البشر، بأن المتعاطي لمخدر غبار القرد لا يدرك ما يحيط به، وتظهر عليه كل أعراض مرض الذهان، وتصبح السيطرة عليه أمر صعب، فهو عدواني للغاية، وأقوى مما يكون عليه الإنسان العادي، ورغم تقييد المريض منهم في غرفة الطوارئ بواسطة أشخاص محترفين، إلا أن كثيرًا منهم يستطيع الفكاك.

وكان شاب أمريكي آخر، يدعى روبرت ويليام، يبلغ من العمر 20 عامًا قد هاجم امرأة مسنة بجاروف، وضربها على رأسها، وذلك بعد أن طلبت منه التوقف عن ضرب الطيور بالمجرفة، ليتوجه لها وهو يقول: «أنا أكرهك وأريد أن أقتلك اليوم»، ويبدأ في ضرب المرأة التي تبلغ 77 عامًا أمام المارة، وقد استخدم ضباط الشرطة الرصاص المطاطي ومسدسات الصعق الكهربائي للتمكن من القبض عليه، وبعد تكبيله أخذ يصرخ في المارة وهو يردد «الله يحبكم جميعًا»،وأخبر الشرطة أثناء التحقيقات التي أُجريت معه بالمستشفى، أنه تناول مشروب غازي يحتوي على أملاح الاستحمام (غبار القرد)، وادعى أنه كائن فضائي وأنه كان يتواصل مع المسيح في وقت الحادث.

غبار القرد: أرخص من الكوكايين وأكثر تدميرًا

 «MDPV» هو الاسم العلمي لمخدر غبار القرد، أما الاسم الكيميائي فهو: «methylene dioxy pyro valerone»، وهو عقار من الدرجة الثانية، أي لا يمكن امتلاكه أو بيعه بشكل قانوي، وتصل عقوبة حيازته إلى السجن خمس سنوات، أما عقوبة بيعه وتصنيعه فتصل إلى السجن 14 عامًا في القانون البريطاني، ويبدو غبار القرد مسحوقًا أبيض أو بنيًا ناعمًا جدًا، ويُباع بما يتراوح بين 10 إلى 15 جنيه إسترليني للجرام، ويصل في بعض الأماكن إلى جُنيهين إسترلينيين فقط، مما يعد أرخص كثيرًا من الكوكايين.

ويمكن تعاطي غبار القرد عن طريق استنشاقه، أو بلعه، أو بالحقن، ويتم تصنيعه بسهولة في المطبخ، بتوفير مكوناته، وتعد تكلفته أقل بكثير من الكوكايين أو منشط الإكستاسي المشتق من الأمفيتامين، بالإضافة إلى تشابه تأثير تعاطي غبار القرد بتأثيرات تعاطي مخدر «إل إس دي» الشهير.

مخدر الكوكايين

انتشر المخدر في بريطانيا وأمريكا، وكان يُعرف باسم «ملح الاستحمام»،فقد كان يتم تعبئته في أكياس ملح الاستحمام، والتي تشبه المسحوق المخدر كثيرًا، ولذلك كان من السهل بيعه في المتاجر قبل اكتشاف الأمر من قبل قوات الشرطة، فيمكن شراؤه بسهولة من محطات الوقود والمحلات التجارية في أمريكا، وارتبط تناول العقار بنشاطات غريبة للغاية مثل انتشار هجمات عنيفة ومتكررة لأكل المتعاطي للوجوه البشرية في أمريكا بالسنوات الأخيرة، وبناء على هذه التقارير حظر الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما بيعه في عام 2012، وأصبح تداوله غير قانوني في عدة بلدان أخرى منها بريطانيا وأستراليا وكندا.

وكانت وكالة مكافحة المخدرات الأمريكية قد حظرت امتلاك وبيع ثلاث مواد كيميائية تدخل في صنع مخدر غبار القرد في عام 2011، ورغم ذلك مازالت تتلقى المستشفيات في ولاية واحدة مثل فلوريدا مئات الحالات كل عام، مع تزايد مستمر. وربط مسؤولين في الشرطة بين انتشار مخدر غبار القرد ووسائل التواصل الاجتماعية، وأن الحديث عن المخدر أصبح شائعًا عبر تلك الوسائل مقارنًة بوسائل الانتشار الأخرى كالحديث الشفهي أو الهاتف.

يحوله إلى «هالك».. ما الذي يفعله غبار القرد في جسم الإنسان؟

ينتمي مخدر «غبار القرد» إلى فئة عقاقير تسمى بالكاثينونات (cathinones)، وهي مجموعة طبيعية، لكن «غبار القرد» يتم تصنيعه، فيسمى بـ«العقار المصمم». وتشمل الكاثينونات مخدر القات، وهو مخدر طبيعي يشيع استخدامه في الصومال ودول غرب أفريقيا واليمن، يأتي من أوراق شجرة صغيرة، ويتم مضغه، فيعطي تأثيرًا منبهًا.

يختلف عقار غبار القرد عن الكاثينونات الطبيعية في قوة تأثيره، فيستمر التأثير القوي للمخدر لبضع ساعات قد تصل مع بعض الأشخاص إلى ست ساعات من الشعور بالقوة المفرطة، ويمكن الوصول لهذه الدرجة بتناول 15 ملليجرام فقط، بابتلاعه أو حقنه أو استنشاقه، وتبقى بعض الآثار لعدة أيام.

وتشمل الأعراض الجانبية المثبتة لتعاطي المخدر: ارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم، والهلوسة، وألم في الصدر، وارتفاع ضغط الدم، ويقضي المخدر على الشعور بالألم، حتى أنه في حادثة انكسر ذراع متعاطٍ ولم يشعر بشيء، ويمكن أن تكون له آثاره المدمرة على الجهاز العصبي، ويتأثر مركز العواطف لدى المتعاطي، فبعضهم يدخل في مشاجرات مع الشرطة، وعلى ما يبدو أن المخدر ينزع من المتعاطي الخوف والشعور بالتهديد.

ويتسبب المخدر في اكتئاب المتعاطي في اليوم التالي لتعاطيه، ويجعل رائحة المتعاطي ومستلزماته تشبه رائحة البول، وعند التفكير في التوقف عن تناوله يشعر المتعاطي بآلام شبيهة بآلام المخاض والوضع، ولا يستغرق الأمر وقتًا ليدمن المتعاطي المخدر.

وكان ثلاثة رجال قد عثر عليهم في منازلهم بعد أن تعاطوا جرعة كبيرة من غبار القرد، توفي اثنان منهم على الفور، وانتقل الثالث للمستشفى بأعراض تسمم وعيون دامية، وهلوسة وأفكار انتحارية، وكلام غير مفهوم، ورائحة تشبه السمك الفاسد، ويعاني ممثلو خدمة الطوارئ بالمستشفيات من أنه لا يوجد علاج للواقعين تحت تأثير هذا المخدر، ولا يمكن التنبؤ بسلوكياتهم، فكل شخص يسلك سلوكًا مختلفًا وخطيرًا عن الآخر، وأنه لا يوجد أيضًا أي اختبار حاسم لإثبات تعاطي المريض له حتى الآن.