فقد أعلن علماء عن نجاح تجربة علمية مثيرة تتعلق بقيام اثنين من القرود بالتحكم في حركة كرسيهما المتحرك باستخدام عقلهما فقط. وذكر العلماء أن هذه التجربة ستفتح الباب نحو تكنولوجيا جديدة تتعلق بالحدود بين المخ والآلات والتي يمكن أن تساعد أولئك الذين يعانون من الشلل أو من الأمراض العصبية المتعلقة بالحركة.

يبدو أن العلم سيتجه بنا إلى تكنولوجيا جديدة أقرب إلى الخيال العلمي، كعادته دائمًا. فقد أعلن علماء عن نجاح تجربة علمية مثيرة تتعلق بقيام اثنين من القرود، بالتحكم في حركة كرسيهما المتحرك، باستخدام عقلهما فقط.

العلماء ذكروا أن هذه التجربة ستفتح الباب نحو تكنولوجيا جديدة، تتعلق بالحدود بين المخ والآلات، والتي يمكن أن تساعد أولئك الذين يعانون من الشلل أو من الأمراض العصبية المتعلقة بالحركة.

وقبل الخوض في تفاصيل التجربة والنتائج التي توصل لها الباحثون، دعونا نعد سريعًا إلى شهر مارس 2015، عندما نشر موقع «ted» إحدى حلقاته المميزة للعالم والباحث غريغ غيج.

انتقد غيج السياسة التعليمية الخاصة بالحكومات، فيما يتعلق بعد تدريس علم الأعصاب للطلاب في المدارس. وقال إنه يمكن أن يقدر الأمر نتيجة «ارتفاع أسعار الأجهزة والأدوات الخاصة بتعلم هذا العلم المميز، لكن يجب علينا أن نلاحظ أن 20% منا سوف يصاب بأحد الأمراض التي لها علاقة بالأعصاب عندما نكبر»، ومن هنا أوضح كيف قام هو وزميل له باستخدام بعض الأدوات البسيطة التي لا تحتاج وقتًا كبيرًا في تصنيعها واستخدامها، في القيام بتجارب معملية يمكن أن تعلم الطلاب شيئًا عن هذا العلم، لكن ليس هذا ما يهمنا.

ما يهمنا حقًا هو تلك التجربة المثيرة، والتي تحبس الأنفاس فيما يتعلق بإمكانية تحريك الأشياء، عبر الدماغ سلكيًا والتي استخدم فيها غريج نفس الأدوات البسيطة التي يمكن توفيرها بسهولة حول العالم.

غريج قام بعملية تسجيل من دماغ إحدى المتطوعات. نعم، قام بتركيب بعض الأقطاب الكهربائية في يد المتطوعة، وأمرها أن تقوم بتحريك ذراعها؛ ليقوم بتسجيل الإشارات الكهربائية التي أرسلها المخ إلى الذراع. لدرجة أنه قام بتحويل هذه الإشارات إلى صوت.

نعم، قمنا بسماع صوت الإشارات العصبية التي تتحرك بين العضلات وبين النخاع الشوكي! وكلنا يعرف أيضا أنه حتى تقوم بتحريك ذراعك فإنك تقوم عبر مخك بإعطاء أوامر لعضلاتك كي تتحرك، وبالتالي فإن المخ يرسل إشارات كهربائية إلى عضلات اليد والتي تصل من خلال النخاع الشوكي.

وأحضر غريج متطوعا آخر، ووضع أقطاب كهربائية في مكان معين بذراعه يتميز بمرور عصب معين فيه، يكون مسئولا عن تحري الثلاثة أصابع، الوسطى والخنصر والبنصر، هذا كله بغرض أن يقوم بنسخ إشارات الحركة من المتطوعة الأولى إلى هذا العصب للمتطوع الثاني، بحيث يتم تحريك أصابع المتطوع الثلاثة بمجرد أن تفكر المتطوعة الأولى في عملية التحريك، وذلك دون أدنى إرادة من المتطوع الثاني، أو قدرة منه على منع الأمر. بمعنى آخر فإن مخ المتطوعة أصبح يتحكم في ذراعها هي وفي ذراع المتطوع الثاني أيضًا!

تجربة القردين

بعد هذه التجربة المثيرة، نعود مرة أخرى لما فعله القردان. تمكن قردان من تعلم كيفية التحكم في كرسي متحرك آلي من خلال الدماغ فقط، بمجرد استخدام أقطاب متصلة بدماغ القردين لاسلكيًا.

تمكن العلماء في هذه التجربة من فك شفرة الإشارات العصبية من الحيوانات وتحويلها إلى أوامر مباشرة للكرسي، مما سمح للقردين بقيادة الكرسي عبر الغرفة للوصول إلى عنقود من العنب معلق على بعد مترين منهما.

وتمثل هذه التجربة آخر التطورات في التكنولوجيا التي تشهد ازدهارًا واسعًا هذه الأيام والمسماة «واجهة الدماغ والآلة أو brain-machine interface»، التي يعتقد ميغيل نيكوليليس، البروفيسور بجامعة ديوك بولاية نورث كارولينا الأمريكية، أنها يمكن أن تمنح الأمل للبشر الذين يعانون من الشلل أو الأمراض العصبية الحركية.

وأوضح نيكوليليس، أن خلاصة هذه التجربة تتمثل في «نجاحنا في تعليم المريض المصاب بالشلل، كيف يقوم بتحريك الكرسي الآلي عبر دماغه فقط، والتحرك به بحرية كاملة، ويتم ذلك عبر ذرع أقطاب داخل القشرة الدماغية».

سلسلة تجارب

وتعد هذه الدراسة هي الأحدث في سلسلة من التجارب التي قادها نيكوليليس. ففي عام 2014، تمكن فريقه من إظهار هيكل خارجي قام بارتدائه طفل مصاب بالشلل، وتوصيله بجاهز لإرسال الإشارات الكهربية، ليتمكن الطفل من ضرب الكرة في الحفل الافتتاحي لكأس العالم. لكن نيكوليليس أشار إلى أن الدراسة الجديدة فتحت بابًا جديدًا لتطوير أجهزة الروبوتات.

وشرح العلماء تفاصيل التجربة الأخيرة، فهناك قردان، قرد «إم» وقرد «كيه»، وكلاهما من قردة الريسس الشهيرة. هذان القردان تمكنا بالفعل من قيادة الكرسي الإلكتروني لاسلكيا عبر هذه الأقطاب والتحكم في قيادتها بسرعة بلغت 28 سنتيمتر لكل ثانية.

وقام الباحثون بزراعة أقطاب تتكون من صفائف مرنة عبارة عن خيوط معدنية تشبه الشعر، في مناطق معينة في الدماغ، وهي المناطق المخصصة للسيطرة على الحركة والإحساس بالحركة، وهو ما مكن الدماغ من الإحساس بالحركة وإنتاج الحركة.

في الجزء الأول من التجربة، كان كل قرد يجلس على الكرسي المتحرك، هذا الكرسي كان مبرمجًا للوصول إلى عنقود العنب المعلق على بعد مترين بشكل آلي دون تدخل من قبل القردين. برمجة الكرسي شملت جميع اتجاهات الحركة للأمام وللخلف، وكيفية تفادي المنعطفات. وقد تكررت هذه العملية 30 مرة بدء من ثلاثة مواقع مختلفة. هذه العملية كان الغرض منها هو حث عقول القردين على إنتاج ما يعرف باسم «تخيل الصور»، وهو ما نفعله جميعًا عندما نقف ونحن نعلم تحديدًا ماذا سنفعل بعد ذلك.

خلال هذه العملية المتكررة، سجّل الباحثون نشاط المخ لكلا القردين، وذلك للسماح للباحثين بربط الإشارات من الخلايا العصبية في المخ،والخاصة بالطرق والاتجاهات المختلفة لحركة الكرسي. ويشير الباحثون إلى أنهم كانوا قادرين على إنتاج خوارزميات معينة مبرمجة عبر الكمبيوتر لرسم خريطة نشاط الدماغ، وتوجيهها لمسار حركة معينة. لم يكن الباحثون قادرون على معرفة ما يفكر فيه القردان، لكنهما تمكنا من استخراج المعلومات المفيدة والضرورية؛ لتمكين القردين من السيطرة على كرسي متحرك.

باستخدام هذه المعلومات التي تم استخراجها في الجزء الأول، استطاع فريق الباحثين تكرار التجربة لاسلكيًا، لكن في الاتجاه العكسي. العلماء استخدموا المعلومات الضرورية والمتمثلة بإشارات المخ الكهربية، وقاموا بتحويلها إلى إشارات لاسلكية، انطلقت من الأقطاب الموجودة في أدمغة القردين إلى جهاز استقبال موجود في الكرسي المتحرك.

مهارة القردين لقيادة الكرسي، لم تصل لأفضل قدراتها بين ليلة وضحاها، لكن الأمر احتاج لحوالي ما بين ثلاثة إلى ستة أسابيع. القرد «كيه» تمكن من إنجاز المهمة خلال 43,1 ثانية، بينما تمكن القرد «إم» من إتمام المهمة بنجاح خلال 27,3 ثانية.

علامات

editorial, المخ, طب, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد