يبدو أن سياسة مقاومة العملات الرقمية والتكنولوجيا المالية الحديثة، وتقنية «بلوك تشين»، التي اتبعتها كثير من البنوك المركزية حول العالم، لم تجدِ حتى الآن، وهو ما يعني أن النظام المالي العالمي في حاجة ملحة لتغيير استراتيجيته في التعامل مع هذه التكنولوجيا، فهل تتخلى البنوك المركزية العالمية عن المقاومة بالاندماج؟ وهل تنجح في التعامل مع هذه التغيرات السريعة؟

في الواقع بات من الصعب الآن إنكار أن العملات الرقمية واقع لا مفر منه؛ فمعظم العملات المشفرة الموجودة حاليًا قد انهارت مرات عدة، لكنها عادت دائمًا إلى النهوض، وبعضها قد اختفى وظهر غيره، فالعالم حاليًا به مئات العملات الرقمية، وهو ما يدفع كثيرًا من الحكومات حول العالم للاتجاه نحو إصدار عملات رقمية، فالأمر ليس قاصرًا على «بيتكوين»، لكننا نتحدث هنا عن ثورة تكنولوجيا مالية متكاملة.

لماذا تريد البنوك المركزية القضاء على العملات الرقمية؟

منذ أن صمم ساتوشي ناكاموتو عملة «بيتكوين»، وبدأ تداولها في الثالث من يناير (كانون الثاني) 2009 لأول مرة في العالم الرقمي، كان النظام المالي العالمي ينظر إليها دائمًا على أنها عملة اللصوص والقراصنة؛ إذ تعرضت العملة لهجمات كثيرة من البنوك المركزية والحكومات؛ بدعوى خطورتها على النظام المالي، ودورها في تمويل الإرهاب.

لكن لا يمكن إنكار أن هذا الهجوم الشرس كان خلفه في أوقات كثيرة خوف المسيطرين حاليًا على النظام المالي العالمي من ضياع الهيمنة المالية على العالم؛ فهذه التكنولوجيا في النهاية بمثابة ثورة على الأنظمة والرقابة والقيود، فالهدف منها أن تكون تعاملاتها بعيدة عن الأنظمة، بعيدة عن الرقابة، ولا يمكن تتبعها.

ووفق تقرير نشرته مجلة «Forbes» الأمريكية فإن الحكومات الكبرى والبنوك المركزية تريد التخلص من «ليبرا» و«بيتكوين» وجميع العملات المشفرة، لأسباب رسمية وأخرى غير رسمية، فالأسباب الرسمية المعروفة والمتداولة إعلاميًّا تتعلق بمخاوف الأمن، القومي وحماية المستثمرين، ومخاوف السيولة، ومكافحة غسيل الأموال، وهي أمور مبررة تمامًا.

«حماس آخرهم».. هكذا أصبح «بيتكوين» ملاذ المغضوب عليهم من النظام المالي العالمي

ولكن هناك أسبابًا غير رسمية لحرب البنوك المركزية والحكومات تجعلها ترفض العملات الرقمية، إذ إن هذه العملات تهدد بخرق احتكارها لطباعة النقود، والتلاعب بالاقتصاد لاستيعاب مصالح النخب من ذوي النفوذ، فهي تقلل من قدرتها على السيطرة على الأسواق والسكان.

«مركز ابتكار».. تحسين للأداء أم تدارك للأخطاء؟

لم يزد الهجوم على العملات الرقمية إلا مزيدًا من الانتشار والتمدد، ولعل «ليبرا»، عملة «فيسبوك» التي تنتظرها الأسواق العام القادم خير دليل على ذلك، وهو الأمر الذي دفع النظام المالي لمراجعة سياسية في التعامل مع هذه التكنولوجيا، أو يمكن القول تدارك الأخطاء، ففي 30 يونيو (حزيران) الماضي، وافق بنك التسويات الدولية على إنشاء مركز ابتكار، وذلك بهدف التعامل من خلاله مع التغيرات السريعة في التكنولوجيا المالية.

وعلى رأس هذه التغيرات اتجاه شركات مثل فيسبوك نحو العمل المالي، الذي قد يغير من طبيعية النظام المالي العالمي في وقت قصير، البنك، الذي يعد بمنزلة مظلة للبنوك المركزية في العالم، قال إن هدف مركز الابتكار هو تحسين أداء النظام المالي العالمي ومعرفة وتطوير الرؤى السائدة في مجال التكنولوجيا التي تؤثر على عمل البنوك المركزية، إلا أن الهدف غير المعلن ربما يكون تجاوز عقبة «بيتكوين» المنتعشة، و«ليبرا» التي تنتظرها الأسواق العام القادم.

«البنوك المركزية حول العالم توصلت إلى استنتاج يفضي بضرورة إطلاق عملات رقمية؛ هذا هو المستقبل»، كانت تلك كلمات، أولغا سكوروبوغاتوف، نائب محافظ البنك المركزي الروسي في «منتدى بطرسبورج الاقتصادي الدولي» في 2017، وهذه الكلمات تلخص بصورة كبيرة التغير الكبير في رؤية البنوك المركزية لطريقة مواجهة العملات الرقمية، إذ تسعى البنوك لإدخال العملات الرقمية تحت مظلتها، وذلك بعد أن فشلت في إجهاضها، فانتعاش هذا النوع من التعاملات، يهدد بقاء البنوك في المستقبل لعدم الحاجة إليها، لذلك فإن المحاولات الحالية يمكن النظر إليها في إطار استيعاب ثورة العملات الإلكترونية.

هل تنهار «بيتكوين» وأخواتها لو أصدرت البنوك المركزية عملة رقمية؟

يلح هذا السؤال كثيرًا الآن، لكن من الصعب الاتفاق على إجابة واحدة، إذ إن نوريل روبيني، الأستاذ بجامعة «نيويورك»، والذي عمل سابقًا بالبنك والنقد الدوليين، والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، قال في مقال له بعنوان، «لماذا تقضي عملات البنوك المركزية الرقمية على العملات المشفرة»، نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، إن «إصدار عملة رقمية من قبل أي من البنوك المركزية، ستطيح في الحال بالعملات المشفرة، التي تتسم بأنها غير قابلة للقياس، وغير رخيصة أو آمنة، كما أنها غير مركزية بالفعل».

إذ يرى روبيني أن العملات المشفرة «ستبقى جاذبة لهؤلاء الذين يرغبون في أن يظلوا مجهولي الهوية»، بينما أكد أن مسؤولي البنوك المركزية في العالم تأخروا كثيرًا في الحديث عن إصدار عملات رقمية، في ظل تقلص استخدام النقد شيئًا فشيئًا، حتى اختفى تقريبًا في دول مثل السويد والصين.

لكن نظرة، روبيني، تلك تتعارض مع رؤية من وجدوا في العملات الرقمية حلًّا مثاليًّا للبعد عن قبضة النظام المالي الذي تفرض عقوبات مالية من خلاله، فالدول المغضوب عليها من النظام المالي التي تريد البعد عن المنظومة الحالية وجدت في العملات الرقمية نافذة للتحايل على العقوبات الدولية.

بعد ارتفاعها مجددًا.. هل يُعد الاستثمار في «البيتكوين» حاليًا خيارًا مربحًا؟

ربما قد يظن القارئ من خلال السرد السابق، أن تحول العالم من النظام الحالي لنظام رقمي، أمر بسيط، لكن بالطبع الأمر أكثر تعقيدًا من ذلك، فحتى الآن من غير المعروف تنظيم الأمور الخاصة بالاحتياطي النقدي، وكيفية إدارة عملية خلق النقود التي تقوم بها البنوك التجارية حاليًا، كما أن البنوك تحتاج إلى الودائع كي تتخذ قرارات بشأن تقديم القروض والاستثمارات.

ربما يكون الحديث عن هذه الأمور سابقًا لأوانه، فحتى الآن لم تقرر أي دولة المضي قدمًا في هذا الاتجاه، ما يعني أن الاعتماد الكامل على العملات الرقمية أمر غير وارد حاليًا، ولكن هل هناك طرق أخرى للاندماج أو فرص لتغلب البنوك المركزية على تحدي التكنولوجيا؟ الإجابة نعم؛ إذ تدرس البنوك المركزية استخدام التكنولوجيا التي تعتمد عليها العملات الرقمية في حل بعض المشاكل المصرفية التقليدية، وتطوير النظام القائم دون تغييره.

كيف يمكن أن تستخدم البنوك المركزية التكنولوجيا لصالحها دون أن تتخلى عن نظامها؟

في بداية أبريل (نيسان) الماضي، نشر «المنتدى الاقتصادي العالمي» تقريرًا حول استخدامات تقنية «بلوك تشين» التي يمكن أن تلجأ إليها البنوك المركزية، إذ أشار التقرير إلى أن عشرات البنوك المركزية في جميع أنحاء العالم، تدرس ما إذا كان بإمكان هذه التقنية أن تساعد في حل المشكلات القديمة في مجال الخدمات المصرفية، مثل كفاءة نظام الدفع، وأمن الدفع والمرونة، بالإضافة إلى عمليات الشمول المالي.

التقرير تحدث عن 10 استخدامات، منها استحداث عملة رقمية للبنك المركزي للبيع بالتجزئة، إذ تعد هذه العملة مكملًا أو بديلًا للنقد المادي، وبديلًا للودائع المصرفية التقليدية، وتجربها عدة مصارف مركزية في بلدان مختلفة، الاستخدام الثاني هي العملة الرقمية للبيع بالجملة، وتكون متاحة فقط للبنوك التجارية، وبيوت المقاصة للاستخدام في سوق الجملة بين البنوك.

وتحدث التقرير خلال الاستخدام الثالث عن تطوير نظام التسليم مقابل الدفع بين البنوك، عن طريق تسوية الأوراق المالية بين البنوك، عبر تطبيق مُركَّز للعملة الرقمية المستندة إلى تقنية «بلوك تشين»، تتيح المقاصة السريعة بين البنوك وتسوية الأوراق المالية نقدًا، بينما يوضح المنتدى الاقتصادي العالمي، أن بنوكًا مركزية منها البنك المركزي البرازيلي، تجري بحوثًا عن إمكانية استخدام «بلوك تشين» في تطوير مرونة نظام الدفع وحالات الطوارئ.

وبدون سرد باقي الاستخدامات فإن سيناريو استخدام «بلوك تشين» في تطوير النظام الحالي دون مقاومة هذه التقنية وتحديها يبدو مقنعًا، كما أنه سيسهل تبادل المعلومات والبيانات، وتمويل التجارة، إذ يتوقع المنتدى الاقتصادي العالمي أن تتجه العديد من البنوك المركزية خلال السنوات الأربع القادمة إلى استخدام هذه التقنية.

على الجانب الآخر، تقترح مديرة صندوق النقد الدولي، كريستين لاجارد، حلًّا آخر بإدخال طرف ثالث، وهو مؤسسات خاصة تعمل بين البنوك المركزية والبنوك الخاصة، تمكن الأفراد من القيام بإيداعات منتظمة في هذه المؤسسات المالية، لكن تسوية المعاملات في النهاية ستتم في شكل عملات رقمية، وهو حل يحفظ للبنوك المركزية وجودها بالنظام الجديد، دون التخلي عن أنظمتها التقليدية.

على كلٍّ، لا أحد يعلم إلى أين ستستقر الأمور في المستقبل، فمن الممكن أن تتخلى البنوك المركزية عن عنادها وتندمج مع التكنولوجيا الحديثة، أو تكتفي فقط بالاستفادة ببعض الاستخدامات، كما يشير تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، أم يجد اقتراح لاجارد قبولًا لدى صناع السياسيات، هذا ما سيكشف عنه المستقبل.

فقدت 80% من قيمتها.. هل ترامب هو المسؤول عن انهيار «البيتكوين»؟

 

المصادر

تحميل المزيد