بعد غياب خمس سنوات كاملة، تعود الكاتبة الإنجليزية ثرية الخيال «جي كي رولينج»، بعمل جديد من عوالمها السحرية، إلى الشاشة الفضية.

رولينج المشهورة بسلسلتها الاستثنائية هاري بوتر، التي قدمت آخر أجزائها في عام 2011، تحت عنوان «هاري بوتر ومقدسات الموت»، كانت قد توقفت لفترة انشغلت فيها بكتابة رواية للكبار بعنوان «الوظيفة العرضية»، تمزج فيها التراجيديا بالكوميديا، والتي تحولت إلى سلسلة تلفزيونية قصيرة، عرضت عام 2015 على شبكة «إتش بي أو» الأمريكية.

لكن شوقها لعوالم السحر والسحرة، عاد بها لتكتب لعشاقها حول العالم، قصة دسمة بعنوان «الوحوش الرائعة.. وأين تجدها»، أخرجها الإنجليزي «ديفيد ييتس»، الذي أخرج أربعة أجزاء من سلسلة هاري بوتر، وعالجها معالجةً بصريةً مُبهرةً، إذ صُوّر الفيلم بكاميرات آي ماكس، وأُدمجت في التصوير تقنيات ثلاثية الأبعاد.

نقدّم لك «الوحوش الرائعة»

وتدور أحداث الفيلم في مدينة نيويورك، عام 1926، بعد فترة قصيرة من نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث ترسو سفينة تقل مسافر غير اعتيادي، ساحر إنجليزي شاب يدعى «نيوت سكاماندر»، الذي يُؤدي دوره الممثل الحائز على الأوسكار إيدي ردماين.

لا يحمل هذا المسافر الساحر من المتاع سوى حقيبة جلدية متوسطة الحجم، يبدو مظهرها عاديًا للمراقب العادي، لكنها تحتوي على مجموعة كبيرة للغاية من الكائنات الخرافية، والوحوش المهددة بالانقراض، يحملها لهدف معين، يتضح مع تقدم أحداث الفيلم.

وبصدفة غير مقصودة، تتبدل حقيبة سكامندر مع حقيبة شخص آخر، كان في طريقه للبنك، للحصول على قرض لافتتاح متجر للمخبوزات، وكان يحمل عينات من مخبوزاته في تلك الحقيبة.

في نفس الوقت، نكتشف أن هناك من يراقب سكامندر عن كثب، إنها العميلة تينا جولدستين، من الاتحاد السري لسحرة الولايات المتحدة، وتُؤدي دورها الممثلة كاثرين ووترستون.

تلاحظ العميلة السرية عصاته السحرية، وقدرته الخارقة على الانتقال من مكان لآخر عبر تعاويذ ما، فتُصر على اصطحابه لمبنى اتحاد السحرة. هُناك يُقابل ساحرًا قويًّا غامضًا، يُدعى جرافيس، ويُؤدي دوره الممثل الأيرلندي كولين فيريل.

وهُناك يُخبرهم سكاماندر، أنه ساحر مختص في إنقاذ الكائنات السحرية المهددة بالانقراض، ورعايتها، وإعادتها لمواطنها الأصلية، وأنه قدم للولايات المتحدة، في مهمة خاصة، لإعادة نسر خرافي عملاق لموطنه في براري ولاية أريزونا، مُوضحًا أنه يُقدم لجميع الحيوانات والوحوش، الرعاية والغذاء، في مكان سري يدخل ويخرج منه عبر حقيبته السحرية، وعندما يفتح الحقيبة ليريهم، يتفاجأ، ويتفاجأ الجميع، بأنها ملأى بالكعك والفطائر المحلاة!

الحقيبة الأصلية

يسعى سكامندر بمعاونة تينا، للبحث عن الحقيبة الأصلية، ولا يجدان صعوبة كبيرة في ذلك؛ لأن بعض الكائنات الخرافية تهرب أثناء محاولة الخبّاز خفيف الظل جاكوب كواليسكي (لعب شخصيته الممثل الأمريكي دان فوجلر)، فتح الحقيبة التي ظنّها حقيبته، فتثير الكائنات فوضى عارمة في المنطقة.

بالتوازي، تدور أحداث أخرى في مكان قريب حول سيدة تدير ملجأ أيتام، وتستخدم الأطفال في القيام بحملات توعية ضد مخاطر السحرة، فتقف السيدة ماري لو (تُؤدي دورها سامانثا مورتون)، كل يوم، في إحدى الأماكن المزدحمة تخطب وسط الناس، محذرة إياهم من خطر يختبئ بينهم، وأن السحرة في كل مكان حولهم، وأنهم يُشكلون تهديدًا لما أنجزه المجتمع الأمريكي من ازدهار، خلال فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى.

وتُشدد السيدة ماري على ضرورة أن يتعاون الجميع معًا، للقضاء على السحرة، مثلما قضى أجدادها على ساحرات «سالم».

وساحرات «سالم»، محاكمات حقيقية عقدت في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، ما بين عامي 1692، و1693، لـ14 سيدة، و6 رجال اتهموا بممارسة السحر، وحُكم عليهم بالإعدام.

جي كي رولينج

رسمة توضيحية لمحاكمات ساحرات «سالم»

تلجأ السيدة ماري إلى رجل أعمال نافذ وصاحب عدة جرائد، لمساعدتها على إيصال رسالتها للمجتمع الأمريكي عبر صفحات جرائده، فيصدها الرجل، ويسخر منها ابنه الأكبر، الذي بصدد خوض انتخابات الرئاسة الأمريكية، ويُهين أحد الأيتام من الذين تراعهم تلك السيدة.

ولا يمضي وقت طويل حتى تقوم قوة سوداء عنيفة وغامضة بمهاجمة مؤتمر انتخابي لهذا الرجل، وتقتله وتترك علامات مريعة على وجهه، وتتسبب في دمار وفزع شديدين بمدينة نيويورك.

وتدور باقي أحداث الفيلم في ثلاثة اتجاهات، بين محاولة سكامندر النجاح في مهمته، وإطلاق سراح النسر الخرافي العملاق، وبين محاولة فك لغز مقتل المرشح الأمريكي للرئاسة، واكتشاف طبيعة هذه القوة الغامضة، ومنعها من إحداث المزيد من الدمار، وأيضًا بين محاولة جرافيس الخروج بمجتمع السحرة إلى النور، ورفضه للاستمرار في العمل السري، حتى ولو رأى مجتمع السحر أن ذلك في مصلحة مجتمع الأغلبية العظمى من غير السحرة.

ونجح الفيلم في تقديم توليفة رائعة من الإثارة، والرومانسية، والتشويق، والكوميديا، والإبهار البصري، مع استغلال رائع لإمكانيات الآي ماكس، والرسومات ثلاثية الأبعاد، نقلت لنا عالم نيويورك في زمن العشرينيات الذهبي، وأيضًا نقلت لنا صورًا خياليةً مذهلةً للكائنات الخرافية الأسطورية التي عجت بها حقيبة السيد سكامندر السحرية، كائنات هي مزيج خيالي بين كائنات حقيقية مختلفة.

وعلى ما يبدو، فإن الفيلم بداية مُشجعة، لمحبي أفلام الفانتازيا من مختلف الأعمار، لانتظار أربعة أجزاء أخرى قادمة أُعلن عنها بالفعل، وجدولة «الوحوش الرائعة وأين تجدها 2»، ليتم عرضه في 2018.

المثير في الفيلم اهتمامه بإبراز معنى أن الوحوش قد لا تبدو وحوشًا بالمعنى السلبي المخيف للكلمة، وأن الوحوش الحقيقية، تعيش في نفوس البشر، الذين يُقهرون إخوانهم البشر، ليدفعوهم في النهاية للقيام بأعمال مُريعة، والذين يرفضون مد يد العون للمحتاجين، أو الذين أعمتهم شهوة السلطة والنفوذ.

عرض التعليقات
تحميل المزيد