المغرب

في مدينة وجدة المغربية، حملت مجموعة من القوات العمومية مطرقة وتوجهت بها نحو بيت متواضع، فكسرت أقفاله ثم أبوابه، ثم مكثت فيه لساعات، قبل أن تقدم على تشميعه بالشمع الأحمر، وترحل.

مشهد يشبه مشاهد «الأكشن» في الأفلام البوليسية، استهدف بيتًا يملك كل أوراقه الثبوتية عضو مجلس شورى «جماعة العدل والإحسان» ، لطفي الحساني، حدث ذلك في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ولم تتوقف عملية تشميع منازل الجماعة منذ ذلك الحين، فخلال الأيام القليلة الماضية واصلت المغرب تشميع البيوت حتى وصل عددها إلى سبعة.

وهي إجراءات يبدو أنها تأتي في إطار تجاذب القصر المغربي مع جماعة العدل والإحسان الإسلامية منذ تأسست في ثمانينيات القرن الماضي، فالجماعة التي برزت باعتبارها قوة تنظيمية وسياسة، كانت دائمًا هدفًا للتحجيم من قبل الدولة، وقد أعادت أحداث الأيام الماضية الذاكرة إلى العام 2006 حين أقدمت السلطات المغربية على حملة لإقفال بيوت قيادات «جماعة العدل والإحسان» وتشميعها.

وفيما يواصل الحساني حتى الآن الركض خلف الجهات القانونية لمعرفة حيثيات تشميع بيته بشكل مفاجئ، من دون إخطار، أو إشعار قبلي، يبدو أن القصر الملكي المغربي متوجه نحو معركة جديدة مع خصمه السياسي الأكبر، متذرعًا بأن تشميع المنازل يأتي لتحولها بشكل كامل إلى مساجد، كما تقام فيها «تجمعات غير مرخصة».

«الشمع الأحمر» يغلق بيوت «العدل والإحسان»

كما ذكرنا، فخلال الشهر الحالي، أقدمت السلطات المغربية على إغلاق ثلاثة بيوت لقادة «جماعة العدل والإحسان» المغربية وتشميعها في مدن القنيطرة، والدار البيضاء، وأكادير، وبذلك يصل عدد البيوت التي تم تشميعها إلى سبعة في أماكن متفرقة من المملكة.

فرغم أن الجماعة الأكبر في المعارضة قانونية، إلا أنها ممنوعة من الفضاءات العمومية، مما دفع أعضاءها لفتح بيوتهم لاستقبال بعض لقاءاتها الخاصة بشكل علني، فـ: «طلبات عقد الاجتماعات في مقرات عمومية تقابله السلطة بالرفض، وهي تعرف أن هذا تنظيم ولا بد أن يجتمع أعضاؤه فيلجأون للبيوت»، كما قال بيان للجماعة.

تحدثنا إلى الكاتب العام لشبيبة العدل والإحسان بوبكر الونخاري الذي رأى أن «تشميع منازل الجماعة سلوك ليس طارئًا ولا استثنائيًا وهو معهود على الدولة المغربية، فقد سبقته قرارات مشابهة كثيرة، وأخرى من نوع آخر، كلها تهدف للتضييق على نشاط الجماعة، ومحاصرة دعوتها، والإيذاء الشخصي لأعضائها، باستهداف حقوقهم المدنية والسياسية» بحسب تصريحه.

ويوضح الونخاري لـ«ساسة بوست» أن «هذه القرارات، التي أتت متزامنة، وفي عدد من المدن، ذات طبيعة سياسية، وانتهكت القانون، هي جزء من مظلومية عامة للشعب المغربي في مقدراته، وفي حقوق أبنائه السياسية والاقتصادية والمدنية».

ويشدد الكاتب العام لشبيبة «العدل والإحسان» على أن ملف الجماعة يتجاوز الحكومة في المغرب إلى الحاكمين فعليًا، لكنه رغم ذلك يرى الحكومة غير معفاة من تحمل مسؤولياتها «ما دامت قبلت أن تبرّر الظلم، أو في الحد الأدنى السكوت عنه»، ويضيف: «من يعطي مثل هذه القرارات يهدف إلى ليّ ذراع الجماعة، لكن العدل والإحسان مستمرة في العمل بكل سلمية ومسؤولية، ولا سبيل للنظام المغربي إلا أن يستوعب أن هذه الأساليب القديمة مُكلفة ولا تنفع، وأنها تعبّر عن قِصر نظرٍ سرعان ما سيدرك القائمون عليها والآمرون بها أنها تزيد سجلهم الحقوقي السيئ سوءًا، ولا تثني الجماعة عن طريقها».

وحول توقعاته إلى أين تسير الأمور بين الطرفين، يقول الونخاري: «من جهتنا لن تسير إلا إلى خير، ما دمنا مقتنعين أننا نوجد في الموقع الصواب، وأننا حريصون على شعبنا ووطننا. لا يمكن أن أتوقع شيئًا، لأننا بإزاء عقلية مخزنية منفلتة من كل منطق، وتفتقر للكياسة في التعامل مع تنظيم سياسي مدني وسلمي، يرفض العنف والعمالة للخارج، فضلًا عن أنه يرفض السرية».

حركة العدل والإحسان المغربية.. من رؤيا الخلافة إلى الانزواء في الظلّ

القصر الملكي يريد تحجيم الجماعة دون استئصالها

«لا اختصاص لدي بشأن تشميع بيوت جماعة العدل و الإحسان»، بهذه الجملة تبرأ زير العدل والحريات المغربي مصطفى الرميد من مسئولية الحكومة في قضية تشميع البيوت، وكان ذلك خلال كلمته في ندوة في الملتقى الوطني لـ«شبيبة العدالة والتنمية» بمدينة أكادير المغربية.

لذلك، اعتبر الحقوقي المغربي خالد البكاري أن قرار تشميع بيوت «العدل والإحسان» هو قرار دولة (أي نابع من القصر الملكي)  وليس قرار حكومة، وهو ناجم عن التحركات الأخيرة للجماعة، كتخليدها ذكرى رحيل مؤسس الجماعة عبد السلام ياسين في تلك البيوت، وكذلك لانفتاح الجماعة على مجموعة من الفاعلين الذين لا يشاطرونها المرجعية الدينية مثل مجموعة من الرموز اليسارية أو مجموعة من الرموز المحسوبة على الحركة الأمازيغية، وكذلك لعودة الاحتجاجات إلى الشارع المغربي، كاحتجاجات طلبة الطب و احتجاجات الأساتذة المتعاقدين.

ويعقب البكاري خلال حديثه لـ«ساسة بوست» أن الدولة المغربية التي ترى يدًا للجماعة في تحريك هذه الاحتجاجات، أرادت إرسال رسالة للجماعة أنها قادرة على العودة إلى تشديد القبضة الأمنية على الجماعة وتحجيم تحركاتها، ومع ذلك –حسب البكاري- فإن الدولة المغربية لا تستطع العودة لاستخدام أساليب الاستئصال في حق جماعة العدل، لأنها تعي أن الجماعة قوية ومنظمة ترتكز على خزان بشري مهم.

ويضيف البكاري مستدركًا: «مسلسل إضعاف الجماعة بدأ منذ سنتين، نتذكر إيقاف أطر من الجماعة كانوا يشغلون مناصب عليا داخل مختلف مؤسسات الدولة، تم توقيف هؤلاء عن مزاولة مهامهم وحذفت تكليفاتهم الرسمية، ذلك أول جانب من تجحيم قوة الجماعة، ثم بدأ تشميع بيوت من المنطقة الشرقية لتلحق بها مدن الدار البيضاء والقنيطرة وإنزكان في توقيت واحد، بمعني وجود خارطة تضم شمال وسط المملكة وكذلك جنوبها، باعتبارها ضربات استباقية وتحذيرية للجماعة من مغبة الانخراط القوى والفعال في أي تحركات شعبية مقبلة».

Embed from Getty Images

زعيم جماعة العدل والإحسان الراحل عبد السلام ياسين

وكذلك، فإن جماعة العدل والإحسان –حسب البكاري- في بعض الأحيان تتراجع وتتريث وترد بنوع من التحمل والصبر، لأنه هناك اتفاق ضمني غير موقع بموجبه لا تنخرط الجماعة في كل قوتها في الشارع وكذلك الدولة لا تصل مع الجماعة إلى مستوى الاستئصال الكلي، فالدولة تعرف أن الجماعة لا ارتباط لها مع الخارج، وهي سلمية وأنشطتها علنية، ولكن عليها أن لا تتجاوز سقفًا معينًا.

ويعقب البكاري: «الجماعة تعي أن المرحلة غير مهيأة لتغيير جذري، وتعتقد أن هذا الوضع هو أفضل لها، بمعني أنها تربي أفرادها وتكسب أنصارًا جددًا، وتسجل نقاط على الدولة فيما يخص الملفات الاجتماعية والحقوقية إلى أن تتقوى أكثر أو تضعف الدولة أكثر، لذلك نحن الآن في مرحلة من التوزان الهش بين الدولة والإحسان».

ورغم توقع البكاري أن تمر سحابة تشميع بيوت جماعة العدل والإحسان سريعًا، إلا أنه لا يستبعد أن تلجأ الجماعة إلى القضاء لرفع التشميع وقد تكون جلسات المحاكمة فيها نوع الوقفات الاحتجاجية، دون أن تنجر الجماعة إلى مواجهة مع الدولة في هذا الملف.

هل يعود بنكيران للسّاحة السياسيّة المغربيّة عبر بوّابة الهجوم على الإمارات؟

ليّ ذراع «العدل والإحسان» يثير غضب باقي الأحزاب

«تشميع البيوت هو استمرار في مسار التضييق وشطط في استعمال السلطة»، هكذا وصف الناشط السياسي المغربي رشيد بريمة لـ«ساسة بوست» قرار المملكة المغربية تشميع بيوت قادة جماعة «العدل والإحسان».

Embed from Getty Images

من احتجاجات طلبة الطب المغاربة

ويرى بريمة أن جماعة «العدل والإحسان» جماعة معارضة من حقها التواصل مع أعضائها ومع المتعاطفين معها في مختلف الفضاءات، ولذلك فاستهدافها هو استهداف للخط الوسطي المعتدل الذي تتميز به الجماعة خصوصًا والحركة الاسلامية المغربية عمومًا، ويضيف: «المتميز في ردود الأفعال على عملية التشميع هو حجم الإدانة لها من مختلف الأطياف المدنية والسياسية والحقوقية، فتشميع البيوت يستهدف حالة الانفتاح الحقوقي في المغرب و مؤشر على تراجعات حقوقية مستقبلية».

ويعتقد بريمة أن هناك صراعًا للإدارات بين من يريد إحقاق دولة الحريات والحقوق ومن يريد العودة بنا لسنوات الجمر والرصاص بعناوين جديدة، وفي المقابل هو الإجماع على رفض هذه الممارسات التي تمس بصورة المغرب داخليًا وخارجيًا، وينظر بريمة بإيجابية إلى ما يرى فيه حالة من الممانعة عند المغاربة سببها ارتفاع منسوب الوعي رغم كل محاولات التيئيس والتبخيس الذي تنال منهم.

من جانبها، ترى البرلمانية الاشتراكية المغربية حنان رحاب، أن الاختلاف مع جماعة العدل والاحسان في الرؤى والمناهج السياسية والفكرية لا يمكن أن يشكل مبررًا لمقاطعتها ونبذها وعدم التعامل معها، وتابعت القول: «إذا كنت لا أتفق مع مشروع الجماعة السياسي وهذا ما نناقشه باستمرار، فهذا لا يعني أن الجماعة نبتة سامة يتوجب استئصالها واقتلاع جذورها، فعلى الأقل الجماعة هي ذات مرجعية وطنية نابعة من فهم محلي للدين بخلاف مجموعة من الجماعات الاسلامية الأخرى التي لا تتردد في إبراز ارتباطاتها غير الوطنية، والتي وجدت لها موطئ قدم داخل الساحة السياسية».

وتشدد رحاب خلال حديثها لـ«ساسة بوست» على أن الجماعة كانت دائمًا حاضرة في كل التعابير المجتمعية للتأكيد على مغربية الصحراء، وسارت قياداتها جنبًا إلى جنب مع باقي القيادات السياسية الوطنية في المسيرات الوطنية الكبرى، هذا بالإضافة إلى خطابها الواضح حول نبد استعمال العنف وتبني منطق الحوار واعتماد المقاربات السلمية في ممارستها السياسية.

مترجم: ما السبب الحقيقي لإعادة المغرب نظام التجنيد الإجباري للشباب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد