كان عام 2016 بالنسبة للمغرب مناسبة لترميم بيت دبلوماسيته الخارجية، بعدما عرفت خلال السنوات الأخيرة العديد من التصدعات، التي ارتدت سلبًا على المصالح الإستراتيجية للمملكة، مما دفع الدبلوماسية المغربية إلى نهج سياسات جديدة فاجأت محيطه الإقليمي والدولي.

ويتكلف القصر بمهمة إدارة السياسات الخارجية للبلد، نظرًا للسلطات الدينية والدستورية والرمزية التي يحتفظ بها الملك، باعتباره أمير المؤمنين، ورئيس الدولة وممثلها الأسمى، وضامن استقلال البلاد وحوزة المملكة، ومحدد السياسات الكبرى الداخلية والخارجية للبلد، مثلما تشير إلى ذلك ديباجة دستور 2011.

وعلى الرغم من أن للمغرب قضايا عديدة تدخل في خانة مصالحه الإستراتيجية التي يسعى لصونها، مثل الأمن الغذائي وتعزيز قوة الدفاع الوطني وتحسين صورة المملكة خارج البلاد، إلا أن قضية «الصحراء» تبقى الملف المركزي الذي تدور حوله كافة القرارات السياسية المرتبطة بخارجية البلاد.

العودة إلى حضن القارة السمراء

في سنة 2016، شهدت العلاقات المغربية الأفريقية محطة تاريخية، بدا فيها جليًّا الاهتمام العميق الذي أصبح يوليه المغرب للبلدان جنوب القارة، إذ عزم المغرب على العودة إلى منظمة الاتحاد الأفريقي، التي انسحب من عضويتها قبل 32 عامًا، عقب اعتراف هذه المنظمة الأفريقية بـ«الصحراء الغربية» دولةً مستقلة، الأمر الذي أثار حفيظة المغرب.

وكان الملك محمد السادس قد بعث رسالة مطولة إلى القمة 27 للاتحاد الأفريقي، المنعقدة خلال شهر يوليو (تموز) الماضي بالعاصمة الرواندية كيغالي، يقول فيها «إن أصدقاءنا يطلبون منا، منذ أمد بعيد، العودة إلى صفوفهم، حتى يسترجع المغرب مكانته الطبيعية ضمن أسرته المؤسسية. وقد حان الوقت لذلك».

وقد عَقَبَ ذلك سلسلة زيارات ملكية لمجموعة من البلدان الأفريقية، شملت رواندا وتنزانيا وإثيوبيا والسنغال ونيجيريا، ومن المرتقب أن يزور العاهل المغربي بلدانًا أفريقية أخرى، حيث عادة ما تنتهي تلك الجولات بعقد شراكات اقتصادية وسياسية مع البلدان المضيفة، بالإضافة إلى تخصيص عقود استثمار ومنح سخية لهذه الدول الأفريقية.

كما تستفيد المملكة من امتدادها التاريخي والروحي مع دول الساحل والصحراء للنفاذ في العمق الأفريقي، من خلال إحياء الروابط الدينية والثقافية الممتدة بين شمال القارة وجنوبها.

شكَّل هذا التوجه الاندفاعي للمملكة نحو القارة السمراء سمة بارزة للدبلوماسية المغربية في حلتها الجديدة، جسدتها الحملات السياسية المكثفة والزيارات الملكية المتتالية والتغطية الإعلامية، ويأتي كل ذلك، كما يرى المراقبون، من أجل تحقيق أهداف سياسية واقتصادية تصب في الأخير في خانة حشد الدعم الدولي من أجل قضية الصحراء.

ومن ثمّة تخلت الدبلوماسية المغربية عن سياسة الكرسي الشاغر داخل البيت الأفريقي، التي لم تجدِ نفعًا في الدفاع عن قضية الصحراء،  لتنحت طريقًا جديدًا عنوانه تعزيز حضور المملكة في المشهد الأفريقي، بغية عدم إفساح المجال لجبهة «البوليساريو» لترويج أطروحتها الانفصالية. وذلك ما أشارت إليه الرسالة الملكية الموجهة لقادة الاتحاد الأفريقي، الوارد فيها «إن علاج الجسم المريض من الداخل سيكون أكثر نجاعة من علاجه من الخارج».

تحالف طويل الأمد مع الخليج

لطالما كان المغرب حليفًا مؤتمنًا لدول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن الاتفاقات الأمنية والسياسية التي عقدت هذا العام بين المملكة المغربية ومماليك الخليج، جعلت هذا التحالف مصيريًّا، بحيث غدا تكتلًا إستراتيجيًّا يمتد فترةً طويلة الأمد.

وكان الملك محمد السادس قد قام بزيارات رسمية خلال هذه السنة لعدد من البلدان الخليجية، منها الإمارات والسعودية والبحرين، نجم عنها شركات عسكرية واقتصادية، تأكد من خلالها بروز محور جديد في الساحة السياسية العربية.

ويعتبر هذا التحالف بين الخليج والمملكة المغربية نتاجًا للمصالح المتبادلة، فمن جهة ترى البلدان الخليجية المغرب منجمًا للموارد العسكرية والاستخباراتية وبخاصة بعد توتر العلاقات الخليجية مع حليفتها السابقة مصر، في الفترة الأخيرة، كما أنه يعد بوابة حيوية للمماليك الخليج لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في أفريقيا وأوروبا.

وبالمقابل، يعول المغرب على المساندة الخليجية لصالح قضيته الترابية في المحافل الدولية ارتباطًا بنزاع الصحراء، ولا سيما أن للدول الخليجية دورًا مؤثرًا في رسم معالم السياسة الدولية، علاوة على أن المملكة تسعى من هذا التحالف إلى ترسيخ الاستقرار في مواجهة أي اضطراب سياسي.

وفي هذا الإطار، جاء دعم المغرب اللا محدود للحلف السعودي في حربه باليمن، حيث شارك بجنوده وعتاده في الحلف العسكري الخليجي، كما أكد المسؤولون المغاربة مرارًا استعدادهم للوقوف مع البلدان الخليجية في التصدي لأي تهديد أمني.

وبدورها، أعلنت دول مجلس التعاون الخليجي دعمها الكامل لمقترح الحكم الذاتي الذي ينادي به المغرب، ومعارضتها للطرح الانفصالي، وبدا ذلك واضحًا عندما انسحبت البلدان الخليجية من القمة العربية الأفريقية نوفمبر الماضي، على خلفية إصرار الاتحاد الأفريقي على مشاركة وفد «البوليساريو» في أعمال القمة.

الوجهة نحو الصين وروسيا

في 11 مايو (أيار) من هذا العام، قام الملك محمد السادس بزيارة لجمهورية الصين الشعبية، أسفرت عن حزمة من الاتفاقات الثنائية، تهم المجال القضائي والاقتصادي والثقافي. كما زار روسيا قبلها بشهرين.

 

وهو ما اعتبره البعض توجهًا جديدًا، جاء كرد فعل تجاه «النكسات» التي تلقتها المملكة من قبل حلفائها التقليديين، أوروبا وأمريكا، بخصوص موضوع الصحراء.

وسبق في هذا السياق، أن أقرت المحكمة الأوروبية إلغاء التبادل الحر في المجال الفلاحي والصيد البحري، بين المغرب والاتحاد الأوروبي، على خلفية نزاع الصحراء، ناهيك عن إصرار الولايات المتحدة الأمريكية على توسيع مهام لجنة المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في منطقة الصحراء.

وبالرغم من أن روسيا والصين لا يعلنان دعمهما الكامل للطرح المغربي إزاء قضية الصحراء، إلا أنهما لا يتورطان في قرارات متعلقة بهذا النزاع، مثلما يشهران معاداتهم «للسيطرة الغربية» على السياسة الدولية، وهو ما أقنع المغرب بتوجيه بوصلة الخارجية نحو هذين البلدين.

لكن من وجهة نظر إدريس الكريني، أستاذ العلاقات الدولية، فإن انفتاح المملكة على روسيا والصين «لا يعني فتور العلاقات المغربية مع الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، إذ ما زال المغرب بحاجة إلى هذه القوى عسكريًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، ويراهن على مواقفها بخصوص الصحراء»، مضيفًا بأنه «كل ما في الأمر هو أن هذه السياسات هي تنويع للمغرب لشركائه».

ومن خلال كل ذلك، يظهر أن المغرب بدأ ينهج المبادرات الهجومية لتوسيع رقعة الدعم لقضيته الترابية بدل التمترس خلف المواقف الدفاعية، كما أصبح يعتمد نهج تنويع الشركاء الدوليين لضبط توازنات سياسته الخارجية، علاوة على إدراكه دور الدبلوماسية الدولية في التأثير على الميدان.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد