استقر علم المغرب إلى اللون الأحمر منذ حكم الموحدين حتى وصل إلى شكله الحالي.

يبدو العَلَم للوهلة الأولى مجرد قطعة قماش مزينة بألوان وأشكال معينة، لكن قيمته أكبر من ذلك في عقول الناس، الذين يرون فيه هويتهم الوطنية، وتجسيدًا للسيادة والاستقلال، ورمزًا لتاريخهم وحضارتهم، كما تنطق من خلال ألوانها ورموزها معانٍ وطنية، من أجلها تخاض الحروب، وبسببها قد يدخل الواحد منا السجن إذا أهانها أو أحرقها.

ويرجع استعمال العلَم في المغرب إلى عصور قديمة بلا شك، غير أنه لا تتوفر المعلومات الدقيقة عن بعض السلطات المركزية التاريخية التي حكمت المغرب أو أجزاء منه، مثل إمارة بورغواطة، وإمارة سجلماسة، إلا ابتداء من القرن الحادي عشر، نظرًا إلى تهميش البحث التاريخي في البلاد. ومن هذه الفترة سنبدأ رحلة تطور العلم المغربي.

علم المغرب في عهد الأدارسة

كان علم الأدارسة عبارة عن راية بيضاء من الحرير، يتوسطها شكل قريب للمثلث، وكان يستخدم في أغلب الأحيان في المعارك فقط، فآنذاك لم تكن الأعلام تطورت بعد في البلاد لتلعب أدوارًا أخرى غير تمييز الجيوش في الحروب.

وحكمت سلالة الأدارسة المغرب من 780 إلى 1073 ميلاديًّا، أسَّسها إدريس بن عبد الله الملقب بإدريس الأول، والذي نجا بنفسه من مذبحة رهيبة ارتكبها الجيش العباسي في موقعة فخ في مكة المكرمة في حق «أهل البيت»، وفرَّ هاربًا إلى المغرب، هناك ستبايعه القبائل الأمازيغية في المنطقة، ليؤسس دولة الأدارسة.

علم المغرب في عهد المرابطين

استخدم المرابطون تقريبًا راية الأدارسة نفسها لتمثيل دولتهم، إلا أن هذا العلم كان مصحوبًا بكتابة منقوشة: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله»، وهنا نلحظ تطور العلَم بعض الشيء ليؤكد الهوية الدينية للسلطة، بعدما كان مقتصرًا على تمييز الجيوش في المعارك.

علم المغرب في عهد المرابطين

وانبثقت الدولة المرابطية من حركة دينية متحمسة  يقودها رجال ملثمون بصحاري جنوب المغرب وموريتانيا، وسرعان ما بدأت التوسع إلى وسط البلاد في منتصف القرن الحادي عشر، ووصلت إلى أقصى الشمال، بل تجاوزت البحار إلى إسبانيا مع يوسف بن تاشفين، الذي هبَّ لإنقاذ ملوك الطوائف ضد الزحف القشتالي.

علم المغرب في عهد الموحدين

اختار الموحدون علمًا مغايرًا تمامًا لسابقيهم المرابطين؛ إذ امتلكوا راية حمراء يتوسطها مربع أشبه برقعة الشطرنج، مليء بالمربعات الصغيرة البيضاء والسوداء المنتظمة، وابتداء من هذه اللحظة سيظهر اللون الأحمر في خلفية العلَم المغربي وسيستمر إلى اليوم.

علم المغرب في عهد الموحدين

وتأسست الدولة الموحدية على أنقاض المرابطين، في القرن الثاني عشر، على يد حركة أتباع محمد بن تومرت، وتوسعت سلطتها لتحكم كافة بلدان المغرب العربي، ورغم الطابع المتشدد للموحدين حتى إنهم شنوا حربًا على المرابطين لعدم إيمانهم بالشكل الكافي في نظرهم، فقد شهدت دولتهم انفتاحًا في أواخر عهدها مع أبي يعقوب المنصور، الذي كان يشجع الثقافة والحياة الفكرية، وخلال عهده ظهر ابن رشد وابن طفيل.

علم المغرب في عهد المرينيين والسعديين

اعتمد كل من السعديين والمرينيين راية الموحدين الحمراء نفسها، لكنها تميزت فقط بمربعين أصفرين يشكلان نجمة ثمانية في وسطها بدل المربعات الصغيرة، وهو تطور بصري مهم، يظهر تحسن صورة الراية المغربية من الناحية المظهرية.

علم المغرب في عهد السعديين

ويعود اعتماد الدولتين الراية نفسها إلى أن نشأتهما بدأت بالتحالف فيما بينهما، بعدما اتحدت قبيلة زناتة بني مرين مع القبائل العربية السعدية واستولوا على إرث حكم الموحدين، واستمر معهم زمن الانفتاح الديني حتى  القرن السادس عشر.

علم المغرب في عهد العلويين

بعد فترة من الاضطرابات، قام مولاي الرشيد، ابن مؤسس سلالة العلويين، بالسيطرة على الأطلس ومجموع مساحة المغرب في القرن السابع عشر، واختار راية حمراء خالية من أي شكل أو رمز علَمًا للدولة العلوية، وهكذا أصبحت الراية المغربية خلال هذه الفترة تطبعها البساطة والنقاء البصري.

علم المغرب في عهد العلويين

في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، ظهرت أعلام ذي الفقار على الراية الحمراء المغربية، ويمكن العثور عليها في العديد من الصور القديمة للمؤرخين الأوروبيين، في البداية أسيئ فهمها واعتبرها الأوروبيون تصويرًا لمقص الخياط، قبل أن يتبينوا أنها تشير إلى سيف ذي الفقار، وما يحمل ذلك من دلالة عسكرية.

يُرجح أن أعلام ذي الفقار كانت تستخدمها فقط السفن البحرية العسكرية التابعة للمغرب في البحار، كما كانت تفعل السفن العثمانية، وآخرون يشيرون إلى أنها كانت ترمز للسلالة العلوية الحاكمة، التي كانت تنسب نفسها إلى علي بن أبي طالب، الذي كان يملك سيف ذي الفقار ذي الحدين، وكان يملكه النبي محمد قبله.

Embed from Getty Images

علم المغرب الحديث

في فترة الاستعمار، ما بين 1915 و1956، اعتُمدت اليافطة الحمراء نفسها لكن أضيف لها نجمة خماسية، وهو العلم الذي ما يزال مستمرًّا حتى الساعة.

ومع ذلك كانت تتخلل الفترة الاستعمارية أعلام مختلفة، ففي المنطقة الوسطى الخاضعة للحماية الفرنسية كانت ترفع العلم المغربي الحديث وفي زاويته اليسرى علم فرنسا مصغرًا، فيما المنطقة الشمالية التي يحتلها الإسبان، كان يرفع فيها علم ذو خلفية حمراء وفي ركنه الأيسر مربع أخضر تتوسطه نجمة خضراء، أما المنطقة التي كانت تحت سيطرة المقاومة الريفية بزعامة المقاوم عبد الكريم الخطابي فكان لها علم خاص يرمز لجمهورية الريف حينئذ (1921- 1926).

وبعد الاستقلال سنة 1956، اعْتُمدت الراية ذات الخلفية الحمراء والنجمة الخماسية الخضراء في الوسط، لتكون علمًا وحيدًا للمغرب الحديث الموحد.

ويشير اللون الأحمر إلى الفداء والشجاعة والقوة، بينما يمثل اللون الأخضر للنجمة الخماسية الشبيهة بختم سليمان السلام والفرح والأمل. وتصف المادة السابعة من الدستور المواصفات الفنية الدقيقة لصنع الراية المغربية.

علم المغرب الحديث

هل ضم العلم المغربي نجمة سداسية؟

تقول آراء أخرى إن العلم المغربي قبل 1915 كانت تتوسطه نجمة سداسية وليست نجمة خماسية، كما يذكر المؤرخ المغربي حسن أوريد.

وكان معجم «لاروس» الفرنسي قد أظهر علم المغرب بنجمة سداسية في نسخته عام 1948، وعُد ذلك محض خطأ منه؛ إذ إن العلم المغربي أصبح رسميًّا بعد 1915 بنجمة خماسية.

فنون

منذ شهرين
5 أعمال فنية تحكي لك كيف ترى إسبانيا المملكة المغربية

سواء كان ذلك صحيحًا أم لا، فإن النجمة السداسية، التي تسمى نجمة داوود، لا تعد رمزًا خاصًا باليهود، بل تحضر في الثقافات الثلاثة، الإسلامية والمسيحية واليهودية منذ قرون، وقبل ظهور الحركة الصهيونية الحديثة، كما تظهر الآثار القديمة من عملات وفسيفساء، وهي ترمز إلى الحكمة والحياة والصحة.

ويمكن القول إن العلم الوطني يشكل أحفورة تحكي قصصًا من الحقب التاريخية التي تزامنت على المغرب، وتطور من مجرد خرقة تميز الجيوش وسط غبار المعركة، إلى أيقونة بصرية توحد هوية المجتمع، وتمثل حكومته في المناسبات السياسية والرياضية والثقافية، وأكثر من ذلك أضحى العلم رمزًا للفخر والأمل لغد أفضل للبلاد.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد