فتحت عودة العلاقات الإيرانية المغربية بعد خمس سنوات من القطيعة جملةً من التساؤلات حول دلالاتها في الوقت الحالي، والأسباب الكامنة وراء توقفها، فضلا عن طبيعة المرحلة المقبلة على البلدين، في ظل موجة الأزمات السياسية المتلاحقة في المنطقة.

وعادت المغرب إلى تطبيع علاقاتها مع إيران، حيث فتحت الأخيرة سفارتها بالرباط، إلى جانب سماح السلطات المغربية للشيعة في أراضيها بالترخيص لتأسيس مؤسسة فكرية، توافق أفكارها وسياساتها.

من البداية: كيف تطورت العلاقات بين المغرب وإيران؟

الملك المغربي محمد السادس

يشار إلى أن العلاقة قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران مرت بنوع من التوافق السياسي بما يعنيه من تمثيل دبلوماسي ارتقى لحدود التنسيق مع المخابرات الإيرانية (السافاك) أحيانا، مع استحضار البعد الشخصي في العلاقة بين الملك الراحل الحسن الثاني وشاه إيران.

وجاء حكم الجمهورية الإسلامية الذي قابله المغرب بالرفض، ثم وصل التوتر بين الطرفين إلى درجات عالية عندما أعلن المغرب منح حق اللجوء السياسي لشاه إيران المخلوع محمد رضا بهلوي، وبلغ التوتر ذروته فانقطعت العلاقات بين البلدين تماما عام 1981.

وحينها ظلت متأرجحة، حيث لم يطبع المغرب علاقاته مع إيران عبر تبادل السفراء، إلا في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وتطورت إلى حد معقول في بعض المراحل خاصة في عهد الرئيس الإيراني محمد خاتمي الذي شهد نشاطا دبلوماسيا إيرانيا متزايدا على المستوى السياسي والفكري والديني.

وارتبط قرار المغرب بقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران في آذار/ مارس 2009 بأزمة العلاقات البحرينية والإيرانية ووقوف المغرب إلى جانب البحرين وتعرضه لحملة إعلامية إيرانية، إضافة لعدم احترام وزارة الخارجية الإيرانية للقائم بأعمال السفارة المغربية بطهران أثناء استدعائه لتبليغه احتجاج إيران على الموقف المغربي من الأزمة مع البحرين.

وثمة من يرى أن قرار القطيعة جاء بعد اكتشاف الرباط لحملة بدعم إيراني، للتشيع بالمغرب، وتدخلها في شؤون البلاد الدينية، ومحاولة في تغيير الأسس الجوهرية للهوية المغربية، وتقويض المذهب المالكي السني الذي تتبناه المملكة.

ما هي القضايا الجوهرية للخلاف بين الطرفين؟

تجمع لقوات جبهة البوليساريو

 

ثلاث قضايا جوهرية، كانت سببا في توتر العلاقات وقطعها لمدة خمس سنوات بين إيران والمغرب. أولها حينما استدعت إيران القائم بالأعمال المغربي في طهران وحده من دون الآخرين، واستخدامها لغة غير لائقة عن تضمن خطاب العاهل المغربي للبحرين مغالطات إبان تفجر الأحداث في البحرين عام 2011.

وفي المقابل استدعى المغرب القائم بالأعمال للتشاور وطلبت توضيحا، لم تقدمه إيران. فيما كانت القضية الثانية هي اتخاذ إيران موقفا إلى جانب دعم جبهة البوليساريو المطالبة بانفصال الصحراء عن المغرب، بينما الثالثة هي دعم إيران لحركة تشيع في المغرب.

والجدير ذكره أيضا أن الخلاف الدبلوماسي المغربي الإيراني تصاعد في 6 مارس 2009 بإعلان الرباط قطع علاقاتها مع إيران بعد التراشق الأخير بين البلدين على خلفية موقف المغرب المتضامن مع البحرين بعد تصريحات مسؤولين إيرانيين عن أنها المحافظة الـ 14 لإيران.

أما عن قرب عودة العلاقات، فكانت من خلال مشاركة وزير الاتصال والناطق باسم الحكومة المغربية، مصطفى الخلفي؛ في الدورة العاشرة للمؤتمر الإسلامي لوزراء الإعلام العام الماضي، في حين قدمت الحكومة الإيرانية سفيرًا جديدًا لها في المغرب بداية العام الجاري.

3-ما هي أبرز دلالات عودة العلاقات في الوقت الحالي؟

 

مغاربة شيعة يؤدون طقوسهم في ذكرى الحسين

 

مما لا شك فيه أن المنطقة العربية والإقليمية تعيش حالة من “الفلتان” السياسي، وتسارع في الأزمات الداخلية والخارجية وتفاقمها، الأمر الذي ساهم في تسريع خطوة عودة العلاقات بين البلدين، كما يرى محللون.

ويرون أيضا أن هذه النقلة الدبلوماسية جاءت نتيجة لقاءات سابقة بين مسؤولي البلدين في الكواليس لطي صفحة الخلافات بينهما، حيث عزز تقديم الملك محمد السادس تهنئة إلى الرئيس روحاني بمناسبة ذكرى الثورة الإسلامية في إيران هذا التوجه.

ويشار إلى أن عودة العلاقات تعود إلى السنوات الثلاث الأخيرة، من خلال لقاءات رسمية وغير رسمية لدبلوماسيين من البلدين، وبالتالي استفادت إيران من تحفظات المغرب المتعلقة بأمنه الثقافي والديني، والتي شكلت الأسباب الرئيسة للقطيعة السابقة.

وفي الموضوع نفسه، فإن التقارب الدبلوماسي بين البلدين يندرج في إطار حسابات “براغماتية” فرضها التقارب الإيراني الأميركي الأوروبي، لذلك يسعى المغرب من خلال ذلك إلى امتصاص الإحساس بالقوة الإيرانية في ظل الضعف العربي الحالي، وفقا لمراقبين.

وبالتالي، سيشمل التقارب الجانب الاقتصادي بشكل أساسي، ولن يشمل التعاون الأمني بسبب الحساسية التي يثيرها المذهب الشيعي في المغرب، بيد أن الدبلوماسية المغربية ستظل حذرة في التعامل السياسي مع إيران رغم التطبيع الحالي، لاعتبارات سياسية وإستراتيجية ترتبط بتحالفات المغرب مع دول المنطقة.

لذلك، فإن استئناف العلاقات بين طهران والرباط يأتي غداة تعاظم الدور الإيراني في الشرق الأوسط، ولا يبدو في صالح المغرب تجاهل قوة بارزة بات الغرب نفسه يفاوضها بأناة حول مشروعها النووي.

وعودة العلاقات مجددا بينهما، سيبقى رهنا بمدى حصول تقارب بين دول الخليج العربية وإيران، وبإمكانية حدوث انعطافة في سياسة الرياض الخارجية تجاه طهران بعد رحيل العاهل السعودي عبد الله بن عبد العزيز.

إضافة إلى أن الشراكة الإستراتيجية التي تجمع المغرب بدول مجلس التعاون الخليجي تجعل من المستبعد أن تمضي الرباط بعيدا في تعاونها مع طهران، ما لم تنقص درجة الاحتقان بينها وبين تلك الدول.

4-ما الذي تود إيران الحصول عليه من التقارب مع المغرب؟

الرئيس الإيراني حسن روحاني

 

 

ومع عودة التقارب، فإن مكاسب سياسية قد يحصل عليها الشيعة في المغرب، من خلال سماح سلطاتها للشيعة المغاربة بالترخيص لتأسيس مؤسسة فكرية تحت اسم “الخط الرسالي للدراسات والنشر”.

لكن، هناك من يرى عدم ترخص الرباط للشيعة للعمل بشكل علني وقانوني في المغرب، حيث أن “الخط الرسالي للدراسات والنشر” ليس جمعية، وإنما مؤسسة فكرية حصلت على ترخيصها من المحكمة التجارية، كما أنها لم تأخذ هذا الترخيص على أساس أنها حركة شيعية.

وبالتالي، هناك تقاطع بين الوجود الشيعي بالمغرب، وبين علاقة هذا الأخير بإيران، حتى سلطات المغرب تتعامل بنوع من المرونة مع الشيعة في المغرب لكي تقدم لإيران مؤشرات إيجابية من شأنها توطيد العلاقة بين البلدين.

والحديث عن محور إيراني مغاربي، أمر ليس مستبعدًا من الناحية الشكلية، لكنه غير مقلق، لأن دول المغرب العربي لها من المصالح والأوراق ما يمكن أن تلعبه في هذا الشأن سواء في توازنات علاقاتها مع أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، أو في توسيع علاقاتها التجارية والاقتصادية والبحث عن آفاق جديدة تكون إيران إحدى بواباتها.

لا إحصاءات دقيقة حتى اللحظة عن عدد الشيعة المغاربة، لكن مع توتر العلاقات المغربية الإيرانية فقد وصل عددهم إلى حوالي 8 آلاف شيعي، على الرغم من أن الدولة سارعت في السنوات القليلة الماضية إلى محاربة أصحاب المد الشيعي.

المصادر

تحميل المزيد