«عندما يهاجر أحد اليهود، يفقد المغرب مواطنًا لكنه يكسب سفيرًا» *ملك المغرب الراحل الحسن الثاني

نشر موقع «نون بوست» ملفًا عن يهود المغرب جاء في سبعة أجزاء، يتطرَّق إلى الجذور التاريخية لليهود المغاربة، وخطَّة مؤسس الحكرة الصهيونية، ثيودور هرتزل، لإسكان اليهود في المغرب، بالإضافة إلى أحوال المغاربة في إسرائيل والعنصرية التي تعرَّضوا لها منذ تأسيسها، واستعرض الملف حوادث تاريخية تشرح علاقة القصر الملكي مع اليهود عبر التاريخ، وكيف استفاد الطرفان من هذه العلاقة؟ في الأسطر التالية نستعرض أهم وأبرز ما جاء في هذا الملف.

قصة يهود المغرب من الهيكل إلى «إسرائيل»

يستعرض الملف تاريخ الوجود اليهودي في المغرب منذ القدم، بالتحديد منذ خراب الهيكل الأول عام 586 قبل الميلاد، حين هاجر هؤلاء إلى الساحل الجنوبي الغربي للبحر المتوسط، ثم عقب سقوط الأندلس والهروب من محاكم التفتيش.

وبحسب ما يقوله اليهود فإن الأمازيغ استقبلوهم وآووهم بعد تدمير الرومان للهيكل الثاني، واعتنقت بعض القبائل الأمازيغية اليهودية، بالإضافة إلى باقي الديانات المصرية والفينيقية والإغريقية التي سبقت دخول الإسلام إلى شمال أفريقيا.  

بعد الفتح الإسلامي عاش يهود المغرب تحت وضع «الذمة»، وفي حين ينتقد بعض المؤرخين اليهود هذا الوضع ويعدونه مواطنة من الدرجة الثانية أو حتى عبودية، فإن مؤرخين آخرين يؤكدون أن اليهود في المغرب قد عاشوا عصرًا ذهبيًّا تحت الحكم الإسلامي، وكان لهم دور مهم في المشهد السياسي للبلاد؛ عكس وضعهم في البلدان المسيحية آنذاك.

تاريخ وفلسفة

منذ 3 سنوات
موسى بن ميمون.. أن تكون يهوديًّا في دولة الخلافة الإسلامية

وقد عاش اليهود والمسلمون حالة من المد والجزر، لكن كان لهم حضور في المجال السياسي والاقتصادي مستشارين لدى الأمراء أو بسبب احترافهم التجارة حينها. 

بعد سقوط الأندلس في نهاية القرن الخامس عشر شهد المغرب توافدًا كبيرًا لليهود هربًا من محاكم التفتيش والإجبار على اعتناق المسيحية، وحملوا معهم اللغة القشتالية والعادات والتقاليد الأندلسية، وقد تمركزوا حينها في مدينة فاس. أما أزهى عصور التعايش بين اليهود والمسلمين فقد كانت خلال حكم السلطان العلوي محمد بن عبد الله (1757- 1792) المعروف بمحمد الثالث الذي شدد على المساواة بين اليهود والمسلمين بنص القانون، وعيَّن مستشارًا يهوديًّا له يدعى جاكوب الطايل. 

وقد شهد المغرب خلال الحرب العالمية الثانية، موجة جديدة من التوافد هربًا من نظام ألمانيا النازية، وفي الوقت الذي كان المغرب تحت الحماية الفرنسية لنظام فيشي الواقع تحت سيطرة ألمانيا بعد احتلالها لفرنسا، اتخذ الملك محمد الخامس موقفًا بالدفاع عن اليهود ورفض تسليمهم للألمان.

لكن سرعان ما بدأت هجرة من نوع آخر، هذه المرة من المغرب تجاه فلسطين المحتلة بعد تأسيس إسرائيل سنة 1948، وهو ما أغرى 250 ألف يهودي بالهجرة في الخمسينيات والستينيات، فيما بقيت أقلية من يهود المغرب هناك. 

الوطن البديل.. حين خطط هرتزل لإقامة الدولة العبرية في المغرب

يتطرق الملف أيضًا إلى مخطط ثيودور هرتزل، مؤسس الحركة الصهيونية العالمية، الذي كان يقضي بإقامة دولة إسرائيل في المغرب بدلًا من فلسطين. وفي حين تكتسي «خطة أوغندا» شهرة كبيرة وتدرَّس في المناهج التاريخية، فإن خطة هرتزل لتوطين يهود روسيا في منطقة الحصان جنوب غرب المغرب تعدُّ أقل شهرة، وهي التي كشفت عنها صحيفة «يديعوت أحرونوت» من خلال رسائل محفوظة في الأرشيف الصهيوني تحت عنوان «كود هرتزل». وجاءت الرسالة مشفَّرة غير واضحة. 

Embed from Getty Images

وحصل الناشط البريطاني وايت – كان أحد الناشطين المعادين للصهيونية وللهجرة اليهودية من روسيا إلى بريطانيا – على هذه الرسالة، وقد استغل هرتزل هذه العداوة لليهود لصالح المشروع الصهيوني، وقد نصت الرسالة على أن المغرب خيار أفضل بالنسبة للصهاينة من جنوب أفريقيا.

وقد كان الأخوان باروخ ويعقوب موشيه توليدانو، المولودان لأبوين عاشا في المغرب، هما السباقين في اقتراح المغرب وطنًا لليهود، وذلك بسبب الازدهار الذي يعيشه المجتمع اليهودي فيه مقارنة بالاضطهاد الشديد في أوروبا، وقد جُمِّد مقترح المغرب بعد سنة 1904 إثر وفاة هرتزل. ويبدو أن توطين اليهود في المغرب لم يكن هدفه الرئيسي إعلان الدولة اليهودية هناك، بل مجرد موطئ انتقالي إلى غاية إقامة الدولة في فلسطين. 

يهود المغرب.. بين الولاء لإسرائيل والحنين لأرض الآباء

يتطرق الملف أيضًا إلى حجم نفوذ اليهود المغاربة في إسرائيل. وقد أرسلت إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2020، مستشار الأمن القومي الإسرائيلي، مائير بن شبات، إلى المغرب للتوقيع على اتفاقية استئناف العلاقات، وهو المولود في المغرب سنة 1966؛ وقد حيَّا الملك المغربي بعبارة «الله يبارك في عمر سيدي» التي يردِّدها المغاربة أثناء حفل الولاء للملك المغربي، تأكيدًا على تشبثه بجذوره المغربية.

ويشير الملف إلى أن اليهود المغاربة عانوا من العنصرية داخل إسرائيل رغم خدمتهم في الجيش، ويتمتعون حاليًا بنفوذ في المؤسسة العسكرية والسياسية؛ إذ إن ثلُث الحكومة الإسرائيلية وزراء من أصول مغربية، مع غياب في قطاعي الاقتصاد والتكنولوجيا.

ويشير الملف إلى أن أكثر من مليون يهودي من أصول مغربية يعيشون الآن في إسرائيل، وهم في المركز الثاني بعد ذوي الأصول الروسية، كما أنهم الأكثر إنجابًا. وتستقطب الأحزاب اليمينية – في الغالب – هذه الشريحة إلى صفوفها. ومن بين أبرز الأسماء من اليهود ذوي الأصول المغربية في الحكومة الإسرائيلية هو وزير الخارجية مخلوف درعي المولود في مكناس المغربية سنة 1959، وهو أب لـ12 ابنًا؛ وقد كان يترأس حزب ساش الديني المتطرف.

ومن بين الأسماء السياسية الأخرى المهمة ذات الأصول المغربية، أمير أوحنا وزير الأمن الداخلي، ودافيد أمسالم وزير الاتصال مع الكنيست، ووزير الاقتصاد والصناعة عمير بيرتس، المولود في مدينة أبي الجعد المغربية عام 1952.

وقد تلقى اليهود المغاربة خبر عودة العلاقات بين المغرب وإسرائيل بترحاب كبير، خصوصًا بسبب الخط الجوي المباشر بين الطرفين الذي سيسهل على السياح اليهود زيارة المغرب لحضور احتفالات «الهيلولة»، وهو موسم ديني يقام بأضرحة لحاخامات يهود، في مدن الصويرة، وفاس، ووزان، ومراكش، وأكادير، والرباط، والدار البيضاء. 

باخرة الإيجوز.. حيلة «الموساد» لاستقدام يهود المغرب

يستعرض الملف حادثة باخرة «إيجوز» التي استأجرها جهاز الموساد سنة 1961 لنقل يهود المغرب إلى جبل طارق ثم إلى إسرائيل، والتي استخدمتها إسرائيل سرًّا 12 مرة، إلى غاية وقوع كارثة راح ضحيتها 44 شخصًا، بسبب عاصفة هوجاء تسببت في غرق الباخرة.

الاحتلال الإسرائيلي

منذ سنة واحدة
المصالح تتصالح.. ملوك وأنظمة عربية تعاونت مع إسرائيل لخدمة مصالحها!

ويشير الملف إلى أن الحادثة كانت مدبرة من طرف رئيسة الوزراء الإسرائيلية، جولدا مائير، من أجل صنع صدمة للرأي العام في المغرب «ولو كلف موت العديد من المواطنين اليهود العزل»، بحسب الملف، ولذلك جرى استئجار سفينة غير صالحة، وتركها للغرق من أجل تأليب المجتمع الدولي ضد المغرب، وإجباره على السماح ليهود المغرب بالهجرة نحو إسرائيل بطريقة مُعلنة، رغم أن الملك كان موافقًا على الهجرة السرية، برغم تعرُّضه للضغط من طرف مصر في عهد جمال عبد الناصر لمنع هذه الهجرة.

وقد استغلَّت الصحف الدولية هذه الحادثة التي دبَّرها الموساد من أجل التحذير من الهجرة السرية والضغط على المغرب للسماح ليهود المغرب بالهجرة إلى أراضي فلسطين المحتلة، وهو ما استجاب له الملك الحسن الثاني بالموافقة. 

ليست «أرض الميعاد».. ثورة اليهود المغاربة ضد العنصرية في إسرائيل

وصل يهود المغرب إلى إسرائيل بعد عام 1948، متأخرين عن يهود أوروبا الأشكناز الذين أحكموا قبضتهم في دواليب السلطة بسبب مشاركتهم في التأسيس، وبقي اليهود المغاربة في الهامش يعانون التهميش والعنصرية؛ وحين قرر رئيس وزراء إسرائيل، بن جوريون، استقطاب يهود من خارج أوروبا ومن المغرب، هاجمت الصحف هذا التوجُّه ونشرت دعاية عنصرية ضد يهود المغرب بوصفهم لصوصًا ومغتصبين ولا يحبون العمل. 

وبعد وصول اليهود المغاربة إلى إسرائيل، تعرضوا إلى الإساءة والعنصرية بسبب طريقة لباسهم وتقاليدهم، وعدهم اليهود الأوروبيون الأشكناز «أوباشًا» بعيدين عن الحضارة؛ وتعرض المغاربة لصدمة في «الوطن الجديد» بعد أن تركوا تجارتهم وحرفهم الراقية في المغرب، ليجدوا أنفسهم في خيم مستوطنات الكيبوتس يعانون الجوع والبرد والفقر، كما تُركوا للعيش في خطوط المواجهة المباشرة مع الفلسطينيين؛ واكتشفوا أنه يجري استخدامهم حزامًا بشريًّا ضد الثوار الفلسطينيين. 

Embed from Getty Images

ويعود الملف إلى انتفاضة «وادي الصليب» بمدينة حيفا في يوليو (تموز) 1959، حين قامت احتجاجات من طرف اليهود المغاربة ومظاهرات ضد العنصرية التي يعانون منها، وذلك بعد شجار في أحد المقاهي، انتهى بمقتل مغربي برصاص الشرطة. وقد طالب المحتجون الملك المغربي بإرجاعهم إلى وطنهم من أجل التخلص من هذه العنصرية، وتطوَّرت هذه الحادثة إلى إضرابات ومظاهرات وحالة تمرُّد عمت مناطق كثيرة. 

في السبعينيات ظهرت حركة «الفهود السود» لليهود المغاربة، مستلهمة تجربة بالاسم نفسه في أمريكا للدفاع عن حقوق هذه الأقلية ونبذ العنصرية الموجهة ضدها من طرف الحكومة، وبعد صدامات عنيفة مع الشرطة واعتقالات كثيرة، تراجعت الحكومة عن اعتبارها حركة إرهابية. 

هارون بن مشعل.. الطاغية الذي أنشأ دولة يهودية سبقت «إسرائيل»

يتطرَّق الملف في أحد أجزائه السبعة إلى تجربة هارون بن مشعل، اليهودي المغربي الذي سعى إلى إقامة وطن لليهود في المغرب خلال القرن السابع عشر، حين عاش المغرب فراغًا سياسيًّا بعد نهاية الدولة السعدية. وقد عُرف بأنه «حاكم تازة» الذي حكم بالتجبُّر والطغيان والإقطاعية، التي راح ضحيتها المسلمون واليهود على حدٍّ سواء.

وقد سمح له بذلك نفوذه وماله الذي ورثه عن أسرته في حكم منطقة تازة وإحكام قبضته عليها. وقد عُرف عنه فرض الضرائب المرتفعة وإجبار القبائل على إهدائه فتاة عذراء كل سنة في عيد حصاد يهودي. 

مصدر الصورة: نظرة عربية

وقد كانت نهاية ابن مشعل في حادثة اعتدائه على امرأة تحمل طفلاً صغيرًا، استطاعت أن تُلهب مشاعر السكان وتؤلبهم على هذا الطاغية، وقد تزامن ذلك مع صعود الدولة العلوية حينها، لتكون نهايته على يد مؤسسها مولاي رشيد، الذي استعمل الحيلة للقضاء على هارون بن مشعل، واستولى على أملاكه. 

القضاء على ابن مشعل كان لحظة فارقة في تاريخ المغرب؛ إذ سيكون هو التأسيس الفعلي للحكم العلوي للبلاد بعد استيلاء مولاي رشيد على أملاك ابن مشعل وتجهيزه جيشًا للسيطرة على فاس وباقي المدن المغربية. 

يهود البلاط.. أذرع الملك المغربي في أوروبا والعالم

يتطرق الملف أيضًا إلى ظاهرة «يهود البلاط» وكيفية استغلال القصر الملكي لعلاقته الطيبة مع يهود المغرب من أجل استخدام نفوذهم داخل المغرب وفي أوروبا وإسرائيل. ويعود تاريخ صناعة النخب اليهودية لدى البلاط المغربي حسب الملف، إلى العهد المريني من أجل الخروج من الحرج الديني الذي اعتبر حينها أوروبا دار كُفر، وبالتالي أوكل القصر الملكي مهمة التعامل التجاري والسياسي مع أوروبا للتجار اليهود الذين كانت تربطهم علاقات قوية مع حكام أوروبا، واستخدمهم القصر سفراءً وذوي مهمات سرية. 

Embed from Getty Images

وقد لعب «يهود البلاط» أدوارًا سياسية مهمة لصالح القصر المغربي وشهدت العلاقة بين الطرفين مدًّا وجزرًا. ويتطرَّق الملف إلى تجربة القصر الملكي خلال العهد المريني في القرن الخامس عشر، حين استعان آخر سلاطين المرينيين، عبد الحق الثاني، بالتجار اليهود لتقوية حكمه، وقد خرق هذا الملك عقد الذمة الذي يمنع الكافر من تقلُّد مناصب سياسية رسمية، إذ عيَّن هارون بن بطاش، أبرز التجار اليهود آنذاك والمستشار الملكي البارز، في منصب كبير وزراء السلطان. وقد ساعد هذا اليهودي عبد الحق الثاني في تثبيت حكمه وإبادة خصومه من أسرته المنافسة.

كان ابن بطاش يحكم منطقة فاس، وقد اشتكى سكان المنطقة من بطشه وجبروته، وانتهى أمره بثورة شعبية عارمة تصدَّرها خطيب القرويين سنة 1465 انتهت بقطع رقبة ابن بطاش الذي اعتبروه الحاكم الفعلي للبلاد، كما قُتل الملك عبد الحق الثاني، لتنتهي حقبة العهد المريني. وراح ضحية الثورة ضد ابن بطاش، الجالية اليهودية المغربية؛ إذ تعرضت لأعمال انتقامية والإجبار على اعتناق الإسلام. 

ويتطرَّق الملف إلى شخصية يهودية أخرى من يهود البلاط هو يعقوب الروطي، الذي عمل مترجمًا وسفيرًا ومبعوثًا خاصًا من طرف الوطاسيين إلى الملك البرتغالي من أجل طلب العون ضد الدولة السعدية المنافسة، واستطاع أن يصنع نفوذًا سياسيًّا قويًّا ويصل إلى مراكز متقدمة داخل القصر.

المصادر

تحميل المزيد