إبان الوضع الاقتصادي الصعب الذي عاشته المغرب سنة 1961، وبينما كان جلّ المغاربة يتابعون مباراةً في كرة القدم بين منتخب بلادهم ضد جارته الشمالية إسبانيا في ملعب «مارسيل سيردان» بالدار البيضاء في إطار التصفيات المؤهلة لكأس العالم 1962، وبالتحديد في 12 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1961، كانت عائلة بنشعبون في انتظار مولودها الجديد محمد، والذي عيّنه الملك المغربي محمد السادس وزيرًا للاقتصاد والمالية الأسبوع الماضي، في محاولةٍ منه لإعطاء دفعة جديدة للاقتصاد المغربي والنهوض به، ويحظى محمد بنشعبون بثقةٍ كبيرة من طرف الملك محمد السادس، الذي كانت لا تخلو جولاته الأفريقية من مرافقته له، ويعول عليه في أن يجنّب البلاد الأزمات الاقتصادية التي تعصف بها.

 في الأسطر القادمة نحاول الغوص في خبايا الوافد الجديد على وزارة الاقتصاد المغربي، وأبرز القضايا التي تنتظره.

«صديق الملك».. محمد بنشعبون من رئاسة البنك الشعبي إلى وزير الاقتصاد والمالية

كانت سنة 1961 حافلة بميلاد العديد من الأسماء التي صنعت لنفسها وزنًا في المشهد المغربي، مثل الملياردير المغربي ووزير الصيد البحري والفلاحة عزيز أخنوش، ووزير الاقتصاد السابق محمد بوسعيد، إضافةً إلى محمد بنشعبون الذي أصبح خليفةً لمحمد بوسعيد في وزارة المالية والاقتصاد بناءً على توصية من عزيز أخنوش، وذلك بحسب ما كشفه رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني.

ولد محمد بنشعبون بمرس السلطان بالدار البيضاء، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي بمسقط رأسه قبل أن ينتقل إلى باريس؛ ليدرس بالمدرسة الوطنية العليا للاتصالات ويتخرج منها سنة 1984، ويبدأ مساره المهني الطويل الذي بدأ مع شركة «ألكاتيل المغرب» التي اشتغل فيها لمدة 10 سنوات مديرًا لقطاع استراتيجيات التدبير والتطوير، ثم انتقل بعد ذلك إلى تدبير قطاع الصناعات بالشركة ذاتها، ثم عُيِّن مديرًا في إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة؛ إذ كان مكلفًا بتنسيق المشاريع الشاملة لعدة قطاعات لصالح وزارة الاقتصاد والمالية.

وزير الاقتصاد والمالية المغربي الجديد محمد بنشعبون، مصدر الصورة (الأيام المغربية)

وفي سنة 1999 قُلد منصب المدير المساعد لمجموعة البنك الشعبي، قبل أن يعين سنة 2003 على رأس الوكالة الوطنية لتقنين الاتصالات، هذا ويعتبر بنشعبون خبيرًا معتمدًا لدى صندوق النقد الدولي منذ سنة 2005، وفي فبراير (شباط) 2008 ترأس بنشعبون البنك الشعبي المركزي، وارتبط اسمه بشكل كبير بأزمة مصفاة «سامير»؛ إذ كان من بين أوّل الخبراء الذين أشاروا بضرورة رفع رأسمال شركة «سامير» – كبرى شركات تكرير النفط بالمغرب – تفاديًا لأية أزمة مالية محتملة.

ويمكن القول إن البنك الشعبي المغربي قد عرف خلال فترة إدارة بنشعبون نجاحًا كبيرًا، من خلال نجاحه في استقطاب نحو 5.8 ملايين عميل من الداخل المغربي، بحسب إحصاءات رسمية صادرة عن البنك الشعبي، فضلًا عن تمكنه من بلوغ ما يقرب 26.3% في مجال جمع الادخار المالي سنة 2017، وكذلك فاز البنك الشعبي سنة 2014 بجائزة أفضل بنك إقليمي خلال الدورة الثامنة لجوائز البنك الأفريقي «أفريكان بانكر أواردز»، التي تنظمها مجلة «البنك الأفريقي»، وتوسعت قاعدته الجغرافية بعدما تمكن من الدخول إلى 11 بلدًا أفريقيًا من خلال إنشاء فروع للبنك داخل تلك البلدان، ناهيك عن التواجد في 13 بلدًا عبر العالم، هي: إسبانيا، وفرنسا، وإيطاليا، وبلجيكا، وهولندا، وألمانيا، وإنجلترا، والدنمارك، وسويسرا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية.

وأمّام هذه النجاحات، وكذلك دخول الحكومة المغربية شبح أزمة اقتصادية باتت تهدد البلد، استعان الملك المغربي بخبرات محمد بنشعبون، وعينه في 20 أغسطس (آب) الجاري وزيرًا للاقتصاد خلفًا للوزير الُمقال محمد بوسعيد الذي طبّق عليه الملك المغربي مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة؛ إشارةً إلى فشله في إدارة الأزمة الاقتصادية بالبلاد.

ملفات شائكة تنتظر عصا بنشعبون السحرية

تنتظر على طاولة بنشعبون الجديدة في وزارة المالية والاقتصاد ملفات شائكة لحلّها، أو التقليل من مخاطرها، من أهم تلك الملفات الموروثة عن سلفه بوسعيد، ملف تعويم الدرهم المغربي؛ إذ منذ تطبيق القرار في مطلع السنة الجارية، لم يشهد الدرهم المغربي تحركًا يذكر أمام سلة العملات الرئيسة، وسط تداولات محدودة بهدف المضاربة؛ فقد سجّل سعر الدولار مقابل الدرهم نحو 9.42 درهم مغربي، فيما بلغ سعر اليورو 10.98 درهم، وفق التعاملات الصباحية ببورصة العملات هذا الأسبوع.

وينتظر الوزير الجديد أيضًا ملف إصلاح صندوق المقاصة المثير للجدل، وهو الصندوق الذي أنشئ بغرض دعم بعض المواد؛ إضافة إلى دعم أسعار بعض المنتجات الموجهة للاستهلاك في الأقاليم الجنوبية للمغرب، ويلتهم عشرات المليارات وسط اتهامات شعبية بأنّ الصندوق يخدم الطبقة الغنية على حساب الفقراء، وهذا ما خلصت إليه دراسة مشتركة بين المندوبية السامية للتخطيط والبنك الدولي؛ إذ كشفت عن أن صندوق المقاصة الذي يلتهم عشرات المليارات من الدراهم سنويًا لا يخدم مصلحة الفقراء الذين أحدثت من أجلهم، بل يصب القسم الأكبر منها في جيوب الأغنياء.

وكانت الحكومة المغربية قد شرعت تدريجيًا في تطبيق إصلاحات أشبه بغلق الصندوق من خلال تخفيض الميزانية المخصصة للصندوق، وكذا رفع الدعم تدريجيًا عن ثلاث مواد استهلاكية هي غاز البوتان (الغاز المنزلي) والسكر والدقيق، وفي المقابل تعمل الحكومة المغربية على دراسة مقترح بطاقة الدعم باعتباره حلٍّا بديلًا عن صندوق المقاصة، وهو ما أكّده وزير الشؤون العامة والحكامة المغربي لحسن الداودي بالقولِ: إن «الحكومة تحضر بطاقة الاستهداف بهدف دعم الفقراء؛ لأنهم لا يستفيدون من صندوق المقاصة»، مشددًا على أنه سيتم رفع الدعم عن مواد المقاصة بعد سنتين، وقال بهذا الخصوص: «لا يمكن رفع الدعم قبل 2019؛ لأن هناك دراسة يتم الاشتغال عليها، ولن تكون جاهزة قبل هذا التاريخ».

بنشعبون يؤدي اليمين أمام الملك المغربي

ينتظر محمد بنشعبون أيضًا ملف قانون المالية لسنة 2019، الذي تستعد الحكومة المغربية لإعداده، والذي تم تحديد أربع أولويات خاصة به، تتمثل في إعطاء الأولوية للسياسات الاجتماعية، وبرامج الحماية الاجتماعية، والإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي ودعم القدرة الشرائية للمواطنين؛ وكذلك مواصلة الورشات الكبرى، إضافة إلى دعم الاستثمار والمقاولة، ومواصلة الإصلاحات الكبرى.

وكان قانون المالية لسنة 2018، والمعد من طرف وزير الاقتصاد السابق محمد بوسعيد قد تعرض لانتقادات واسعة من طرف مسؤولين في مديرية الميزانية بوزارة الاقتصاد والمالية بسبب الخلل الموجود في مقترحات اعتمادات قانون المالية لسنة 2018 بين قطاعات اجتماعية أساسية موجهة لعموم الشعب، مثل بقاء ميزانية وزارة الفلاحة بمبلغ 17 مليار درهم، والإبقاء على ميزانية الصحة في حدود 12 مليار درهم.

وباستمرار المقاطعة الشعبية لمنتجات ثلاث شركات كبرى هي «أفريقيا» لتوزيع الغاز والوقود، والتابعة للملياردير عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري المقرب من القصر الملكي، وماء «سيدي علي» الشركة المصنعة والموزعة للمياه المعدنية التابعة لمريم بنصالح شقرون رئيسة جمعية المقاولات المغربية، وشركة «سنطرال دانون» لمنتجات الحليب، يجد وزير الاقتصاد والمالية الجديد نفسه في مواجهة مباشرة مع المقاطعين، خصوصًا أنّ من أسباب إقالة سلفه في القطاع، محمد بوسعيد، كانت العبارة الشهيرة «مداويخ» التي وصف بها المقاطعين، فيما سيحاول بنشعبون إيجاد حلٍ للمقاطعة المستمرة لأكثر من أربعة أشهر، والتي كبدت الشركات المقاطَعة خسائر مادية كبيرة.

ويُعد الحراك الذي يشهده الريف المغربي منذ أزيد من عام أحد العوامل التي تهدد استقرار المغرب واقتصاده، وفي محاولة لاحتواء الحراك أعلن الملك المغربي سلسلة مشاريع تنموية لفائدة مدن الريف، من بينها مشروع «الحسيمة منارة المتوسط»، الذي رُصد له مبلغ 600 مليون درهم من وزارة المالية، غير أنّ المجلس الأعلى للحسابات وجّه الشهر الماضي تهمًا ثقيلة لوزير الاقتصاد والمالية السابق محمد بوسعيد، تتمحور مجملها في تقصير وزارته في إنجاز البرنامج، وأكد التقرير الذي قدمه إدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات، أمام العاهل المغربي، أن هذا البرنامج التنموي الهام شابته مجموعة من الخروقات.

ويرى المراقبون أن هذه مثل هذه المشاريع ستكون بمثابة الامتحان الحقيقي الذي سيمر منه بنشعبون على رأس وزارة الاقتصاد والمالية، خصوصًا وأن هذه المشاريع الهامة أسقطت فيما سبق مجموعة من الوزراء.

هل ينجح بنشعبون في تجنيب المغرب أزمة اقتصادية؟

يرتكز الاقتصاد المغربي بالأساس على السياحة، التي تساهم بنسبة 10% من الناتج الداخلي الخام، إضافةً إلى تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج، والتي وصلت إلى 60.2 مليار درهم سنة 2017، ناهيك عن مداخيل صادرات الفوسفات وبعض المواد الغذائية والنسيج، في الوقت الذي لا زال القطاع الفلاحي يساهم بنسبة 15% من الناتج الداخلي الخام.

ويجد الاقتصاد المغربي نفسه هذه السنة على أبواب أزمة اقتصادية بدأت بوادرها في الانقشاع، من خلال تراجعٍ في النمو الاقتصاد الوطني بـ3.1%، مقابل 4% كان قد سجلها خلال سنة 2017، وراهنت الحكومة المغربية على تحقيق نسبة نمو للاقتصاد المحلي تبلغ 3.2% لهذه السنة، فيما تتوقع المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة رسمية عليا للإحصاء) بالمغرب، استمرار تراجع النمو لسنة 2019، إلى معدل 2.9%.

وأمام هذا التراجع المستمر في نمو الاقتصاد المغربي ارتفعت نسبة البطالة بالمغرب لتصل مستوياتٍ قياسية؛ إذ أشار تقريرٌ للمجلس الاقتصادي والاجتماعي المغربي أنّ غالبية الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و 34 سنة، وهي الفئة، التي تمثل حوالي ثلث سكان البلاد، قد ظلوا على هامش النمو الاقتصادي المطرد، الذي شهدته المملكة خلال السنوات العشر الأخيرة، ولم يستفيدوا بشكل منصف من التقدم الاقتصادي المتأتي من دينامكية النمو التي عرفتها البلاد، فيما تظهر إحصاءات رسمية أن نسبة البطالة في المغرب بلغت هذه السنة 9.1%.

وتعاني المغرب من أزمة فساد كبيرة تنخر قطاعات كبيرة من الأموال، وكان رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني قد قال أواخر شهر يوليو (تموز) الماضي: إن بلاده تخسر ما بين 5% و7% من الناتج المحلي الإجمالي؛ بسبب الفساد.

العاهل المغربي محمد السادس

وبلغت ديون المغرب الخارجيّة 33 مليار دولار، حوالي نصفها ديونٌ للبنك الدولي؛ لتصبح الأكثر استدانة عربيًّا وأفريقيًا مقارنة بناتجه الداخلي الخام، ومن المتوقع أن يواصل البنك الدولي ضغوطه على المغرب من خلال مطالبه بضرورة إلغاء مجّانية التعليم والصحة.

وأمام هذه العقبات يجد وزير الاقتصاد والمالية المغربي الجديد نفسه أمام تحديات كبيرة؛ لتجنب تفاقم الوضع الاقتصادي في المغرب، والرجوع به إلى سكّة الاستقرار، خصوصًا بعد ازدهار العلاقات المغربية مع العديد من القوى الاقتصادية الإقليمية، وهو ما نتج عنه زيادة الاستثمارات القطرية والتركية، وزيادة الفرص الاستثمارية الصينية بالرباط، والتي من شأنها أن تسهم في تجنيب المغرب الأزمة الاقتصادية.

المصادر

تحميل المزيد