الشعب يرانا ويثق فينا، وهذا أمر مستمر إلى الآن. عبد الإله بنكيران، رئيس حزب العدالة والتنمية

توجه المغاربة إلى صناديق الاقتراع يوم الجمعة من أجل الإدلاء بأصواتهم في أول انتخابات محلية وجهوية بعد دستور الربيع العربي، والذي حصلت فيه الجماعات الترابية على صلاحيات إدارية ومالية شبه كاملة، في حين أعيد تشكيل خريطة الجهات بالمغرب ومنح المجالس الجهوية المنتخبة صلاحيات تنفيذية واسعة كان يتمتع بها سابقًا الوالي (المعين من طرف الملك). وتعد انتخابات الجمعة مفصلية في المشهد السياسي المغربي لسببين رئيسيين، نظرًا لما صارت تتمتع به المجالس البلدية والجهات من نفوذ؛ مما قد يساعد الأحزاب على ترسيخ وجودها بمختلف المدن والجهات، وأيضًا لاعتبار هذه الانتخابات أول اختبار حقيقي للحكومة التي يقودها حزب العدالة والتنمية الإسلامي والتي انتخبت نتيجة للحراك المغربي سنة 2011.


النسخة المغربية من الربيع العربي تمخض عنها دستور جديد أعاد تقسيم جهات المغرب، ومنح المجالس المنتخبة صلاحيات إدارية ومالية كبيرة.

ترشيحات مكثفة وحملة انتخابية حامية الوطيس

هذا وقد تنافس 31 حزبًا وائتلافًا لشغل أكثر من 30000 منصب مستشار جماعي و600 مستشار جهوي في جهات المغرب الاثنتي عشرة، في مقدمتها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم، وحزب الاستقلال، وحزب الاتحاد الاشتراكي، وغيرها من الأحزاب المغربية التقليدية، في حين تميزت انتخابات هذه السنة بأول مشاركة لفيدرالية اليسار الديمقراطي المشكل من أحزاب يسارية دأبت على مقاطعة الانتخابات وشاركت بقوة في حركة 20 فبراير المتزعمة للحراك المغربي لسنة 2011.

الإسلاميون، اليسار الجديد.. والدولة العميقة

غير أن أنظار الإعلام والمتابعين في المغرب توجهت إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أسسه المستشار الملكي الحالي وصديق الملك المقرب فؤاد عالي الهمة سنة 2008، واكتسح الانتخابات البلدية بعد أقل من عام من تأسيسه في انتخابات أجمعت جل الأحزاب في وقتها أنها عرفت انحيازًا وتزويرًا من جانب الدولة للحزب الوليد، وظل منذ تلك اللحظة يوصف بـ”حزب النظام” من طرف المحللين والنشطاء، لدرجة أن حل ذلك الحزب كان أحد المطالب الأساسية للمتظاهرين المغاربة سنة 2011.

واتجهت الأنظار بالذات إلى ذلك الحزب نظرًا لتوفقه في تغطية أكبر نسبة من الدوائر بمرشحيه، لا سيما في البوادي والقرى، ونظرًا لكونه حزب المعارضة الرئيس والخصم العنيد لحزب العدالة والتنمية في المغرب.

حملة حامية الوطيس

عرف المغرب خلال الحملة معركة حامية الوطيس لا سيما بين حزب العدالة والتنمية، وحزب الأصالة والمعاصرة، في حين أشارت تقارير إلى وجود خروقات كبيرة تلخصت في أعمال البلطجة وتوزيع الأموال والولائم، إضافة إلى خرق قانون المنشورات الانتخابية، وهي اتهامات تبادلتها أحزاب الأغلبية والمعارضة رغم أن كل المؤشرات تشير إلى أن نسبة كبيرة من الخروقات ارتكبها مرشحو الأحزاب الإدارية لا سيما الأصالة والمعاصرة، الاتحاد الدستوري والتجمع الوطني للأحرار.

وقد شهدت الحملة الانتخابية إنزالًا كثيفًا لمعظم القيادات الحزبية، لا سيما عبد الإله بن كيران رئيس الوزراء وزعيم الإسلاميين والذي تنقل بطائرة خاصة لمعظم المدن المغربية الكبرى لحشد أنصاره ودعم مرشحيه مسلحًا بما وصفه بنجاحات الإصلاحات التي قادها من موقعه الحكومي، خصوصًا الإصلاحات الاجتماعية كدعم الطلبة والأرامل والمطلقات إضافة إلى التغطية الصحية التكميلية والتي تدعي الحكومة نجاحها
في نفس الوقت، شدت الانتباه حملات فيدرالية اليسار نظرًا لكونها تشارك للمرة الأولى في الانتخابات تحت شعار القضاء على الفساد وإعطاء الفرصة للشباب، وقد حظيت تلك الحملات بمتابعة إعلامية كبيرة، لا سيما في مدن الدار البيضاء والرباط حيث ترشحت وجوه يسارية برزت على الخصوص إبان حراك 20 فبراير المغربي.

نسبة المشاركة.. هاجس النظام

هذا وقد شهد المغرب حملة غير مسبوقة لتشجيع الناس على المشاركة، تمثلت في الشحن الإعلامي الكثيف وتسهيل بعض العمليات كإلغاء بطاقة الناخب وجعل التصويت بالبطاقة الوطنية فقط.

وقد حظيت أقاليم الصحراء الغربية، المتنازع عليها مع جبهة البوليساريو المدعومة من الجزائر، تركيزًا أكبر نظرًا لما قد تشكله نسب المشاركة من دليل يؤكد أو ينفي انخراط الصحراويين في العملية السياسية المغربية.

وقد أعلنت وزارة الداخلية نسبة مشاركة تجاوزت 52% بقليل، في حين شهدت أقاليم الصحراء الغربية نسب مشاركة بـ43% في جهة العيون و54% في جهة الداخلة المشكلتين للصحراء.

وزير الداخلية المغربي أثناء إعلان النتائج ونسب المشاركة.

نتائج متباينة.. وفوز سياسي إسلامي

أعلنت وزارة الداخلية النتائج النهائية صباح السبت، وذلك بإعلان احتلال حزب الأصالة والمعاصرة ذي أعلى نسبة ترشيح المركز الأول بـ6655 مستشارًا جماعيًّا (%21)، أغلبهم في القرى والبوادي، متبوعًا بحزب الاستقلال، أعرق الأحزاب المغربية، بـ5106 مستشارين جماعيين بنسبة 16%، متبوعًا بحزب العدالة والتنمية بـ5022 مستشارًا بنسبة 15%، أي أكثر بـ4 مرات ما حققه في الانتخابات البلدية السابقة.

فيما يخص الجهات فقد جاء حزب العدالة والتنمية أولًا بواقع 174 مقعدًا، أي بنسبة 25.66 في المائة، متبوعًا بحزب الأصالة والمعاصرة بـ 132 مقعدًا، ما يمثل 19.47 في المائة من مجموع المقاعد، ويليه حزب الاستقلال بـ119 مقعدًا أي بنسبة 17.55 في المائة.

هذا وإن احترمت النتائج المعلن عنها منطق نسبة الترشيح الخاص بكل حزب، فإن أبرز النتائج كانت الاختراق الكبير الذي حققه الحزب الإسلامي بأن تمكن من السيطرة على أغلب المدن الكبرى في المغرب، كالدار البيضاء، الرباط، القنيطرة، طنجة، فاس، مكناس، مراكش، أكادير، تطوان، الجديدة، آسفي، سطات، خريبكة وغيرها من المدن ذات الكثافة السكانية العالية.

أول تصريح لابن كيران عقب ظهور النتائج الأولية.

يكمن أكبر إنجاز انتخابي يحسب للإسلاميين إسقاطه لسياسيين سيطروا لمدة طويلة على العدد من المدن والجهات، إضافة إلى تمكنه بإلحاق هزيمة “مذلة”  بـ3 رؤساء أحزاب معارضة رئيسية (من أصل 4)، في مقدمتها حميد شباط، رئيس حزب الاستقلال، والذي اكتسح مرشحو العدالة والتنمية في فاس معقل الحزب التقليدي، إضافة إلى مصطفى الباكوري أمين عام حزب الأصالة والمعاصرة، والذي هزم بشكل كبير في مسقط رأسه بالمحمدية، مرورًا بعمدة الدار البيضاء ورئيس حزب الاتحاد الدستوري المعارض، والذي فشل في الحفاظ على عموديته حيث حصل الحزب الإسلامي على الأغلبية منفردًا.

هذا وقد أصدرت أحزاب المعارضة بيانًا أمس انتقدت فيه سير العملية الانتخابية، كما اشتكت فيها من العديد من الخروقات، في حين أصدر التحالف الذي يقوده حزب العدالة والتنمية عدة استنكارات تتهم أحزاب المعارضة، لا سيما حزب الأصالة والمعاصرة، باستعمال المال والبلطجة لاستعمال الناخبين.

وفي نفس السياق، اعتبر العديد من المحللين أن العدالة والتنمية نجا من تصويت عقابي كان من المتوقع أن يناله بحكم موقعه الحكومي، في حين أكد آخرون أن هذه النتائج استفتاء إيجابي على شعبية زعيم الإسلاميين عبد الإله بن كيران قبل أقل من سنة عن موعد الانتخابات التشريعية المرتقبة في خريف 2016، وبالتالي استمراره في قيادة الائتلاف الحكومي المتمخض عن انتخابات ما بعد الربيع العربي في المغرب.

المصادر

تحميل المزيد