عادت من جديد الاحتجاجات إلى ميادين المغرب، وهيمنت على شوارعها، بواسطة الأساتذة المتعاقدين بعقود حكومية، ساعين من وراء هذا الزخم الاحتجاجي إلى لضغط على السلطات المغربية، من أجل التخلي عن سياسة التعاقد المؤقت، والإدماج في الوظيفة العمومية، غير أن مطالبهم لا تجد – حتى الآن – تجاوبًا من جانب السلطات المغربية التي ترى في هذه السياسة رفعًا لجودة التعليم، وترشيدًا ماليًا.
بين استمرار التظاهرات، وارتفاع أعداد المتظاهرين، بمرور الوقت، وتلويح الحكومة بمعاقبة المتظاهرين، ومطالبتهم بالعودة لفصولهم، تُثأر أسئلة حول احتمالات استمرار التظاهرات من عدمها، وعما إذا كانت صدى لاحتجاجات الجزائر، الدولة الحدودية للمغرب، أم أنها لا تعدو كونها تظاهرات فئوية من قطاع مُحدد لا تلبث أن تنتهي.

الأساتذة المتعاقدون.. فئة جديدة في المغرب

قضى يوسف خلود، 34 عامًا، فترة زمنية قصيرة  للتدريب في مراكز جهوية للتربية والتكوين، وهى مراكز حكومية لإعداد المعلمين، درس خلالها عددًا من المناهج التربوية والنفسية اللازمة للتعامل مع الطالب في المدارس، مهيئًا نفسه بعد ذلك للعمل كمدرس في أحد مدارس بلاده الحكومية بشكل دائم.

لكن تبدل هذا المسار الوظيفي الذي تخيله يوسف لنفسه، بعدما رفضت الحكومة تعيين هؤلاء الأساتذة بشكل دائم كحال موظفيها الحكوميين تخفيضًا للنفقات، والتزامًا بسياستها الجديدة في تخفيض أعداد العاملين في الحكومة، التي أقرتها في قانون المالية لسنة 2018، والتي شددت فيه على الاعتماد على التوظيف بالتعاقد، خصوصًا على صعيد قطاع التعليم بالخصوص، بهدف التقليص من الوظائف العمومية الدائمة، وتخفيف العبء المالي على ميزانية الدولة.

وقد بدأت ظاهرة الأساتذة المتعاقدين في المغرب، التي تسميهم الحكومة المغربية «أطر الأكاديميات الإقليمية للتعليم»، منذ يناير (كانون الثاني) عام 2017، كفئة جديدة في قطاع التعليم، بعد فترة تدريب وإعداد في مراكز جهوية للتربية والتكوين، وبذلك أصبح الأساتذة المنتسبون إلى القطاع فئتين: فئة موظفي وزارة التربية الوطنية، وفئة المتعاقدين مع الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين.

بينما يعتقد يوسف أن الإدماج في الوظيفة العمومية هو المطلب الأساسي، وأن التحايل على تعيينهم بشكل دائم تحت حجج جودة التعليم هى محض تبريرات واهية وشرعنة قانونية لما تفعله الحكومة، قائلًا: «أغلبنا لم تصله مستحقاتنا كاملة، فضلًا عن تساهل الحكومة في فصل أساتذة بمدن زاكورة وبولمان، في ضوء تقارير صادرة عن الوزارة حول أدائهم».

وقد عبر عن وجهة النظر الحكومية، وزير المالية محمد بوسعيد، قبل إقالته، أمام جلسة عامة بمجلس النواب، شارحًا ذلك: «لا يمكن بأي حال من الأحوال اعتبار أن المتعاقدين في وضعية هشة أو أن تعتبرهم الوزارة كذلك؛ لأن ذلك لن يضمن جودة في العمل، في حين أن المراد من نظام التعاقد هو ضمان هذا الأمر «حيث يعرف المتعاقد ما عليه من واجبات، ويضمن حقوقه في نفس الوقت».

لا تُمثل تعهدات السلطات المغربية بتقديم مشروع عقود عمل «ذات جودة»، لكل الأساتذة المتعاقدين، أمرًا كافيًا ليوسف، الذي سبق له التظاهر مع آلاف الأساتذة لفترات متقطعة طيلة عامي 2017 و2018 مطالبين بالترسيم (الإدماج في الوظيفة العمومية)، وردت عليهم وزارة التربية، آنذاك، «أنهم ولجوا منذ البداية إلى قطاع التعليم ليكونوا متعاقدين مع الأكاديميات الجهوية، وليسوا موظفين مع الوزارة، وأن العقد الذي وقعوا عليه يتضمن ذلك، ولا يمكنهم التنصل منه»، وفقًا ليوسف.

ويعتقد منسق لجنة الإعلام بتنسيقية الأساتذة المتعاقدين، ربيع الكرعي، في تصريحات لـ«ساسة بوست» أن الاحتجاج تمكن من استصدار قرار حكومي بمراجعة النظام الأساسي، حيث اقترحت الوزارة تعديل النظام الأساسي والاستجابة لبعض مطالب الأساتذة المتعاقدين، لكن جوهر العرض الحكومي، أي التوظيف الجهوي، ظل دون تغيير؛ ما يجعلهم يواصلون الضغط بالاحتجاج حتى الآن.

ويصل عدد المحتجين من الأساتذة إلى نحو 70 ألف وفقًا ليوسف، الذي يوضح أن هؤلاء يشاركون بكثافة في الاحتجاجات من خلال الإضراب عن التدريس، وأحيانًا من خلال مسيرات وتظاهرات في الجهات، وأحيانًا تكون مسيرات وطنية في العاصمة الرباط.

ويضيف ربيع أن وزارة التربية الوطنية اقترحت في يونيو (أذار) 2018 نظامًا أساسيًا خاصًا بالأساتذة المتعاقدين، يوضح حقوقهم وواجباتهم، على الأكاديميات الجهوية للمصادقة عليه في مجالسها الإدارية، تضمن مقتضيات لم يتم التنصيص عليها في العقد الموقع بين الأستاذ والأكاديمية، خصوصًا من قبل الفوج الأول 2016 الذي شرع في العمل في يناير 2017.

دروس لبقية العرب.. كيف نجحت حكومة المغرب في تقليص أزمة البطالة؟

هل تتراجع الحكومة عن نظام التعاقد؟

على خلاف كافة الاحتجاجات السابقة، التي تجاوبت معها السلطات المغربية لاحتواء دوافع غضب المتظاهرين، وتفاعل الملك محمد السادس بشحصه تجاه المطالب؛ تبدو قضية الأساتذة المتعاقدين خارج قائمة هذه القضايا التي تُصر الحكومة على المضي قدمًا في تطبيق سياساتها، وعدم التنازل عنها تحت أي ضغوط مستقبلية مُحتملة.

وقد خرج رئيس الحكومة المغربية، سعد الدين العثماني، في حوار صحافي مع جريدة العُمق المغربي، مدافعًا عن السياسة التي تتبعها وزارة التربية الوطنية في معالجتها لملف الأساتذة المتعاقدين، وقال: إن «الدولة لن تتراجع عن العمل بنظام التوظيف الجهوي؛ لأن الزمن والتطورات تقتضي ذلك»، بل اعتبر إضرابهم الحالي لا مُبرر من ورائه، مُطالبًا إياهم «بالعودة إلى الأقسام مراعاة لمصلحة التلاميذ، مؤكدًا أن «السنة البيضاء (التي يلوح بها الأساتذة) غير واردة ومستبعدة جدًا».

تبع هذه التصريحات «عقاب» حكومي من خلال تنفيذ وزارة التربية الوطنية وعيدها ضدّ الأساتذة المتعاقدين الذين يواصلون الاحتجاج والإضراب طيلة هذا الأسبوع، عبر تعويض هؤلاء الأساتذة المتغيبين بزملاء آخرين، كما باشرت الاقتطاع من الأجور بالنسبة للأساتذة الذين يشاركون في الإضراب.

 

بدوره، يعتقد اسماعيل حمودي، وهو أستاذ زائر مختص في العلوم السياسية، أن الاحتجاجات الأولى كانت خفيفة، ولا تلقى الدعم الكافي؛ ما جعلها تبقى محدودة ومعزولة. لكن في يونيو (حزيران) 2018 اقترحت وزارة التربية الوطنية نظامًا أساسيًا خاصًا بالأساتذة المتعاقدين، يوضح حقوقهم وواجباتهم، على الأكاديميات الجهوية للمصادقة عليه في مجالسها الإدارية، تضمن مقتضيات لم يتم التنصيص عليها في العقد الموقع بين الأستاذ والأكاديمية، خصوصًا من قبل الفوج الأول (2016) الذي شرع في العمل في يناير 2017.

وأضاف حمودي في تصريحات خاصة لـ«ساسة بوست»أن الحكومة لايبدو أنها ستقدم تنازلات أخرى، خصوصا وأنها شرعت في توجيه الاتهام لجهات في المعارضة بأنها وراء تأجيج احتجاجات الأساتذة المتعاقدين، ويعني ذلك تسييس القضية، موضحًا كذلك أن بمقتضى النظام الأساسي، بات من اللازم تجديد العقد الأول بعقد جديد مرجعه النظام الأساسي؛ ما أثار غضب الأساتذة، حيث وجدوا في الخطوة فرصة سانحة للاحتجاج بشكل أقوى، مدعومين من قبل بعض النقابات التعليمية، وهو الاحتجاج المستمر منذ أسبوعين على الأقل.

صدى لاحتجاجات الجزائر؟

تختلف التفسيرات حول دوافع عودة التظاهرات من جديد للشارع المغربي، بهذا الزخم الكبير، بين من يعتقد أنها صدى للحركة الاحتجاجاية الواسعة في جارتها الجزائر، ومن يرى أنها ليست تظاهرات سياسية ترفع شعارات عامة، كحال التظاهرات التي تشهدها الجزائر، أوحتى التي كانت حاضرة بالمغرب في 2011.

واتبعت المغرب سياسة الحياد تجاه احتجاجات الجزائر، إذ أكد وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، على موقف بلاده «بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر» على خلفية التظاهرات التي تشهدها الأخيرة منذ 22 فبراير (شباط)، موضحًا في تصريحات رسمية أن «المملكة المغربية قررت اتخاذ موقف بعدم التدخل في التطورات الأخيرة بالجزائر وعدم إصدار أي تعليق حول الموضوع».

ويميل إسماعيل حمودي، الباحث المغربي إلى وجهة النظر الثانية، إذ يعتقد أن احتجاجات الأساتذة المتعاقدون تظل فئوية حتى الآن، علما أن هناك فئات أخرى في قطاع التعليم تحتج بدورها لأسباب خاصة بها، وأحيانا تلتقي في نضالات مشتركة، لكن في الغالب كل فئة تناضل بشكل مستقل عن الفئة الأخرى، موضحأ أنها احتجاجات فئوية مستقلة عن باقي الفعاليات الاحتجاجية في المجتمع، بحيث لا يمكن القول مثلًا إنها امتداد لحراك الريف أكتوبر (تشرين الأول) 2016 – يونيو 2017، أو احتجاجات مدينة جرادة، كما لا يمكن القول إنها صدى لاحتجاجات الجزائر.

ويؤكد حمودي أن احتجاجات الأساتذة المتعاقدون قد تستفيد من الركود في الوضع الاجتماعي والسياسي بالمغرب، لكنه يستبعد أن تتحول إلى نواة لاحتجاجات شعبية واسعة على غرار ما يحدث في الجزائر أو السودان، بالنظر إلى فئويتها، وإلى طابعها الاجتماعي الخاص.

الجزائريون ينتصرون وبوتفليقة يتنحّى.. لكن هل ستتوقف احتجاجات الجزائر؟

 

المصادر

تحميل المزيد